لم تعد المأساة بالنسبة إلى جزء من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في إيطاليا مجرد خبر عابر، بل أصبحت مناسبة لإطلاق موجة من التعليقات التي تكشف تحولات مقلقة في الخطاب العام تجاه المهاجرين. فعقب كل حادث غرق في البحر المتوسط، أو وفاة مهاجر أثناء تدخل أمني، أو حتى مقتل شخص كان يبحث عن فرصة حياة أفضل، يتكرر تعليق قصير لا يتجاوز كلمتين: “Meno 1”… أي “واحد أقل”.
قد تبدو العبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها في جوهرها تختزل رؤية كاملة تعتبر الإنسان رقمًا زائدًا يجب التخلص منه، لا روحًا فقدت حياتها في ظروف مأساوية.
هذه الظاهرة لم تعد استثناءً، بل أصبحت تتكرر بصورة لافتة أسفل الأخبار المتعلقة بالمهاجرين، حتى باتت تثير نقاشًا واسعًا داخل إيطاليا نفسها حول تنامي خطاب الكراهية وتجريد الإنسان من إنسانيته في الفضاء الرقمي. وقد حذرت تقارير أوروبية ومنظمات حقوقية مرارًا من تصاعد خطاب الكراهية ضد المهاجرين على شبكات التواصل، خاصة بعد الأزمات الاقتصادية وصعود الأحزاب الشعبوية والهجرة غير النظامية التي أصبحت إحدى أكثر القضايا استقطابًا في أوروبا.
لكن الأخطر من العبارة نفسها، هو ما تكشفه من تحوّل في منظومة القيم. فعندما يصبح موت إنسان مناسبة للاحتفال، أو يتحول الغرق في البحر إلى خبر يستحق السخرية، فإن السؤال لم يعد يتعلق بالمهاجر، بل بالمجتمع الذي بات جزء من أفراده يرى في اختفاء الآخر نوعًا من “الراحة”.
ولا تقف الظاهرة عند حوادث الغرق. ففي كل مرة يموت فيها مهاجر أثناء توقيف أمني، أو تُثار قضية تتعلق بعنف الشرطة، يظهر نوع آخر من التعليقات يسارع إلى التشكيك في الضحية، أو يختزل مطالب عائلته بالعدالة في البحث عن “تعويض مالي”. وكأن المطالبة بالحقيقة أصبحت، في نظر البعض، مجرد وسيلة للربح، لا حقًا إنسانيًا أصيلًا.
وهنا يبرز سؤال أخلاقي عميق: هل سيظل الموقف نفسه لو كان الضحية ابنًا أو أخًا أو جارًا؟ وهل يمكن لأي تعويض مالي أن يعوض فقدان إنسان؟ إن هذا النوع من الخطاب لا يكشف فقط عن القسوة، بل عن تآكل القدرة على التعاطف، وهي إحدى الركائز التي قامت عليها المجتمعات الحديثة.
ما الذي تغير؟
القراءة السطحية قد تفسر هذه التعليقات بأنها مجرد انفعالات فردية، لكن القراءة الأعمق تكشف أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة خصبة لتطبيع الكراهية. فكلما تكررت التعليقات نفسها دون مساءلة، تحولت تدريجيًا إلى خطاب “عادي”، حتى بات بعض المستخدمين يرددونها دون التفكير في معناها أو أثرها.
لقد لعبت الاستقطابات السياسية، والخطابات الشعبوية، والخوف من الهجرة، دورًا في خلق مناخ يجعل المهاجر يُقدَّم أحيانًا باعتباره تهديدًا دائمًا، لا إنسانًا يبحث عن الأمان أو فرصة حياة. وعندما يُختزل الإنسان في صفته كمهاجر فقط، يصبح من السهل نزع إنسانيته في المخيال الجمعي.
لكن هذا الواقع لا يعني أن المجتمع الإيطالي بأكمله يتبنى هذا المنطق. ففي المقابل، توجد أصوات كثيرة داخل إيطاليا، من جمعيات مدنية وصحفيين ورجال دين ومتطوعين، تدافع عن حقوق المهاجرين، وتنقذ الأرواح في البحر، وتدين علنًا كل أشكال خطاب الكراهية والعنصرية. وهذا التوازن ضروري حتى لا يتحول نقد ظاهرة اجتماعية إلى حكم جماعي على شعب بأكمله.
يوسف شاهين… سؤال ما زال صالحًا
في إحدى المقابلات الشهيرة، سأل صحفي أوروبي المخرج المصري الراحل يوسف شاهين إن كان ينتمي إلى “العالم الثالث”. فجاء رده ساخرًا بأن معيار التقدم لا يُقاس فقط بالاقتصاد أو التكنولوجيا، بل أيضًا بالقدرة على الحفاظ على الحب والاحترام والتضامن الإنساني.
قد تختلف الروايات حول الصياغة الدقيقة لهذا الحوار، لكن الفكرة التي حملها بقيت حاضرة حتى اليوم: هل يمكن لمجتمع أن يصف نفسه بأنه متقدم بينما يفقد تدريجيًا حسه الإنساني تجاه موت الآخرين؟
إن السؤال لم يعد يتعلق بالشمال والجنوب، أو بالعالم الأول والثالث، بل بمن يمتلك القدرة على رؤية الإنسان قبل أن يرى جنسيته، ولونه، أو وضعه القانوني.
ما بين القانون والأخلاق
القانون يستطيع أن يعاقب خطاب الكراهية في بعض الحالات، لكن الأخلاق وحدها هي التي تمنع الإنسان من كتابة عبارة مثل “Meno 1” تحت خبر وفاة شخص لم يعرفه يومًا.
فالمجتمعات لا تُقاس فقط بعدد ناطحات السحاب، ولا بسرعة القطارات، ولا بحجم الناتج الداخلي الخام، بل تُقاس أيضًا بطريقة تعاملها مع أضعف الناس فيها، ومع أولئك الذين يقفون على هامشها.
وحين يصبح موت إنسان مناسبة للشماتة، فإن الضحية الحقيقية قد لا تكون المهاجر وحده، بل المنظومة الأخلاقية التي تسمح بأن يتحول الألم إلى مادة للتشفي، والإنسان إلى رقم يُحذف من قائمة الحياة بكلمتين فقط: “واحد أقل”.