حين يكذب سوق الشغل لغة الأرقام… تقرير الجواهري يفكك سردية النجاح الاقتصادي ويضع سياسة التشغيل تحت مجهر المساءلة

0
123

ليس كل نمو اقتصادي يعني بالضرورة مزيدًا من الوظائف، وليس كل ارتفاع في الاستثمار ينعكس تلقائيًا على معيش المواطنين. هذه الحقيقة أعاد التقرير السنوي لبنك المغرب لسنة 2025 وضعها في صدارة النقاش العمومي، بعدما قدّم والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري أمام الملك محمد السادس تشخيصًا يختلف، في نبرته ودلالاته، عن الخطاب الحكومي الذي ظل يربط بين ارتفاع النمو الاقتصادي وبين نجاح السياسات العمومية. فبينما سجل الاقتصاد الوطني نموًا بلغ 4.9 في المائة، بقي معدل البطالة مستقرا عند 13 في المائة، في مفارقة تعكس أن الاقتصاد ينتج قيمة مضافة أكثر، لكنه لا ينتج ما يكفي من فرص العمل.

هذه المفارقة ليست مجرد رقم اقتصادي، بل هي رسالة سياسية عميقة. ففي لغة المؤسسات المالية، لا تُطلق الأحكام المباشرة، بل تُبنى عبر المؤشرات. وعندما يؤكد والي بنك المغرب أن التشغيل “لم يعرف بعد التحسن المنتظر”، ويطالب برفع مردودية الاستثمار وتقوية دور القطاع الخاص، فإنه لا يقدم ملاحظة تقنية فقط، بل يوجه نقدًا ضمنيًا إلى نموذج اقتصادي لم ينجح بعد في تحويل الإنفاق والاستثمار إلى وظائف دائمة ومستدامة. إنها لغة هادئة في ظاهرها، لكنها تحمل بين سطورها تشخيصًا قاسيًا لاختلال العلاقة بين النمو والتنمية الاجتماعية.

وهنا تبرز إحدى أهم الإشكالات التي يكشفها التقرير؛ فالمغرب يعيش منذ سنوات ما يسميه الاقتصاديون بـ”النمو غير المولد للتشغيل”، أي اقتصاد يحقق نسب نمو محترمة، لكنه يفشل في استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل. وهذا النوع من النمو يطرح سؤالًا أكبر من مجرد البطالة، لأنه يمس جودة النمو نفسه، ومدى قدرة الاستثمارات العمومية والخاصة على خلق قيمة اجتماعية إلى جانب القيمة الاقتصادية.

وعند العودة إلى البرنامج الحكومي، يتضح حجم الفجوة بين الوعد والنتيجة. فقد تعهدت الحكومة بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2026، باعتباره أحد أبرز الالتزامات التي بُني عليها خطاب الأغلبية. غير أن الحصيلة التراكمية، وفق المعطيات الرسمية، لا تقترب من هذا الهدف؛ فبعد فقدان عشرات الآلاف من المناصب خلال سنتي 2022 و2023، جاء التعافي الجزئي في 2024 و2025 ليعوض جزءًا فقط من الخسائر، ليظل صافي المناصب المحدثة بعيدًا جدًا عن سقف الالتزام الحكومي.

لكن القراءة الأعمق للأرقام تكشف أن الأزمة ليست في معدل البطالة وحده، بل في بنيتها الداخلية. فبطالة الشباب ما بين 15 و24 سنة تجاوزت 37 في المائة، فيما ظلت بطالة النساء مرتفعة، كما بقيت نسبة بطالة حاملي الشهادات عند مستويات مقلقة. أما الشغل الناقص، فقد واصل الارتفاع، بما يعني أن جزءًا من المصنفين ضمن فئة “المشتغلين” لا يملكون في الواقع عملاً مستقراً أو دخلاً يكفي للعيش الكريم. وهنا يتحول النقاش من سؤال “كم عدد الوظائف؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “أي وظائف يخلقها الاقتصاد المغربي؟”

وإذا كانت الحكومة كثيرًا ما عزت ضعف التشغيل إلى تداعيات الجفاف والأزمات الدولية، فإن تقرير بنك المغرب يفتح زاوية أخرى للنقاش، تتعلق بمردودية الاستثمار نفسه. فالمغرب رفع خلال السنوات الأخيرة حجم الاستثمارات العمومية إلى مستويات غير مسبوقة، غير أن العائد الاجتماعي لهذه الاستثمارات ظل محدودًا. وهذا يعني أن المشكلة لم تعد مرتبطة بحجم الإنفاق، وإنما بكيفية توجيهه، والقطاعات المستفيدة منه، ومدى قدرته على خلق سلاسل إنتاج ومناصب شغل ذات قيمة مضافة.

