من جواز السفر إلى “التروتينيت”.. الحكومة تعيد رسم حدود الدولة بين السيادة الرقمية والنظام العام

0
83
صورة: و.م.ع

بين حماية الهوية الرقمية وتنظيم فوضى الشارع.. الحكومة تفتح ورشين سياديين في قرار واحد

لم يكن اجتماع مجلس الحكومة، المنعقد الخميس، مجرد محطة للمصادقة على مرسومين تقنيين يتعلق أحدهما بجواز السفر البيومتري والآخر بتنظيم استعمال “التروتينيت”. فمن يقرأ جدول الأعمال من زاوية إدارية قد يرى مجرد تحديث لنصوص قانونية، لكن قراءة أعمق تكشف أن الحكومة كانت تتحرك في اتجاهين متوازيين يلتقيان عند عنوان واحد: إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجال العام، سواء تعلق الأمر بحدودها الخارجية أو بفضائها الداخلي.

فعندما تقرر الدولة إطلاق جيل جديد من جواز السفر المغربي، فإنها لا تستبدل وثيقة سفر بأخرى، وإنما تعيد بناء إحدى أكثر الوثائق السيادية حساسية. فجواز السفر لم يعد مجرد دفتر يسمح بالعبور بين الدول، بل أصبح بطاقة هوية رقمية معقدة، تتداخل فيها معايير الأمن السيبراني، وأنظمة التعرف البيومتري، ومتطلبات التعاون الدولي في مكافحة التزوير والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.

ومن هنا، يكتسب حديث الحكومة عن “تعزيز حماية جواز السفر المغربي” بعدًا يتجاوز اللغة التقنية. فالرسالة الضمنية هي أن الدولة تدرك أن معركة الوثائق الرسمية لم تعد تُخاض بالحبر والورق، وإنما بالتكنولوجيا والقدرة على مواكبة التطور العالمي في مجال تأمين الهويات الرقمية. لذلك جاء التأكيد على أن الجواز الجديد سيعكس الهوية المغربية بمختلف روافدها، في إشارة تحمل بعدًا رمزيا لا يقل أهمية عن البعد الأمني، إذ يصبح جواز السفر نفسه واجهة دبلوماسية وثقافية للدولة، وليس مجرد وثيقة إدارية.

وفي المقابل، حرصت الحكومة على إرسال رسالة طمأنة للمواطنين بعدم المساس الفوري بالجوازات الحالية، عبر الإبقاء على صلاحيتها إلى حين تعميم الجيل الجديد. وهي رسالة تكشف إدراكًا رسميًا لحساسية الانتقال نحو منظومة جديدة، وتجنبًا لأي ارتباك قد يمس مصالح المغاربة داخل الوطن وخارجه.

لكن الورش الثاني الذي صادقت عليه الحكومة يبدو، للوهلة الأولى، أقل أهمية. يتعلق الأمر بتنظيم استعمال وسائل التنقل الشخصي، وعلى رأسها “التروتينيت”. غير أن القراءة المتأنية تظهر أن هذا القرار يعكس تحولا أعمق في فلسفة تدبير الفضاء الحضري بالمغرب.

فالمدن المغربية عرفت خلال السنوات الأخيرة انتشارًا متسارعًا لوسائل تنقل جديدة فرضها الواقع الاقتصادي والتكنولوجي، بينما بقي القانون متأخرًا عن مواكبتها. ونتيجة لذلك، أصبح الشارع فضاءً مفتوحًا لاجتهادات فردية وسلوكات غير مؤطرة، خلقت احتكاكات يومية بين الراجلين والسائقين ومستعملي هذه المركبات.

لذلك، فإن تحديد السرعة القصوى، وإلزامية ارتداء الخوذة، ومنع استعمال السماعات أثناء القيادة، ومنع الأطفال دون سن معينة من استعمال هذه الوسائل، لا يمثل مجرد قائمة من الممنوعات، بل يعكس انتقال الدولة من مرحلة التسامح مع ظاهرة جديدة إلى مرحلة إدماجها داخل المنظومة القانونية باعتبارها جزءًا من الواقع الحضري الذي لم يعد بالإمكان تجاهله.

وإذا كانت النصوص القانونية تتحدث عن السلامة الطرقية، فإن القراءة بين السطور تكشف أن الدولة بصدد إعادة رسم قواعد استعمال الفضاء العمومي، في ظل تنامي وسائل تنقل لم تكن موجودة عند صياغة مدونة السير قبل أكثر من عقد. فالقانون هنا لا يلاحق التكنولوجيا، بل يحاول استعادة زمام المبادرة قبل أن تتحول هذه الوسائل إلى مصدر دائم للفوضى والحوادث.

كما أن منع استعمال السماعات أثناء القيادة يتجاوز الجانب التقني المتعلق بالسلامة، ليعكس فلسفة قانونية جديدة تعتبر أن المسؤولية في الطريق تبدأ بالانتباه الكامل للمحيط، وأن الحرية الفردية في استعمال وسائل التنقل تنتهي عندما تصبح مصدر خطر على الآخرين.

اللافت أيضًا أن الحكومة اختارت تقديم الورشين داخل الاجتماع نفسه، وهو ما يمنح المشهد دلالة سياسية تتجاوز ترتيب جدول الأعمال. ففي الظاهر، يتعلق الأمر بجواز سفر من جهة و”تروتينيت” من جهة أخرى، لكن في العمق نحن أمام مقاربة واحدة عنوانها تحديث أدوات الدولة لمواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع.

إن الدولة، وهي تعزز حماية وثائقها السيادية، تعمل في الوقت نفسه على تحديث قوانين الحياة اليومية داخل المدن. الأولى تحمي صورة المغرب وحدوده الرقمية في الخارج، والثانية تحمي النظام العام داخل المجال الحضري. وبين الورشين، يتضح أن منطق التدبير لم يعد يقوم فقط على إصدار القوانين بعد ظهور الإشكالات، بل على استباق التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات تنظيمية أو أمنية.

وهكذا، فإن ما بدا في البلاغ الحكومي مجرد مصادقة على مرسومين منفصلين، يكشف عند تفكيك خطابه عن رؤية أشمل تسعى إلى بناء دولة أكثر قدرة على التكيف مع التحولات التكنولوجية والاجتماعية، حيث يصبح تحديث الوثائق السيادية وتقنين وسائل التنقل الجديدة وجهين لسياسة واحدة: تحديث أدوات الدولة بما يواكب مغربًا يتغير بوتيرة أسرع من النصوص القانونية التقليدية.