مأزق بوتين بين ضغوط الداخل وإغراء التصعيد.. هل أصبحت الحرب ضرورة لبقاء النظام؟

0
63
تحليل سياسي يستكشف تعمق مأزق فلاديمير بوتين في ظل الضغوط الاقتصادية والعسكرية للحرب في أوكرانيا، وتأثير الانقسامات داخل النخبة الروسية على مستقبل النظام واحتمالات التصعيد.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - مصدر الصورة: رويترز

لا جدال على أن الحرب الروسية ضد أوكرانيا قد تسببت في أزمة كبيرة للاقتصاد الروسي ثم تراجع التأييد الشعبي للحرب، لكنها أيضًا خلقت أزمة تحولت تدريجيًا إلى معضلة أعمق صارت تواجه الكرملين وهي: كلما ازدادت كلفة الحرب على الداخل الروسي، تقلصت قدرة الرئيس فلاديمير بوتين على إنهائها سياسيًا. فالحرب، التي بدأت باعتبارها وسيلة لإعادة رسم ميزان القوى الأوروبي، تحولت تدريجيًا إلى عنصر من عناصر شرعية النظام نفسه، وهو ما يجعل التراجع عنها أكثر تعقيدًا من الاستمرار فيها.

الحرب لم تعد مجرد ملف عسكري

على امتداد السنوات الماضية، نجح الكرملين في عزل المجتمع الروسي نسبيًا عن الكلفة المباشرة للحرب، عبر الحفاظ على قدر من الاستقرار الاقتصادي وتجنب التعبئة الشاملة. لكن التطورات الأخيرة، من استهداف البنية التحتية للطاقة إلى الضغوط التضخمية وتراجع الإيرادات، تشير إلى أن الحرب بدأت تنتقل من الجبهة إلى الحياة اليومية للمواطن الروسي.

سياسيًا، يمثل هذا التحول نقطة مفصلية، لأن الأنظمة المركزية تستطيع إدارة الحروب الطويلة طالما بقيت آثارها بعيدة عن المواطن العادي. أما عندما تصبح الأزمة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، فإنها تتحول من قضية أمن قومي إلى قضية شرعية سياسية.

الضربات الأوكرانية غيّرت قواعد اللعبة

أحد أهم المتغيرات الجديدة بالحرب الحالية هو تطور قدرة أوكرانيا على تنفيذ ضربات بعيدة المدى ضد أهداف داخل العمق الروسي.

هذه الضربات لا تُقاس فقط بحجم الأضرار العسكرية، بل بما تحدثه من تأثير نفسي وسياسي. فهي تكسر الصورة التي سعى الكرملين إلى ترسيخها عن قدرة الدولة على حماية أراضيها، وتفتح نقاشًا داخل النخبة الروسية حول كفاءة إدارة الحرب.

ومن هذه الزاوية، تحقق كييف هدفًا يتجاوز تدمير منشأة أو مصفاة، إلى إضعاف الثقة في قدرة الدولة الروسية على فرض معادلة الأمن الداخلي.

انقسام النخبة.. أخطر من تراجع الشعبية

ربما يكون المؤشر الأكثر أهمية سياسيًا هو تصاعد التباين داخل النخبة الروسية.

فهناك تيار اقتصادي يرى أن استمرار الحرب يستنزف موارد الدولة ويعزل روسيا عن الاقتصاد العالمي، بينما يتمسك التيار الأمني والعسكري بمواصلة المواجهة باعتبارها شرطًا للحفاظ على موقع روسيا الدولي.

هذا الانقسام لا يعني بالضرورة وجود تهديد مباشر لبوتين، لكنه يكشف أن الإجماع الذي أحاط بالنظام في السنوات الأولى للحرب لم يعد بالصلابة نفسها.

وفي الأنظمة الرئاسية المركزية، غالبًا ما يبدأ التغيير ليس من الشارع، بل من دوائر النخبة عندما تتباين تقديراتها لكلفة استمرار السياسات القائمة.

