وهبي يفتح جبهة جديدة مع المحامين… واجتماع مرتقب مع أخنوش لحسم إحالة منشوراتهم على النيابة العامة

0
114
صورة: مجلس المستشارين

لم تعد الأزمة بين وزارة العدل والمحامين تدور فقط حول مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، بل يبدو أنها دخلت مرحلة أكثر حساسية وتعقيدا، بعدما أعلن وزير العدل عبد اللطيف وهبي عزمه الاجتماع برئيس الحكومة عزيز أخنوش لبحث إمكانية إحالة منشورات وتدوينات صادرة عن محامين على النيابة العامة، بدعوى أن بعضها يتضمن، بحسب تقدير الوزارة، مساسا بالمؤسسات الدستورية ورموز الدولة. وهنا تتغير طبيعة الصراع بالكامل؛ إذ لم يعد النقاش يتعلق بنص قانوني مختلف حوله، وإنما انتقل إلى مساءلة الخطاب نفسه، لتصبح الكلمة موضوعا للتحقيق، والرأي محل تقييم قانوني، والاحتجاج الرقمي جزءا من ملف قد ينتهي أمام القضاء.

في ظاهر الأمر، تبدو الخطوة امتدادا لمنطق حماية المؤسسات واحترام القانون، وهو مبدأ لا يختلف حوله اثنان داخل دولة المؤسسات. لكن صحافة النظر لا تتوقف عند ظاهر الخطاب، بل تحاول تفكيك ما يخفيه من رسائل سياسية وقانونية. فحين تعلن وزارة العدل أنها جمعت منشورات محامين، وتدرس إمكانية إحالتها على النيابة العامة، فإن الرسالة لا تتوجه فقط إلى أصحاب تلك التدوينات، بل تمتد إلى الفضاء المهني والسياسي والإعلامي بأكمله، وكأن الدولة تقول إن سقف النقاش قد بلغ حدوده، وإن المواجهة انتقلت من الحوار إلى الاختبار القانوني.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه ليس قانونيا فقط، بل سياسي أيضا. لماذا الآن؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات، بينما لم يتبق سوى أشهر قليلة على نهاية الولاية الحكومية، والبلاد تتجه تدريجيا نحو أجواء الاستحقاقات التشريعية المقبلة؟ ففي مثل هذه المراحل، تنتظر النخب والرأي العام من الحكومات تخفيف منسوب الاحتقان، وإغلاق الملفات الخلافية، وترميم الثقة مع الفاعلين، لا توسيع دوائر الصدام مع واحدة من أكثر المهن ارتباطا بمنظومة العدالة.

هنا تظهر المفارقة الكبرى. فالحكومة التي يفترض أنها تدخل أشهرها الأخيرة مطالبة بتصفية الملفات الاجتماعية والاقتصادية العالقة، وتقديم حصيلة سياسية وإصلاحية تقنع الناخبين، تبدو اليوم وكأنها تضيف إلى رصيدها جبهة جديدة، هذه المرة مع المحامين، بعد أشهر طويلة من الجدل الذي رافق عددا من الملفات الحساسة. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل هذا هو الإرث السياسي الذي ترغب الحكومة في تركه قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع؟

الأكثر دلالة أن الأزمة لم تعد محصورة بين وزارة العدل والهيئات المهنية، بل تسربت إلى داخل الأغلبية الحكومية نفسها. فإعلان منظمة المحامين التجمعيين، المنتمية إلى حزب رئيس الحكومة، رفضها للصيغة الحالية لمشروع القانون، لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف تقني حول بعض المقتضيات، بل يكشف أن التوافق الذي كان يفترض أن يشكل قاعدة الإصلاح قد تعرض للاهتزاز حتى داخل البيت الحكومي. وعندما يبدأ الخلاف من داخل الأغلبية، فإن الرسالة السياسية تصبح أكثر تعقيدا من مجرد خلاف مهني.

