الحماية الاجتماعية.. عندما تتحول من برنامج حكومي إلى مشروع مجتمع

0
147

قراءة تحليلية في تصور الأستاذ عبد الرحيم الرماح حول رهانات العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة

لا يتحدث الأستاذ عبد الرحيم الرماح، رئيس المنتدى المغربي للتنمية الاجتماعية، في الورقة التي قدمها خلال المائدة المستديرة المنظمة بمدينة فاس حول الحماية الاجتماعية، عن مجرد ورش إداري أو برنامج تقني لتوسيع الاستفادة من التأمين الصحي أو الدعم المباشر، وإنما يطرح، في العمق، رؤية متكاملة تعتبر أن الحماية الاجتماعية هي العمود الفقري للدولة الاجتماعية، وأن نجاحها لا يقاس بعدد المنخرطين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بل بقدرتها على إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتقوية الاقتصاد، وإرساء العدالة، وصيانة التماسك المجتمعي.

ومن هذا المنطلق، فإن ما يقدمه الرماح ليس لائحة مطالب قطاعية، وإنما خارطة طريق سياسية واجتماعية وثقافية، تنطلق من قناعة مفادها أن التنمية لا يمكن أن تستقيم إذا بقيت الحماية الاجتماعية مجرد نصوص قانونية أو برامج ظرفية، دون أن تتحول إلى ثقافة جماعية ومسؤولية وطنية مشتركة.

من يقرأ مداخلة الرماح يلاحظ أنه ينطلق من مسلمة أساسية، وهي أن المغرب لا يعاني أساساً من غياب الإطار القانوني، بل من فجوة بين التشريع والتنزيل. فهو يذكر بأن المملكة تتوفر على ترسانة مهمة في قانون الشغل وقوانين الحماية الاجتماعية، منسجمة مع دستور 2011 والتوجيهات الملكية، لكن الإشكال الحقيقي، في نظره، يكمن في مدى احترام هذه القوانين وتفعيلها على أرض الواقع.

وهنا يوجه الرماح رسالة واضحة إلى صناع القرار، مفادها أن قيمة القانون لا تقاس بما يُكتب في الجريدة الرسمية، وإنما بما يغيره في حياة المواطنين. فالقوانين التي لا تجد طريقها إلى التطبيق تتحول إلى وعود مؤجلة، بينما تتحول الحماية الاجتماعية نفسها إلى حق نظري لا يشعر به العامل أو المهني أو الأسرة المغربية.

وفي هذا السياق، لا يقدم الرماح الحماية الاجتماعية باعتبارها عبئاً مالياً على الدولة أو على المقاولة، بل يعكس المعادلة بالكامل. فهو يعتبرها استثماراً في الاستقرار الاقتصادي، لأن الأجير المحمي أكثر إنتاجية، والمقاولة المهيكلة أكثر تنافسية، والاقتصاد الذي يدمج العاملين في القطاعين المهيكل وغير المهيكل أكثر قدرة على النمو، والدولة التي تضمن الحقوق الاجتماعية تقل فيها الهشاشة والنزاعات الاجتماعية وترتفع فيها مستويات الثقة.

وهنا تتجاوز رؤية الرماح المقاربة التقليدية التي تحصر الحماية الاجتماعية في بعدها الإنساني، لتربطها مباشرة بالتنمية الاقتصادية، باعتبار أن العدالة الاجتماعية ليست نقيضاً للنمو، بل أحد شروطه الأساسية.

كما يبعث الرماح برسالة قوية إلى عالم الشغل، حين يشدد على ضرورة التصريح بالأجراء، واحترام مدونة الشغل، وإصلاح أنظمة التقاعد، وهيكلة القطاع غير المهيكل، وتوسيع التعويض عن فقدان الشغل، وتفعيل قانون العمال المنزليين، وتقوية دور التكوين المهني. وهي كلها، في قراءته، حلقات مترابطة داخل منظومة واحدة؛ فإذا اختلت إحداها، اختل توازن المشروع برمته.

ويفهم من طرحه أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بإجراءات معزولة، وإنما بإعادة تنظيم سوق الشغل وفق قواعد واضحة تجعل الحقوق والواجبات متوازنة، وتضمن للمقاولة الاستقرار، وللعامل الكرامة، وللدولة موارد أكثر انتظاماً.

ومن أبرز الرسائل التي يتضمنها تصور الرماح أنه يرفض اختزال الحماية الاجتماعية في مسؤولية الحكومة وحدها. فهو يوسع دائرة المسؤولية لتشمل البرلمان، والنقابات، والأحزاب السياسية، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، ووسائل الإعلام، والغرف المهنية، والمؤسسات الدينية، معتبراً أن نجاح هذا الورش رهين بوجود تعبئة وطنية شاملة.

