البيت العربي بين الأزمات والإصلاح.. ما الذي ينتظر نبيل فهمي في قيادة الجامعة العربية؟

0
44
مقال فلسفي تحليلي يتناول تولي نبيل فهمي قيادة الجامعة العربية، ويحلل التحديات التي تواجه النظام العربي، ومستقبل العمل العربي المشترك، ودور الجامعة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
السفير نبيل فهمي - مصدر الصورة: فيسبوك

لم يكن تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 مجرد إنشاء منظمة إقليمية، بل كان تعبيرًا عن حلم سياسي سبق قيام كثير من الدول العربية الحديثة بصورتها الحالية. يومها، كان الاعتقاد السائد أن وحدة اللغة والتاريخ والجغرافيا قادرة على إنتاج نظام إقليمي يحمي المصالح العربية المشتركة ويمنح العرب صوتًا واحدًا في عالم يتشكل بعد الحرب العالمية الثانية. لكن العقود التالية أثبتت أن بناء المؤسسات أسهل كثيرًا من بناء الإرادة السياسية التي تمنحها الحياة.

اليوم، وبعد اعتماد نبيل فهمي أمينًا عامًا جديدًا للجامعة العربية لمدة خمس سنوات اعتبارًا من الأول من يوليو 2026، تبرز أسئلة أكبر من اسم الشخص الذي يجلس في مكتب الأمانة العامة بالقاهرة. فالرهان الحقيقي لا يتعلق بمن يقود المؤسسة، بل بما إذا كانت المنطقة العربية نفسها ما تزال تؤمن بفكرة العمل العربي المشترك في عصر تتزايد فيه التحالفات الثنائية والإقليمية وتتراجع فيه المؤسسات التقليدية. وقد جاء تعيين فهمي بإجماع الدول العربية خلال اجتماع مجلس الجامعة في عمّان، خلفًا لـ أحمد أبو الغيط.

أزمة الجامعة ليست في القيادة.. بل في النظام العربي

من السهل اختزال تحديات الأمين العام الجديد في الملفات الساخنة الممتدة من غزة إلى السودان، ومن ليبيا إلى اليمن. لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن هذه الأزمات ليست سوى أعراض لمرض أقدم يتمثل في هشاشة النظام العربي نفسه.

فالجامعة العربية لم تُنشأ لتكون جهازًا لإدارة البيانات السياسية، بل لتكون إطارًا لإنتاج التوافقات العربية. غير أن التحولات التي شهدها الإقليم خلال العقود الأخيرة دفعت كثيرًا من الدول إلى البحث عن حلول خارج الإطار الجماعي، سواء عبر شراكات إقليمية، أو تفاهمات ثنائية، أو تحالفات دولية. وهكذا، لم تتراجع مكانة الجامعة لأنها فشلت فقط، بل لأن البيئة السياسية العربية تغيرت بصورة جذرية.

وهنا يبرز التحدي الأول أمام نبيل فهمي: كيف يمكن إعادة الاعتبار لمؤسسة تعمل في منطقة أصبحت فيها المصالح الوطنية أكثر حضورًا من الرؤية العربية الجامعة؟

عالم عربي يعيش أكثر من زمن في آن واحد

المفارقة أن العالم العربي اليوم لا يعيش أزمة واحدة، بل أزمات تنتمي إلى عصور مختلفة.

فهناك دول ما تزال منشغلة بتثبيت مؤسساتها بعد سنوات من الصراعات الداخلية، ودول تخوض سباقًا عالميًا في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وأخرى تعيد صياغة اقتصاداتها بعيدًا عن النفط، بينما تواجه دول أخرى تحديات الأمن الغذائي والمائي وتغير المناخ.

وهذا التفاوت يجعل مهمة الجامعة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، لأن بناء موقف عربي موحد يفترض وجود أولويات متقاربة، بينما الواقع يشير إلى تعدد الأولويات واختلافها من دولة إلى أخرى.

فلسطين.. الامتحان الذي لا ينتهي

يصعب تصور أي مستقبل للعمل العربي المشترك دون المرور بالقضية الفلسطينية.

فهي ليست مجرد ملف سياسي على جدول أعمال الجامعة، بل القضية التي تشكلت حولها فكرة التضامن العربي منذ منتصف القرن العشرين.

غير أن السنوات الأخيرة أظهرت أن المقاربات العربية أصبحت أكثر تنوعًا، بين من يعطي الأولوية للحلول السياسية، ومن يركز على الاعتبارات الأمنية، ومن ينطلق من حسابات التنمية والاستقرار الداخلي.

