حين يتحول وسيط المملكة إلى ناقل لجواب الإدارة… أين تبدأ الوساطة وأين ينتهي البريد الإداري؟

0
112

ليس أصعب على المواطن من أن يقصد مؤسسة دستورية أنشئت لإنصافه، ثم يكتشف أن رحلته انتهت عند النقطة نفسها التي بدأ منها. فالوساطة، في فلسفة الدولة الحديثة، ليست إعادة إرسال جواب الإدارة إلى صاحب التظلم، وإنما هي إعادة فحص العلاقة بين السلطة والمواطن، والبحث عن الحقيقة القانونية عندما تتعارض الوقائع مع التبريرات، وعن الإنصاف عندما تضيق الإدارة بتأويل واحد للقانون.

قبل أيام فقط، أعلن وسيط المملكة حسن طارق، في افتتاح الدورة التكوينية لأطر المؤسسة، أن رسالة الوسيط «تتجاوز معالجة التظلمات الفردية» لتندرج ضمن مشروع وطني يروم جعل الإدارة أكثر إنصاتًا وعدلًا وقربًا من المواطن، وأن الوساطة ليست مجرد آلية لتدبير النزاعات، بل فلسفة تقوم على الإنصاف بدل التعسف، والحوار بدل النزاع، والتصحيح بدل الجزاء. كلمات كبيرة، تعكس الرؤية الدستورية لمؤسسة يفترض أن تكون صمام أمان بين الإدارة والمرتفق.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن قياس هذه الفلسفة على أرض الواقع؟

الجواب لا يوجد في الخطب، بل في الملفات.

ومن بين هذه الملفات، يبرز ملف الجامعة الملكية المغربية للجوجيتسو البرازيلي والرياضات المشابهة باعتباره نموذجًا يختبر حدود الوساطة المؤسساتية، ويطرح سؤالًا أكبر من نزاع رياضي؛ سؤالًا يتعلق بكيفية اشتغال مؤسسات الحكامة نفسها.

فالجامعة، وفق الوثائق التي قدمتها، لا تتحدث عن طلب تأسيس حديث، ولا عن مشروع لم يكتمل، وإنما عن مسار إداري امتد سنوات، بدأ بإحداث اللجنة الوطنية للجوجيتسو البرازيلي، ثم دراسة الملف داخل الوزارة، ثم صدور مراسلة وزارية بالموافقة على استكمال إجراءات التأسيس، ثم انعقاد الجمع العام، ثم المصادقة على القانون الأساسي، ثم استمرار المسار الإداري، قبل أن تحصل لاحقًا على تسجيل اسمها كعلامة رسمية لدى المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية (OMPIC) إلى غاية سنة 2035.

هذه الوقائع، سواء انتهت إلى حق قانوني أو لم تنته، ليست تفاصيل هامشية. إنها تشكل قلب النزاع، لأنها تطرح سؤالًا عن أثر القرارات الإدارية التي تصدرها الدولة نفسها، وعن مدى احترام مبدأ الأمن القانوني واستقرار المراكز القانونية.

لكن جواب الإدارة، كما نقلته مؤسسة وسيط المملكة، لم يناقش هذه السلسلة من الوقائع، بل اكتفى بالقول إن الجوجيتسو البرازيلي يدخل ضمن اختصاص الجامعة الملكية للجوجيتسو، مستندًا إلى المادة 25 من القانون رقم 30.09.

وهنا تبدأ الأسئلة التي كان ينتظر المواطن أن تطرحها مؤسسة الوسيط على الإدارة، لا أن تتركها معلقة.

إذا كانت المادة 25 تمنع وجود أكثر من جامعة لنشاط رياضي واحد، فمتى تبين للإدارة أن الجوجيتسو البرازيلي يدخل ضمن نشاط آخر؟ قبل دراسة الملف أم بعدها؟ قبل الموافقة على استكمال التأسيس أم بعدها؟ قبل المصادقة على القانون الأساسي أم بعدها؟

ولماذا استغرقت الإدارة سنوات في دراسة الملف إذا كانت تعتبر منذ البداية أن النشاط يدخل ضمن اختصاص قائم؟

هذه ليست أسئلة دفاع عن جامعة، بل أسئلة دفاع عن منطق الإدارة نفسها.

فالقرار الإداري ليس مجرد ورقة توقع، وإنما فعل قانوني ينتج آثارًا. وعندما تنشئ الإدارة مركزًا قانونيًا، ثم تغير تفسيرها بعد سنوات، فإنها تصبح مطالبة بتعليل هذا التحول تعليلًا استثنائيًا، لأن استقرار القرارات ليس امتيازًا تمنحه الإدارة للمواطن، بل هو أحد أعمدة دولة القانون.

وهنا كان ينتظر من مؤسسة وسيط المملكة أن تمارس دورها الحقيقي.

كان ينتظر منها أن تسأل الإدارة: كيف توفقون بين قراراتكم السابقة وتعليلكم الحالي؟

وكان ينتظر منها أن تناقش الوثائق، لا أن تكتفي بنقل الخلاصة.

وكان ينتظر منها أن تبحث في التناقض، لا أن تعيد صياغته في رسالة.

فالوسيط، بحكم الدستور، ليس مكتبًا للبريد الإداري.

 

وظيفته ليست نقل موقف الإدارة، وإنما اختبار مدى سلامة هذا الموقف، ومدى احترامه للقانون، ومدى انسجامه مع الوقائع والوثائق.

ولا يعني ذلك أن مؤسسة الوسيط مطالبة بإلغاء قرارات الوزارة، فذلك ليس اختصاصها، لكنها مطالبة بأن تمارس سلطتها الأخلاقية والمؤسساتية في مساءلة التعليل الإداري، وفي البحث عن مواطن الخلل، وفي مطالبة الإدارة بتفسير ما يبدو متناقضًا.

وهنا تكمن المفارقة.

ففي اليوم الذي أعلنت فيه المؤسسة أنها تريد إدارة أكثر إنصاتًا، كان أحد المتظلمين يتلقى جوابًا ينقل تفسير الإدارة دون أن يجد فيه، بحسب الوثائق المقدمة، مناقشة للأسئلة الجوهرية التي طرحها.

إن القضية لم تعد قضية الجوجيتسو البرازيلي وحدها.

لقد أصبحت قضية نموذج في الحكامة.

لأن كل جمعية، وكل مستثمر، وكل مواطن، يحتاج إلى أن يطمئن إلى أن القرارات التي تصدرها الإدارة لا تتحول بعد سنوات إلى مجرد وجهة نظر قابلة للتبديل دون تفسير.

والدولة التي تسعى إلى تعزيز الثقة في المؤسسات لا يكفي أن تؤسس هيئات للوساطة، بل يجب أن تكون هذه الهيئات قادرة على ممارسة الوساطة بمعناها الحقيقي؛ أي بالاستماع، والتحليل، ومساءلة الإدارة، وإعادة التوازن بين السلطة والمواطن.

فالإنصاف لا يبدأ حين تنقل المؤسسة جواب الإدارة، بل يبدأ حين تسألها: هل جوابكم يجيب فعلًا عن كل ما أثاره المواطن؟

وهذا هو الامتحان الحقيقي لأي مؤسسة تحمل اسم وسيط المملكة.