قبل صافرة البداية… الإعلام الفرنسي يفتح جبهة موازية ضد “أسود الأطلس”: من الضغط على التحكيم إلى اختراق الحياة الخاصة

0
111
صورة: و.م.ع

في كرة القدم الحديثة، لم تعد المباريات الكبرى تُحسم فقط داخل المستطيل الأخضر، بل تبدأ قبل ذلك بأيام على صفحات الجرائد، وفي استوديوهات التلفزيون، وعلى المنصات الرقمية. فكلما اقترب موعد المواجهات الحاسمة، تتحول وسائل الإعلام إلى جزء من المشهد التنافسي، تصنع السرديات، وتوجه الانطباعات، وتبني المناخ النفسي الذي يسبق صافرة البداية. وما يحدث قبل المواجهة المرتقبة بين المنتخبين المغربي والفرنسي في ربع نهائي كأس العالم 2026 يبدو أقرب إلى هذا النموذج، حيث لم يعد المنتخب المغربي يواجه خصما داخل الملعب فقط، بل وجد نفسه أيضا في قلب حملة إعلامية فرنسية متعددة الواجهات، تتنقل بين الرياضي والنفسي والشخصي، وكأنها تخوض مباراة موازية لا تقل أهمية عن المباراة الرسمية.

اللافت في هذه التغطية ليس كثافة الحديث عن المنتخب المغربي، فهذا أمر طبيعي بالنظر إلى قيمة المواجهة، وإنما طبيعة الزوايا التي اختارت بعض المنابر الفرنسية الاقتراب منها. فمن استدعاء ذكريات مونديال 2022، إلى إعادة فتح ملف التحكيم، ثم الحديث عن أجواء المؤتمرات الصحفية، والبحث في العلاقات الداخلية للاعبين، وصولا إلى الحياة الخاصة لنجوم المنتخب، يبدو أن الاهتمام تجاوز حدود التحليل الرياضي إلى محاولة صناعة بيئة إعلامية مشحونة قبل اللقاء.

ويبرز في هذا السياق موقع RMC Sport باعتباره أحد أكثر المنابر الفرنسية حضورا في هذا المسار، بعدما نشر سلسلة من المواد التي تتقاطع جميعها في نقطة واحدة؛ وهي إبقاء المنتخب المغربي في دائرة الجدل المستمر. فمن الناحية الظاهرة، تبدو هذه المقالات مجرد معالجة صحفية للأحداث، لكن القراءة بين السطور تكشف استراتيجية تقوم على إعادة ترتيب عناصر المشهد بطريقة تضع المغرب دائما في موقع الطرف المثير للجدل، بينما تُقدَّم فرنسا باعتبارها الطرف الذي يواجه ضغوطا خارج المستطيل الأخضر.

أولى هذه الرسائل ظهرت في مقال حمل عنوان “فرنسا – المغرب… جرح مفتوح”، حيث أعاد الموقع إحياء مباراة نصف نهائي مونديال 2022، وربطها مجددا بالجدل الذي أثير حول ركلتي الجزاء اللتين طالب بهما المنتخب المغربي آنذاك. ظاهريا، يبدو المقال استعادة لذكرى رياضية، غير أن توقيت نشره، قبل ساعات فقط من مواجهة جديدة بين المنتخبين، يمنحه وظيفة مختلفة. فالرسالة الضمنية لا تتعلق بالماضي بقدر ما تتعلق بالمستقبل؛ إذ يعاد وضع ملف التحكيم في واجهة النقاش قبل انطلاق المباراة، بما يخلق مناخا إعلاميا يضع الحكام تحت ضغط مسبق، ويعيد تشكيل الرأي العام حول أي قرار تحكيمي محتمل.

في “صحافة النظر”، لا تُقرأ الوقائع بمعزل عن توقيتها. فالذاكرة حين تُستدعى عشية المباريات الكبرى، لا تكون مجرد استذكار، بل تتحول إلى أداة لتوجيه الإدراك الجماعي. لذلك فإن استحضار مباراة 2022 لا يبدو بريئا بقدر ما يمثل محاولة لإعادة إنتاج سردية معينة قبل مباراة جديدة، بحيث يصبح أي حديث مغربي مستقبلي عن التحكيم امتدادا لـ”الجدل القديم”، وليس تعبيرا عن وقائع قد تحدث داخل اللقاء.

ولم تتوقف الحملة عند هذا الحد، بل انتقلت إلى المؤتمر الصحفي الذي سبق المباراة، حيث ركزت التغطيات الفرنسية على ما وصفته بحالة التوتر التي شهدها المؤتمر بسبب احتجاج بعض الصحافيين المغاربة على طريقة تنظيم الأسئلة، مع الإشارة أيضا إلى انزعاج المدرب الفرنسي ديدييه ديشان. وهنا أيضا، تبدو التفاصيل الصغيرة أكبر من حجمها الحقيقي. فالخبر ليس في حد ذاته مهما رياضيا، لكنه يصبح وسيلة لإعطاء الانطباع بأن الأجواء المحيطة بالمنتخب المغربي مضطربة، وأن التوتر يسبق حتى انطلاق المباراة.