وسيكون على الأمين العام الجديد إدارة هذا التنوع دون أن يتحول إلى مصدر انقسام، وهي مهمة تتطلب دبلوماسية هادئة أكثر من احتياجها إلى الخطابات التقليدية.

من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل

التحدي الحقيقي أمام الجامعة العربية لم يعد إصدار بيانات عقب كل أزمة، بل التحول إلى مؤسسة تستشرف المستقبل.

فالمنطقة العربية تدخل عصرًا جديدًا تتصدر فيه قضايا مثل الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وأمن سلاسل الإمداد، والطاقة النظيفة، والأمن المائي، والهجرة، مكانة لا تقل أهمية عن القضايا السياسية التقليدية.

ومن هنا، فإن نجاح نبيل فهمي لن يُقاس بعدد الاجتماعات الوزارية التي ستُعقد، وإنما بقدرته على نقل الجامعة من عقلية رد الفعل إلى عقلية المبادرة، ومن إدارة الأزمات إلى بناء سياسات عربية استباقية.

الدبلوماسية الهادئة في زمن الاستقطاب

يعرف المتابعون لمسيرة نبيل فهمي أنه ينتمي إلى المدرسة الدبلوماسية التي تفضل الحوار طويل النفس على الخطابات الصاخبة، وهو ما قد يكون مناسبًا لمرحلة تشهد استقطابًا إقليميًا ودوليًا واسعًا.

لكن نجاح هذا النهج سيظل مرهونًا بوجود إرادة عربية جماعية تمنح الأمانة العامة مساحة أوسع للحركة، لأن أي أمين عام، مهما بلغت خبرته، لا يستطيع أن يكون أقوى من الإرادة السياسية للدول الأعضاء.

ولعل السؤال الأهم الذي سيواجه الجامعة خلال السنوات المقبلة ليس: كيف تُحل الأزمات العربية؟ بل: كيف يمكن منع ولادة أزمات جديدة؟

من أمن الحدود إلى أمن الإنسان.. كيف تغير مفهوم الأمن العربي؟

إذا كان القرن العشرين قد عرف الأمن العربي باعتباره حماية للحدود ومنعًا للحروب التقليدية، فإن العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين يفرض تعريفًا أكثر اتساعًا. فالدولة قد لا تتعرض لاجتياح عسكري، لكنها قد تواجه أزمة مياه، أو هجومًا سيبرانيًا، أو انهيارًا في سلاسل الإمداد، أو موجات نزوح جماعي، أو صدمات اقتصادية تعادل في آثارها نتائج الحروب.

ومن هنا، فإن مستقبل الجامعة العربية لن يتوقف على قدرتها على التعامل مع الأزمات السياسية وحدها، وإنما على قدرتها على المساهمة في بناء مفهوم جديد للأمن العربي، يكون فيه الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والأمن الصحي، والأمن الرقمي، جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن التهديدات العابرة للحدود لا تعترف بالسيادة السياسية. فالجفاف، والأوبئة، والقرصنة الإلكترونية، والإرهاب، والجريمة المنظمة، والهجرة غير النظامية، كلها تحديات تتجاوز قدرة أي دولة منفردة على مواجهتها. وهنا، يمكن للجامعة العربية أن تستعيد بعضًا من دورها إذا نجحت في التحول إلى منصة للتنسيق العملي، لا مجرد ساحة لتبادل المواقف السياسية.

النظام الدولي الجديد.. فرصة أم اختبار؟

في الوقت نفسه، يتحول العالم بسرعة نحو نظام دولي أكثر تعقيدًا. فالتنافس بين الولايات المتحدة والصين، وعودة روسيا إلى قلب التوازنات الدولية، وصعود قوى آسيوية وإفريقية جديدة، كلها تطورات تفرض على العالم العربي إعادة تعريف موقعه.

ولعل أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه المنطقة هو التعامل مع هذه التحولات بمنطق الاصطفاف الحاد. فالتجارب الحديثة تشير إلى أن كثيرًا من الدول أصبحت تفضل تنويع شراكاتها، وعدم رهن مصالحها بقوة دولية واحدة.

وفي هذا السياق، يمكن للجامعة العربية أن تلعب دورًا مهمًا في تنسيق المواقف العربية داخل المؤسسات الدولية، والدفاع عن المصالح المشتركة في قضايا التجارة، والمناخ، والطاقة، والإصلاح المالي العالمي، بدلًا من أن يظل كل طرف يتحرك منفردًا.

الاقتصاد.. اللغة التي يفهمها المستقبل

ربما يكون التحدي الأكبر الذي ينتظر النظام العربي هو الانتقال من مفهوم “التضامن السياسي” إلى مفهوم “التكامل الاقتصادي”.