لماذا لا يعني ضعف بوتين اقتراب السلام؟

قد يبدو منطقيًا أن تؤدي الضغوط الاقتصادية والعسكرية إلى دفع موسكو نحو التسوية، لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن القادة الذين يربطون شرعيتهم بنتائج الحرب قد يميلون إلى التصعيد بدلًا من التراجع.

فالانسحاب دون تحقيق مكاسب واضحة قد يُفسَّر داخليًا بوصفه اعترافًا بالفشل، وهو ما يحاول بوتين تجنبه.

ومن هنا، يصبح التصعيد أحيانًا وسيلة لتأجيل الاستحقاق السياسي، وليس لتحقيق انتصار عسكري حاسم.

العلاقة مع أوروبا تدخل مرحلة جديدة

هناك تصاعد للخطاب الروسي تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة المواجهة.

ففي البداية، كان الصراع يُقدَّم باعتباره حربًا مع أوكرانيا، أما اليوم فأصبح الخطاب الرسمي الروسي يصور المعركة باعتبارها مواجهة مع الغرب بأكمله.

هذا التحول يخدم الكرملين سياسيًا لأنه يسمح بإعادة تفسير الإخفاقات العسكرية على أنها نتيجة “حرب شاملة” يخوضها الغرب ضد روسيا، وليس نتيجة أخطاء في إدارة العمليات.

هل يستطيع بوتين فتح جبهة أوسع؟

رغم التصريحات المتشددة، تبدو احتمالات الانتقال إلى مواجهة مباشرة مع دول “الناتو” محدودة.

فالقيادة الروسية تدرك أن أي احتكاك عسكري مباشر مع الحلف قد يغيّر ميزان القوى بصورة يصعب احتواؤها.

لكن الخطر يكمن في التصعيد غير المباشر، عبر الهجمات السيبرانية، والضغوط الهجينة، وحملات التأثير الإعلامي، والعمليات التي تبقى دون مستوى الحرب التقليدية.

وهذا النمط يمنح موسكو هامشًا للمناورة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.

أوكرانيا.. بين فرصة استراتيجية ومخاطر التصعيد

بالنسبة إلى كييف، تمثل الضغوط الداخلية على روسيا فرصة لتعزيز موقفها التفاوضي والعسكري.

لكن هذه الفرصة تحمل في الوقت نفسه مخاطرة كبيرة.

فكلما شعر الكرملين بأن هامش المناورة يضيق، ازدادت احتمالات لجوئه إلى خطوات أكثر حدة لإعادة فرض معادلة الردع، سواء عبر تكثيف العمليات العسكرية أو توسيع نطاق الضغوط على أوروبا.

وبذلك، قد تتحول النجاحات الأوكرانية إلى عامل يدفع موسكو نحو مزيد من التشدد، بدلًا من تقريب موعد التسوية.

اختبار لقدرة الكرملين على إدارة حرب طويلة

تكشف الأزمة الحالية أن روسيا لا تواجه فقط تحديًا عسكريًا في أوكرانيا، بل أيضًا اختبارًا لقدرة نظامها السياسي على إدارة حرب طويلة في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة.

ومع ذلك، فإن مأزق بوتين لا يعني بالضرورة اقتراب نهاية الحرب.

فعندما تصبح الحرب جزءًا من شرعية السلطة، يغدو إنهاؤها أصعب من استمرارها.

ولهذا، فإن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس احتمال انهيار الجبهة الروسية، بل احتمال أن يدفع تضييق الخيارات السياسية والعسكرية القيادة الروسية إلى تصعيد محسوب أو غير محسوب، يجعل الطريق إلى السلام أكثر تعقيدًا، ويزيد من كلفة الحرب على أوكرانيا وأوروبا، وربما على النظام الدولي بأسره.