إنه يدعو، في العمق، إلى الانتقال من منطق التدبير الإداري إلى منطق الحكامة المجتمعية، حيث تصبح الحماية الاجتماعية مشروعاً يشارك في صياغته وتتبع تنفيذه مختلف الفاعلين، بدل أن يبقى ملفاً تقنياً محصوراً داخل الإدارات.

وفي هذا الإطار، يمنح الرماح للحوار الاجتماعي مكانة استراتيجية، حين يقترح إدراج الحماية الاجتماعية ضمن جدول الأعمال الدائم للحوار الثلاثي الأطراف، وإحداث لجان متخصصة وتفعيل المجالس الاستشارية المنصوص عليها في مدونة الشغل. وهو بذلك يبعث برسالة مفادها أن الإصلاحات الاجتماعية الكبرى لا تُفرض من أعلى، بل تُبنى بالتوافق والتفاوض والشراكة.

ولا يقف الرماح عند المؤسسات الرسمية، بل يذهب أبعد من ذلك، حين يربط نجاح الحماية الاجتماعية بالوعي المجتمعي. لذلك يدعو إلى إشراك الجامعات، ومراكز البحث، والإعلام، وتنظيم مناظرات وطنية ولقاءات جهوية، حتى تتحول الحماية الاجتماعية إلى قضية رأي عام، لا إلى ملف متخصص لا يناقشه سوى الخبراء.

وفي واحدة من أكثر النقاط دلالة، يستحضر الرماح البعد القيمي والديني، داعياً إلى توظيف الخطاب الديني في ترسيخ ثقافة التضامن والتكافل، وإبراز أن الحماية الاجتماعية ليست فقط التزاماً قانونياً، وإنما أيضاً قيمة إنسانية وأخلاقية متجذرة في المرجعية الإسلامية. وهنا تتضح رغبته في منح المشروع بعداً ثقافياً، لأن الإصلاحات الكبرى لا تنجح بالقوانين وحدها، وإنما بتغيير العقليات أيضاً.

ومن خلال هذه المقاربة، يوجه الرماح رسالة غير مباشرة إلى الأسرة المغربية، وإلى المرأة المغربية باعتبارها العمود الفقري للاستقرار الأسري، مفادها أن الحماية الاجتماعية لا تعني فقط تعويضاً مالياً أو تغطية صحية، بل تعني حماية الأسرة من الفقر، وضمان حق الأطفال في العلاج، وتأمين مستقبل الأمهات، وصون كرامة كبار السن، بما يجعل الأمن الاجتماعي امتداداً للأمن الأسري.

كما يوجه رسالة إلى المقاولة المغربية، مؤداها أن احترام الحقوق الاجتماعية ليس تكلفة إضافية، بل استثمار طويل الأمد في الاستقرار والإنتاجية والسمعة الاقتصادية، وأن الاقتصاد الذي يبنى على العمل اللائق هو اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.

وتقودنا أفكار الرماح إلى مجموعة من الأسئلة الاستراتيجية التي ينبغي أن تكون في صلب النقاش العمومي:

هل أصبح المغرب في حاجة إلى الانتقال من مرحلة تعميم الحماية الاجتماعية إلى مرحلة قياس أثرها الحقيقي على جودة الحياة؟

وهل يمكن الحديث عن دولة اجتماعية قوية إذا ظل القطاع غير المهيكل خارج منظومة الحماية؟

وكيف يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية إذا بقي جزء من سوق الشغل خارج التصريح القانوني وخارج أنظمة الحماية؟

وهل يكفي إصدار القوانين، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء مؤسسات قادرة على تنفيذها بفعالية وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

ثم، كيف يمكن تحويل الحماية الاجتماعية من مشروع حكومي محدود بزمن سياسي إلى سياسة دولة مستدامة تتجاوز الحكومات والولايات الانتخابية؟

في النهاية، تبدو الرسالة المركزية التي يدافع عنها الأستاذ عبد الرحيم الرماح واضحة ومتماسكة: الحماية الاجتماعية ليست ملفاً قطاعياً، ولا مجرد إصلاح إداري، بل هي مشروع حضاري يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين الاقتصاد والعدالة، وبين التنمية والكرامة الإنسانية. وكلما نجح المغرب في جعل هذا الورش مسؤولية جماعية تشارك فيها المؤسسات والقوى الحية والمجتمع، اقترب أكثر من بناء دولة اجتماعية قوية، يكون فيها القانون ممارسة يومية، والعدالة واقعاً معاشاً، والتضامن ثقافة وطنية راسخة، لا مجرد شعار.