وفي قلب هذا المشهد، يجد وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، نفسه في واجهة المساءلة السياسية. صحيح أن البطالة نتاج تفاعل عوامل معقدة تتداخل فيها بنية الاقتصاد، والتعليم، والاستثمار، والتحولات المناخية، لكن الوزير يبقى المسؤول الأول عن قيادة سياسة التشغيل، وعن تنسيق البرامج وآليات الإدماج المهني والوساطة في سوق العمل. لذلك فإن تقييم حصيلته لا ينطلق من مسؤوليته عن كل أسباب البطالة، وإنما من مدى نجاح السياسات التي يشرف عليها في الحد من آثارها.

ومن زاوية أخرى، لا تبدو مؤشرات الحكامة المؤسسية أكثر اطمئنانًا. فالوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (أنابيك)، باعتبارها الذراع التنفيذية لسياسة التشغيل، عرفت خلال فترة قصيرة تعاقبًا سريعًا على مستوى إدارتها العامة، وهو ما يعكس حالة من عدم الاستقرار داخل مؤسسة يفترض أن تقود تنفيذ خارطة الطريق الحكومية في مجال التشغيل. ورغم أن تغيير المسؤولين لا يمثل، في حد ذاته، دليلًا على الفشل، فإنه يطرح أسئلة حول استمرارية الرؤية ونجاعة التنفيذ.

أما الصورة التي ظلت ترافق الوزير إعلاميًا، والمتمثلة في توديع العاملات الزراعيات الموسميات المتوجهات إلى إسبانيا، فقد حملت بدورها دلالات متناقضة. فمن جهة، تمثل الهجرة الدائرية القانونية فرصة لتحسين دخل آلاف النساء القرويات، وتستحق التأطير والحماية. ومن جهة أخرى، فإن تحول هذا المشهد إلى واجهة للتواصل الحكومي فتح باب الانتقاد، لأن نجاح سياسة التشغيل يقاس أساسًا بقدرة الاقتصاد الوطني على خلق وظائف داخل المغرب، لا بتصدير اليد العاملة إلى الخارج، مهما كانت أهمية هذه البرامج الاجتماعية.

ويزداد المشهد تعقيدًا عند النظر إلى أوضاع المقاولات الصغيرة جدًا، التي تمثل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني، والمصدر الأكبر المحتمل لخلق فرص العمل. فاستمرار معدلات تعثر هذه المقاولات عند مستويات مرتفعة، رغم بعض التحسن النسبي، يكشف أن بيئة الأعمال ما تزال تواجه تحديات تتعلق بالتمويل، والسيولة، وآجال الأداء، وارتفاع كلفة الإنتاج. وعندما تضعف هذه الفئة من المقاولات، يتراجع معها المحرك الأساسي للتشغيل.

وما بين خطاب النمو، وواقع البطالة، يفرض تقرير بنك المغرب سؤالًا يتجاوز الحكومة الحالية ليطال النموذج الاقتصادي برمته: هل أصبح الاقتصاد المغربي ينتج الثروة أكثر مما ينتج فرص العمل؟ وهل أصبحت مؤشرات الناتج الداخلي الخام عاجزة عن التعبير عن الواقع الاجتماعي الذي يعيشه المواطن؟

إن القراءة المتأنية للتقرير لا تكشف فقط عن فجوة بين الأرقام والوعود، بل تشير إلى تحول أعمق في طبيعة النقاش العمومي. فلم يعد الرهان اليوم هو تحقيق نسب نمو مرتفعة فحسب، وإنما بناء اقتصاد قادر على تحويل الاستثمار إلى شغل، والثروة إلى عدالة اجتماعية، والمؤشرات الكلية إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين.

وفي النهاية، لا يفضح التقرير وزيرًا بعينه بقدر ما يضع سياسة التشغيل برمتها أمام امتحان الحقيقة. فحين يستقر النمو عند مستويات إيجابية، بينما تبقى البطالة مرتفعة، وتتوسع هشاشة سوق العمل، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم تنخفض البطالة؟ بل: هل ما زال النمو الاقتصادي، بصيغته الحالية، قادرًا أصلًا على إنتاج التنمية التي ينتظرها المغاربة، أم أن البلاد أصبحت في حاجة إلى مراجعة عميقة للنموذج التنموي الذي يحكم العلاقة بين الاستثمار، والإنتاج، والإنسان؟