فالمنطقة العربية تمتلك مقومات استثنائية؛ ثروات طبيعية، وموقعًا جغرافيًا يربط ثلاث قارات، وسوقًا بشرية واسعة، وصناديق استثمار ضخمة، وقدرات لوجستية متنامية. لكن هذه العناصر لا تتحول تلقائيًا إلى قوة، بل تحتاج إلى مؤسسات وسياسات ورؤية بعيدة المدى.

ومن هنا، فإن الجامعة العربية مطالبة بأن تصبح منصة لدعم مشروعات الربط الكهربائي، والنقل الإقليمي، والأمن الغذائي، والاستثمار المشترك، والاقتصاد الرقمي، لأن المستقبل سيقيس قوة التكتلات بقدرتها على إنتاج التنمية، لا بعدد بياناتها السياسية.

هل تستطيع الجامعة أن تعود؟

هذا هو السؤال الذي يختصر كل ما سبقه.

فالجامعة العربية ليست مؤسسة منفصلة عن الدول الأعضاء، بل هي انعكاس مباشر لحالة النظام العربي. فإذا كانت الدول قادرة على إنتاج إرادة جماعية، ستستعيد الجامعة دورها الطبيعي. أما إذا بقيت الخلافات الثنائية والإقليمية هي المحرك الرئيسي للعلاقات العربية، فلن تستطيع أي قيادة، مهما بلغت خبرتها، أن تمنح المؤسسة دورًا يتجاوز حدود الإرادة السياسية للدول.

ولهذا، فإن تقييم المرحلة المقبلة لا ينبغي أن ينطلق من شخص الأمين العام، بل من استعداد العواصم العربية لإعادة الاستثمار في العمل الجماعي، والانتقال من إدارة الخلافات إلى إدارة المصالح المشتركة.

نبيل فهمي.. بين الواقعية والطموح

يأتي نبيل فهمي إلى الأمانة العامة وهو يحمل خبرة طويلة في العمل الدبلوماسي، سواء من خلال وزارة الخارجية المصرية أو في المحافل الدولية والأكاديمية. وهذه الخلفية قد تمنحه قدرة على قراءة التوازنات الدولية والإقليمية بلغة هادئة، بعيدًا عن الانفعال السياسي.

لكن التاريخ يعلمنا أن المؤسسات الإقليمية لا يغيرها الأمناء العامون وحدهم، وإنما تغيرها اللحظة السياسية التي تعمل فيها. فإذا كانت المنطقة تدخل بالفعل مرحلة تتراجع فيها الصراعات لصالح التنمية والتكامل الاقتصادي، فقد تجد الجامعة العربية فرصة لإعادة تعريف دورها. أما إذا عادت المنطقة إلى دوائر الاستقطاب الحاد، فإن مساحة الحركة ستضيق مهما بلغت كفاءة القيادة.

الفكرة التي تنتظر من يوقظها

ربما لم تكن الأزمة الحقيقية للجامعة العربية يومًا أزمة لوائح أو هياكل تنظيمية، بل أزمة سؤال. ما الذي يجمع العرب اليوم؟ وما المشروع الذي يجعل التعاون بينهم ضرورة لا خيارًا؟

لقد تغير العالم كثيرًا منذ عام 1945، وتغيرت معه الدول العربية، وتبدلت أولويات شعوبها، وأصبحت التنمية، والابتكار، والتعليم، والأمن الاقتصادي، لا تقل أهمية عن القضايا السياسية التقليدية.

ولهذا، فإن نجاح المرحلة الجديدة لن يقاس بعدد القمم التي ستُعقد، ولا بعدد البيانات التي ستصدر، وإنما بقدرة الجامعة العربية على استعادة دورها كصانع للتوافقات، ومنصة للمبادرات، وجسر بين المصالح العربية المتباينة.

فالمنظمات، مثل الأمم، لا تعيش على تاريخها وحده. إنها تعيش بقدرتها على فهم زمنها. وإذا نجح النظام العربي في إدراك أن التحديات المقبلة لا يمكن مواجهتها إلا بعمل جماعي أكثر مرونة وواقعية، فقد تكون هذه المرحلة بداية استعادة فكرة الجامعة العربية، لا باعتبارها إرثًا من الماضي، بل باعتبارها أداة للمستقبل.

وفي النهاية، تبقى المؤسسات الإقليمية مرآة لإرادة أعضائها. فإذا اجتمعت الإرادات، أصبحت الجامعة بيتًا عربيًا فاعلًا. وإذا تفرقت، بقيت الجدران قائمة، بينما يغادرها المعنى.