وهنا تبرز قراءة أخرى لا تقل أهمية. فإذا كان وزير العدل يتحدث عن التنسيق مع رئيس الحكومة لإحالة بعض الملفات على النيابة العامة، فإن السؤال الذي سيفرض نفسه على الرأي العام هو: هل سيكون رئيس الحكومة أمام خيار دعم وزيره بالكامل، أم البحث عن مخرج سياسي يعيد الحوار إلى سكته الطبيعية؟ لأن أي قرار في هذا الاتجاه لن تكون له آثار قانونية فقط، بل ستكون له أيضا كلفة سياسية وانتخابية لا يمكن تجاهلها.

ومن زاوية أعمق، فإن المحاكم نفسها تدخل إلى قلب هذا الجدل، ليس لأنها طرف في الأزمة، وإنما لأنها قد تجد نفسها مطالبة بالنظر في ملفات ذات امتدادات سياسية ومهنية وإعلامية في وقت تعرف فيه الساحة القضائية أصلا نقاشا واسعا حول استقلال العدالة، وفعالية المؤسسات، وحق المواطنين في الولوج إلى القضاء داخل آجال معقولة. ولذلك يبرز سؤال آخر لا يقل حساسية: هل تحتاج المحاكم، في هذه المرحلة الدقيقة، إلى مزيد من الملفات ذات الطابع السياسي والمهني، أم أن أولويتها ينبغي أن تبقى تصفية القضايا المتراكمة، وتسريع البت في نزاعات المواطنين الذين ينتظرون العدالة قبل أي شيء آخر؟

فالعدالة ليست مجرد نصوص تطبق، بل هي أيضا صورة تبنى في وعي المجتمع. وكلما توسعت دائرة القضايا ذات الخلفيات السياسية أو المهنية، ازداد العبء الرمزي على المؤسسة القضائية، التي تجد نفسها مطالبة بالحفاظ على صورتها كسلطة مستقلة بعيدة عن كل تأويل سياسي. ومن هنا، فإن الزج بالقضاء في قلب هذا الصراع قد يضعه أمام امتحان إضافي، بينما هو في الأصل مطالب بالتركيز على رسالته الأساسية: إنصاف المتقاضين وحماية الحقوق والحريات.

أما في العمق، فإن القضية تتجاوز مشروع قانون المحاماة أو منشورات مواقع التواصل الاجتماعي. إنها تتعلق بطريقة إدارة الخلاف داخل الدولة الحديثة. فالديمقراطيات لا تقاس فقط بقدرتها على سن القوانين، وإنما أيضا بقدرتها على استيعاب الاعتراض، وإدارة الاختلاف، وتحويل الاحتقان إلى حوار مؤسساتي، لا إلى مواجهة مفتوحة تتداخل فيها السياسة بالقانون، والاحتجاج بالقضاء.

ولعل أخطر ما يمكن أن تفرزه هذه المرحلة هو انتقال منطق الخلاف من المؤسسات المهنية إلى ساحات المحاكم، لأن ذلك قد يعمق الشعور بأن الحوار استنفد إمكاناته، وأن القضاء أصبح آخر محطة في نزاع كان يمكن أن يحسم بالتفاوض والتوافق. وفي لحظة سياسية تقترب فيها البلاد من موعد انتخابي جديد، تبدو الحاجة إلى التهدئة أكثر إلحاحا من الحاجة إلى التصعيد، وإلى بناء الجسور أكثر من فتح الجبهات.

في النهاية، لا يبقى السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت بعض التدوينات تشكل مخالفة قانونية، فذلك أمر تختص به المؤسسات القضائية وفق الضمانات الدستورية. السؤال الأعمق هو: أي رسالة تريد الحكومة أن تبعث بها وهي على مشارف نهاية ولايتها؟ هل رسالة مفادها أن الخلافات المهنية تنتهي بالحوار والتوافق، أم رسالة توحي بأن آخر ما سيبقى في الذاكرة الجماعية لهذه المرحلة هو اتساع دائرة المواجهة، حتى مع من يشكلون أحد أعمدة منظومة العدالة نفسها؟ ففي السياسة، كما في القضاء، لا يصنع التاريخ القرار وحده، بل يصنعه أيضا توقيته، وسياقه، والرسائل التي يبعث بها إلى المجتمع.