هذه التقنية معروفة في صناعة الخطاب الإعلامي؛ إذ يجري تضخيم الوقائع الثانوية لإنتاج صورة ذهنية عن حالة نفسية معينة. فالهدف لا يكون دائما نقل الخبر، وإنما بناء إطار ذهني يجعل القارئ يربط المنتخب المغربي بالتوتر والانفعال، حتى وإن كانت الوقائع نفسها لا تستحق كل هذا الحجم من التناول.

الأكثر دلالة أن بعض المواد الصحفية الفرنسية اتجهت نحو قلب غرفة ملابس المنتخب المغربي نفسها. فقد خصص RMC Sport مادة للحديث عن ركلة الجزاء التي أهدرها إبراهيم دياز في نهائي كأس أمم أفريقيا، واختار لها عنوانا يحمل إيحاء واضحا بوجود أزمة داخلية بين اللاعب وأشرف حكيمي، متحدثا عن “علاقة متوترة” و”كلمات قاسية”. في الظاهر، يبدو المقال قراءة في حادثة رياضية سابقة، لكن في العمق، يطرح سؤالا مختلفا: لماذا يعاد فتح هذا الملف بالذات قبل ساعات من مباراة مصيرية؟

هنا تظهر إحدى أدوات التأثير النفسي المعروفة في الإعلام الرياضي، وهي محاولة نقل النقاش من قوة الفريق داخل الملعب إلى تماسكه خارج الملعب. فعندما يصبح الحديث عن خلافات مفترضة بين اللاعبين أكثر حضورا من الحديث عن جاهزيتهم الفنية، فإن الرسالة الضمنية تكون هي التشكيك في وحدة المجموعة، وهي نقطة يدرك الجميع أهميتها في البطولات الكبرى.

لكن الحملة لم تكتف بالجوانب الفنية أو النفسية، بل تجاوزتها إلى الحياة الشخصية للاعبين. فقد خصص موقع Grazia France مساحة واسعة للحديث عن إيمان خلاد، زوجة الحارس ياسين بونو، مستعرضا تفاصيل حياتها المهنية، وعدد متابعيها على منصات التواصل الاجتماعي، وتعاوناتها مع علامات تجارية، وحضورها في عالم الموضة والجمال.

ورغم أن مثل هذه المواد قد تبدو اعتيادية في الصحافة الفنية أو المجلات المتخصصة في المشاهير، فإن توقيتها وسياقها يفتحان الباب أمام قراءة مختلفة. فحين تصبح الحياة الخاصة للاعبين جزءا من المشهد الإعلامي قبل مواجهة رياضية كبرى، فإن الحدود الفاصلة بين التغطية الرياضية وصناعة الإثارة تبدأ في التلاشي. ولم يعد اللاعب وحده هو المستهدف، بل محيطه العائلي والاجتماعي أيضا، في محاولة لتحويل كل ما يحيط بالمنتخب إلى مادة للاستهلاك الإعلامي.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية. فجزء من الإعلام الفرنسي لا يتعامل مع المنتخب المغربي باعتباره مجرد منافس رياضي، بل باعتباره ظاهرة تستحق التفكيك من جميع الزوايا؛ من التحكيم، إلى العلاقات الداخلية، إلى المؤتمرات الصحفية، وصولا إلى الزوجات والعائلات. وهذا في حد ذاته يعكس حجم الحضور الذي بات يفرضه “أسود الأطلس” على الساحة الكروية الدولية، لكنه يكشف أيضا أن المواجهة لم تعد رياضية فقط، بل أصبحت مواجهة سرديات وصور ذهنية ورهانات نفسية.

ومن منظور “صحافة النظر”، فإن ما يجري لا يمكن اختزاله في مجرد سباق إعلامي نحو نسب مشاهدة أعلى، رغم أن الاعتبارات التجارية حاضرة بلا شك. فهناك أيضا بعد رمزي يتعلق بالمكانة التي بلغها المنتخب المغربي منذ مونديال قطر، حيث لم يعد يُنظر إليه كضيف مفاجئ على الأدوار المتقدمة، بل كقوة كروية تفرض نفسها، وهو ما يجعل كل مواجهة تجمعه بمنتخب أوروبي كبير تتجاوز بعدها الرياضي إلى أبعاد مرتبطة بالهيبة والصورة والنفوذ الإعلامي.

غير أن التجارب الأخيرة علمت المنتخب المغربي وجمهوره أن الضجيج الإعلامي لا يحسم المباريات. فالمنصات الرقمية تستطيع صناعة الجدل، والعناوين تستطيع خلق الانطباعات، لكن النتيجة النهائية لا يكتبها سوى اللاعبون داخل المستطيل الأخضر. وعندما يطلق الحكم صافرة البداية، تختفي كل السرديات أمام لغة واحدة لا تقبل التأويل: لغة الأداء، والانضباط، والفعالية.

ولهذا، قد تكون أكبر رسالة يمكن أن يبعثها “أسود الأطلس” ليست الرد على ما يُكتب، وإنما ترك الكرة تتحدث نيابة عنهم. ففي البطولات الكبرى، غالبا ما يكتب التاريخ أولئك الذين يحسمون المعارك داخل الملعب، لا أولئك الذين يخوضونها على صفحات الصحف.