كلما اقترب موعد الانتخابات في المغرب، بدا المشهد السياسي وكأنه يدخل موسماً جديداً لا يختلف كثيراً عن سوق الانتقالات في عالم كرة القدم. الأحزاب تفتح أبوابها لاستقبال “الوافدين الجدد”، والمنتخبون يبدلون الألوان والشعارات، والقيادات تتحدث عن “تعزيز الصفوف” و”استقطاب الكفاءات”، فيما يبقى المواطن وحده يتابع المباراة من المدرجات، منتظراً نهاية موسم جديد لا يعرف إن كان سيغير شيئاً في حياته اليومية.
هذا هو المعنى الأعمق الذي حملته الجولة التنظيمية التي أطلقها حزب الأصالة والمعاصرة بالأقاليم الجنوبية، والتي انتهت بإعلان مرشحي الحزب للانتخابات التشريعية المقبلة، وباستقطاب شخصيات وازنة ومنتخبين قادمين أساساً من حزب الاستقلال، وفي مقدمتهم رئيس جهة الداخلة وادي الذهب الخطاط ينجا، إلى جانب عدد من البرلمانيين والأعيان. فالخبر، في ظاهره، يتعلق بإعلان التزكيات واستكمال الخريطة الانتخابية، لكنه في جوهره يكشف استمرار منطق إعادة توزيع موازين القوة بين الأحزاب قبل انطلاق السباق الانتخابي.
ولم يكن اختيار الأقاليم الجنوبية محطة أولى لهذه الجولة اعتباطياً. فالجنوب ظل، عبر مختلف الاستحقاقات، أحد أهم المفاتيح الانتخابية في المغرب، ليس فقط بسبب عدد المقاعد، ولكن أيضاً بسبب رمزيته السياسية والدبلوماسية، باعتباره واجهة الدولة في قضية الصحراء. لذلك فإن كل حزب يسعى إلى الظهور هناك وهو يمتلك أكبر قدر من النفوذ المحلي، وأوسع شبكة من المنتخبين والأعيان، لأن معركة الجنوب تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة إلى معركة الصورة والتموقع داخل المشهد الوطني.
الإعلان عن أسماء المرشحين بدائرة العيون والسمارة وبوجدور وطرفاية لم يكن سوى الوجه التنظيمي للمشهد. أما الوجه السياسي الحقيقي، فكان في الرسالة التي أراد الحزب توجيهها إلى خصومه: أن الأصالة والمعاصرة لا يكتفي بالحفاظ على قواعده، بل أصبح قادراً على استقطاب أسماء كانت، إلى وقت قريب، تشكل جزءاً من القوة الانتخابية لأحزاب منافسة، وفي مقدمتها حزب الاستقلال، بل وحتى حزب التجمع الوطني للأحرار.
غير أن القراءة المتأنية لهذا الحراك تطرح سؤالاً يتكرر مع كل استحقاق انتخابي: ماذا يعني أن ينتقل منتخب، بنى رصيده الانتخابي تحت راية حزب معين، إلى حزب آخر قبل أشهر فقط من الانتخابات؟ هل الذي ينتقل هو البرنامج السياسي؟ أم القناعة الفكرية؟ أم أن الذي ينتقل هو الوزن الانتخابي فقط؟
هنا تبدأ المسافة بين ظاهر الخبر وعمقه. فاللغة السياسية تتحدث عن “التحاق” و”استقطاب” و”تعزيز”، بينما يقرأ المواطن المشهد بطريقة مختلفة تماماً. فهو يرى الوجوه نفسها، تتحرك بين الأحزاب نفسها، دون أن يتغير الخطاب العمومي أو طبيعة البرامج أو الأولويات التنموية. وكأن الأحزاب أصبحت تتنافس على المنتخبين أكثر مما تتنافس على الأفكار.
وهذا ما يجعل المشهد الانتخابي المغربي يبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلى بطولة رياضية تتكرر كل دورة انتخابية. قبل انطلاق الموسم، تبدأ المفاوضات، وتفتح أبواب الانتقالات، وتتنافس الأحزاب على استقطاب “النجوم”، ثم تنطلق الحملة الانتخابية، وتنتهي المباراة بتشكيل أغلبية ومعارضة، قبل أن يبدأ الجميع الاستعداد للموسم التالي بالطريقة نفسها تقريباً.
وإذا كان من حق أي منتخب أن يختار الإطار السياسي الذي يراه مناسباً، فإن السؤال الديمقراطي الحقيقي لا يتعلق بحرية الانتقال، بل بمدى احترام الإرادة الشعبية. فالناخب الذي منح صوته لمرشح تحت شعار حزب معين، يجد نفسه بعد فترة أمام ممثل سياسي يحمل شعاراً مختلفاً تماماً، دون أن يكون قد عاد إلى صناديق الاقتراع ليستأذن أصحاب الأصوات الذين منحوه الشرعية.
وفي الأقاليم الجنوبية تحديداً، تبدو هذه التحركات أكثر حساسية، لأن المنافسة لا تدور فقط حول المقاعد البرلمانية، بل حول شبكات النفوذ المحلي، والعلاقات القبلية، وموازين التأثير داخل الجماعات والجهات، وهو ما يجعل استقطاب شخصية واحدة قادراً أحياناً على تغيير خريطة انتخابية كاملة.
كما أن الجولة التي تقودها القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة تحمل رسالة داخلية أيضاً، مفادها أن الحزب يريد الظهور باعتباره الأكثر جاهزية قبل موعد 23 شتنبر، وأنه يسابق الزمن لإغلاق ملف الترشيحات مبكراً، وتوحيد صفوفه، وإظهار صورة تنظيمية مستقرة في مواجهة منافسة انتخابية تبدو أكثر تعقيداً من الدورات السابقة.
لكن، في المقابل، تكشف هذه التحركات عن أزمة أعمق داخل الحياة الحزبية المغربية. فحين يصبح الخبر الأساسي هو انتقال الأشخاص، لا انتقال الأفكار، وحين تتحول قيمة المنتخب إلى قدرته على جلب الأصوات أكثر من قدرته على إنتاج السياسات العمومية، فإن السياسة تفقد تدريجياً بعدها التأطيري، وتتحول إلى إدارة لموازين القوة الانتخابية.
لهذا، فإن الخبر الحقيقي لا يكمن فقط في أن “البام” أنهى جولته الجنوبية باستقطاب منتخبين من حزب الاستقلال وإعلان مرشحيه، بل في أن المغرب يدخل مرة أخرى موسم الانتقالات السياسية، حيث تتغير القمصان الحزبية بسرعة، بينما تبقى الأسئلة التي تشغل المواطنين على حالها: من سيخلق فرص الشغل؟ من سيحسن المدرسة العمومية؟ من سيطور المستشفى؟ ومن سيحول الوعود الانتخابية إلى سياسات قابلة للقياس؟
إنها المفارقة التي تتكرر مع كل استحقاق: الأحزاب تتحرك بسرعة، والمنتخبون يغيرون مواقعهم، والتحالفات يعاد رسمها، لكن المواطن لا يزال ينتظر أن يتحول هذا الحراك السياسي إلى انتقال حقيقي في جودة الحكامة والتنمية. فالتاريخ الانتخابي لا يكتب بعدد المنتقلين بين الأحزاب، بل بما يتركه الفائزون من أثر في حياة الناس بعد أن تنطفئ أضواء الحملات، وتنتهي المباراة التي تتجدد كل أربع أو خمس سنوات.