140 مليار درهم من البنك الدولي… هل اشترى المغرب المستقبل أم رهن جزءًا منه؟

0
137

لم يكن الرقم، في حد ذاته، هو الذي أثار الجدل. فالمغرب اعتاد خلال العقود الماضية الإعلان عن اتفاقيات تمويل مع مؤسسات مالية دولية. لكن ما جعل الإعلان الأخير مختلفًا هو أن الأمر يتعلق بإطار شراكة يمتد لعشر سنوات، تصل قيمته إلى نحو 15 مليار دولار، أي ما يقارب 140 مليار درهم، في مرحلة سياسية واقتصادية دقيقة، يتداخل فيها الاستعداد لكأس العالم 2030 مع رهانات النمو، وضغط المديونية، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات أيوب رضواني خلال حواره مع المهداوي لتقدم قراءة مختلفة تمامًا عن الرواية الرسمية. فبدل النظر إلى الاتفاق باعتباره شهادة ثقة دولية في الاقتصاد المغربي، قرأه باعتباره التزامًا طويل الأمد قد يقيد خيارات الحكومات المقبلة، ويطرح سؤالًا سياسيًا قبل أن يكون سؤالًا ماليًا: من يملك حق إلزام أجيال وحكومات مستقبلية بتعهدات تمتد إلى عقد كامل؟

وهنا تبدأ صحافة النظر في تفكيك الخطاب. فالسلطة العمومية تتحدث عن “شراكة استراتيجية”، بينما يختار الخطاب النقدي كلمة “التزام”. الفارق بين الكلمتين ليس لغويًا، بل سياسي. فالشراكة توحي بالتعاون والفرص، بينما يوحي الالتزام بثمن سيُدفع لاحقًا، سواء في شكل خدمة دين، أو إصلاحات، أو أولويات جديدة تفرضها المؤسسات الممولة.

لكن الوثائق الرسمية للبنك الدولي تقدم صورة أكثر تركيبًا. فهي تؤكد أن الإطار الجديد لا يقوم فقط على الإقراض، بل يجمع بين التمويل، والدعم التقني، وجذب الاستثمار الخاص، ويركز على خلق فرص الشغل، وتحسين التعليم والصحة، وتقوية الحماية الاجتماعية، وتنافسية المقاولات، وتقليص الفوارق المجالية، ضمن رؤية تمتد إلى سنة 2035.

غير أن السؤال الذي يطرحه الحوار لا يتعلق فقط بوجهة الأموال، بل بأولوية استخدامها. فحين يستحضر المتحدث أرقام الملاعب، والبنيات التحتية المرتبطة بكأس العالم، ويقارنها بأوضاع الصحة والتعليم والبطالة، فإنه لا يناقش ميزانية بعينها، بل يعيد فتح النقاش القديم حول مفهوم التنمية نفسه: هل تقاس التنمية بسرعة بناء الملاعب والطرق، أم بسرعة بناء الإنسان؟

هذا الانتقال من الأرقام إلى الأولويات هو الرسالة الضمنية الأكثر حضورًا في الحوار. فالخطاب لا يهاجم الاستثمار في البنية التحتية باعتباره خطأ في ذاته، وإنما يلمح إلى أن ترتيب الأولويات قد يكون مختلًا إذا شعر المواطن بأن المدرسة والمستشفى لا يتحركان بالسرعة نفسها التي تتحرك بها المشاريع الكبرى.

وفي العمق، يوجه الحوار رسالة أخرى أكثر حساسية. فحين يربط التمويلات الحالية بالحكومات المقبلة، فهو ينقل النقاش من الاقتصاد إلى الديمقراطية المالية. أي إلى السؤال حول حدود سلطة الحكومة الحالية في اتخاذ قرارات مالية بعيدة المدى، ومدى قدرة الحكومات المنتخبة مستقبلاً على إعادة ترتيب السياسات إذا كانت مساحة القرار أصبحت أضيق بفعل التزامات سابقة.

غير أن هذا الطرح بدوره يحتاج إلى قدر من التوازن. فكل الدول، تقريبًا، تلجأ إلى الاقتراض طويل الأجل لتمويل مشاريع البنية التحتية والإصلاحات الكبرى، خصوصًا عندما يكون المقرض مؤسسة متعددة الأطراف مثل البنك الدولي، الذي يمنح عادة شروط تمويل أفضل من الأسواق التجارية. كما أن الإطار الجديد جاء بعد أشهر من المفاوضات، ويستند إلى النموذج التنموي الجديد الذي أعلنته المملكة، وليس إلى برنامج منفصل فرضته المؤسسة الدولية.

ومن زاوية أخرى، فإن التوقيت ليس تفصيلًا عابرًا. فالإعلان جاء بينما يعيش المغرب سباقًا مزدوجًا: سباق التحضير لكأس العالم 2030، وسباق الحفاظ على التوازنات المالية في ظل مشاريع استثمارية ضخمة تشمل النقل، والمطارات، والطرق، والطاقة، والسياحة. وتشير تقديرات حديثة إلى استثمارات تتجاوز 190 مليار درهم في البنيات المرتبطة بهذه المرحلة.

لذلك فإن ما يجري ليس مجرد اتفاقية تمويل، بل إعادة رسم لعلاقة الدولة بالاستثمار العمومي خلال العقد المقبل. فكل درهم سيُقترض اليوم سيُقاس غدًا ليس بحجمه، بل بما سينتجه من وظائف، ونمو، وتحسن في الخدمات، وقدرة على تقليص الفوارق الاجتماعية.

وفي هذا المستوى تحديدًا، تصبح تصريحات أيوب رضواني ذات قيمة تحليلية، حتى وإن اختلف البعض مع خلاصاتها. لأنها لا تناقش القرض باعتباره رقمًا ماليًا فقط، بل باعتباره مؤشرًا على نموذج اقتصادي كامل، وعلى طريقة توزيع الموارد بين الاستثمار الإنتاجي، والإنفاق الاجتماعي، والمشاريع الرمزية.

ويبقى السؤال الذي لم يقله الحوار صراحة، لكنه ظل حاضرًا بين سطوره: إذا كان البنك الدولي قد منح المغرب عشر سنوات من الثقة، فهل سيستطيع المغرب تحويل هذه الثقة إلى عشر سنوات من النتائج الملموسة؟ أم أن الأرقام الكبيرة ستبقى انتصارًا في المؤشرات، بينما يستمر المواطن في قياس النجاح بمعيار أبسط: مدرسة أفضل، ومستشفى أقرب، ووظيفة تحفظ الكرامة؟