بين صخب المدرجات وصمت المناجم… كيف تكشف كرة القدم عن معركة المغرب الحقيقية حول الثروة والوعي؟

0
143

ليست كل الهزائم تُقاس بنتيجة مباراة، وليست كل الانتصارات تُعلن فوق منصات التتويج. ففي الوقت الذي انشغل فيه جزء واسع من الرأي العام المغربي بتداعيات خسارة المنتخب الوطني أمام فرنسا، اختار الصحفي أيوب الرمضاني أن يوجه البوصلة نحو ملف آخر يعتبره أكثر تأثيراً في حياة المواطنين: الثروة الوطنية، وكيف تُنتج، وكيف تتراكم، وكيف تُوزع. فبين دموع الملاعب وصمت الأسواق المالية، يرى أن هناك قصة أكبر بكثير من تسعين دقيقة لكرة القدم.

التغريدة لا تتحدث في ظاهرها عن مباراة، بل تستخدمها مدخلاً لكشف مفارقة اجتماعية عميقة. فبينما تستحوذ الأحداث الرياضية على اهتمام ملايين المغاربة وتملأ الفضاء العمومي بالنقاش والانفعال، تتحرك في الخلفية مؤشرات اقتصادية هائلة لا تحظى إلا باهتمام محدود، رغم أنها تمس مباشرة مستقبل البلاد ومستوى عيش مواطنيها. وهنا يتحول الحدث الرياضي إلى مجرد عدسة تكشف ترتيب الأولويات داخل المجتمع أكثر مما تكشف مستوى المنتخب داخل الملعب.

ويستند الكاتب إلى مثال شركة “مناجم”، التي أصبحت من أكبر الشركات المدرجة في بورصة الدار البيضاء من حيث القيمة السوقية، مستفيداً من الارتفاع التاريخي لأسعار الذهب عالمياً. فحين ترتفع أسعار المعادن النفيسة، ترتفع معها قيمة الشركات المنتجة لها، وتتضاعف الأرباح، ويزداد اهتمام المستثمرين بأسهمها. وهذه دينامية اقتصادية معروفة في الأسواق الدولية، لكنها تثير في الحالة المغربية سؤالاً يتجاوز لغة الأرقام: من يستفيد فعلياً من هذا النمو؟ وما هو نصيب المجتمع من الثروة التي تنتجها موارده الطبيعية؟

وهنا ينتقل النقاش من الاقتصاد إلى السياسة العمومية. فالثروات الطبيعية ليست مجرد أرقام في ميزانيات الشركات، وإنما موارد استراتيجية يفترض أن تنعكس على جودة الخدمات العمومية، وعلى الاستثمار في الصحة والتعليم والبحث العلمي والبنيات التحتية والحماية الاجتماعية. وإذا كانت الشركات تحقق أرباحاً قياسية، فإن الرأي العام يطرح تلقائياً سؤال العدالة الاقتصادية، ليس من باب معاداة الاستثمار أو النجاح الاقتصادي، بل من زاوية البحث عن التوازن بين خلق الثروة وضمان توزيع ثمارها بصورة تحقق التنمية الشاملة.

ويكتسب هذا السؤال أهمية أكبر في ظل السياق الدولي الراهن. فارتفاع أسعار الذهب ليس نتيجة أداء شركة بعينها فقط، بل يرتبط أيضاً بحالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد العالمي، والتوترات الجيوسياسية، وتراجع الثقة في بعض الأصول المالية، ما يدفع المستثمرين إلى الذهب باعتباره ملاذاً آمناً. ومن ثم فإن جزءاً مهماً من الأرباح الاستثنائية يعكس ظروفاً عالمية استثنائية، وهو ما يفرض بدوره التفكير في كيفية استثمار هذه اللحظة الاقتصادية لبناء قيمة مضافة دائمة داخل الاقتصاد الوطني، بدل الاكتفاء بالاستفادة الظرفية من تقلبات الأسواق.

أما الرسالة الأكثر عمقاً في التغريدة فتتمثل في نقد “اقتصاد الانتباه”. فالمجتمعات الحديثة لم تعد تتنافس فقط على إنتاج الثروة، بل أيضاً على إنتاج الاهتمام. والأحداث الرياضية، بما تحمله من إثارة وعاطفة وهوية جماعية، تملك قدرة هائلة على احتلال المجال العمومي، بينما تبقى ملفات الاقتصاد والمالية العامة والثروات الطبيعية حبيسة التقارير المتخصصة، رغم أن آثارها تمتد لعقود وتمس الحياة اليومية لكل المواطنين.

ومن هنا يطرح الكاتب فكرة “معركة الوعي”. فهو لا يدعو إلى التخلي عن تشجيع المنتخب أو التقليل من قيمة الرياضة، بل يحاول إعادة ترتيب سلم الأولويات، بحيث تبقى كرة القدم فضاءً للمتعة والانتماء، دون أن تتحول إلى غطاء يحجب النقاش حول الملفات الأكثر ارتباطاً بمصير المجتمع، مثل العدالة الاجتماعية، وجودة التعليم، وفعالية القضاء، وحرية التعبير، والكرامة الإنسانية، والحكامة الاقتصادية، وحسن استثمار الثروات الوطنية.

وفي العمق، يعكس النص صراعاً قديماً يتجدد بصيغ جديدة: هل تُقاس قوة الدول بما تحققه منتخباتها من ألقاب، أم بما تنتجه اقتصاداتها من قيمة مضافة، وما توفره لمواطنيها من فرص وعدالة اجتماعية؟ فالرياضة قادرة على صناعة الفخر الوطني، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة البطالة أو تحسين المدرسة العمومية أو تطوير المستشفى أو تقليص الفوارق المجالية. وهذه المهام تظل رهينة بالسياسات الاقتصادية والمؤسسات القادرة على تحويل الثروة إلى تنمية.

قانونياً ومؤسساتياً، يفتح الموضوع باب النقاش حول مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة والشفافية في تدبير الموارد الطبيعية، وهي مبادئ يكرسها الدستور المغربي، كما يثير أسئلة حول دور المؤسسات الرقابية والبرلمان في تتبع السياسات المرتبطة بالثروات الوطنية، وضمان تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار الخاص وصيانة المصلحة العامة.

اجتماعياً، تكشف التغريدة عن اتساع الفجوة بين الاقتصاد الحقيقي كما تعكسه المؤشرات المالية، والاقتصاد المعيش كما يختبره المواطن في حياته اليومية. فقد ترتفع أرباح الشركات والأسواق المالية في الوقت الذي لا يشعر فيه المواطن بتحسن ملموس في قدرته الشرائية أو جودة الخدمات العمومية، ما يخلق شعوراً بأن النمو الاقتصادي لا ينعكس دائماً على مستوى الرفاه الاجتماعي بالوتيرة نفسها.

وفي النهاية، لا تبدو التغريدة مجرد تعليق على مباراة أو على شركة مدرجة في البورصة، بل محاولة لإعادة تعريف مفهوم الانتصار الوطني نفسه. فالانتصار الحقيقي، وفق المنطق الذي تدافع عنه، لا يتحقق فقط عندما يفوز المنتخب في الملعب، بل عندما يشعر المواطن بأن ثروات بلاده تتحول إلى تعليم أفضل، ومستشفى أكثر كفاءة، وقضاء أكثر استقلالاً، وفرص عمل أوسع، وعدالة اجتماعية أكثر رسوخاً. عندها فقط تصبح الإنجازات الرياضية إضافة جميلة إلى نجاح أكبر، لا بديلاً عنه، وتتحول معركة الوعي من شعار إلى مشروع مجتمع.