بعد كأس العالم… حين كشفت الكرة ما أخفته السياسة: كيف أعاد تتويج إسبانيا فتح ملف “الأمة الباسكية” وحق تقرير المصير؟

0
124

لم يكن مساء التاسع عشر من يوليوز مجرد ليلة كروية دخلت فيها إسبانيا تاريخ اللعبة بإحراز لقب كأس العالم، بل تحول، في الوقت نفسه، إلى اختبار سياسي واجتماعي كشف أن الانتصارات الرياضية، مهما بلغت رمزيتها، لا تملك دائما القدرة على إنتاج إجماع وطني. ففي الوقت الذي غمرت فيه الاحتفالات ساحات مدريد وبرشلونة وإشبيلية وفالنسيا، كانت مدن إقليم الباسك ونافارا تعيش مشهدا مختلفا تماما؛ حيث خرجت تظاهرات رفعت العلم الباسكي وطالبت بالاعتراف الرسمي بمنتخب “إوسكال هيريا” وبحق تقرير المصير، بينما سجلت السلطات حوادث عنف متفرقة استهدفت محتفلين بفوز المنتخب الإسباني. ولم تعد المباراة النهائية، بالنسبة إلى جزء من القوميين الباسك، مباراة كرة قدم، بل مناسبة لإعادة طرح سؤال ظل يؤرق الدولة الإسبانية منذ أكثر من قرن: من هي الأمة؟ ومن يملك حق تمثيلها؟

في القراءة السطحية، يبدو الأمر مجرد احتجاج سياسي استغل حدثا رياضيا واسع المتابعة. لكن القراءة الأعمق تكشف أن اختيار يوم نهائي كأس العالم لم يكن مصادفة تنظيمية، وإنما رسالة سياسية محسوبة. فالحركات القومية تدرك أن لحظات الإجماع الوطني تمثل أيضا أفضل توقيت لإظهار وجود رواية موازية، وأن الصورة التي تبثها الشاشات إلى العالم لا ينبغي، من وجهة نظرها، أن تكون حكرا على الدولة المركزية. لذلك، تحولت المناسبة إلى منصة رمزية لإعلان أن هناك شعبا يعتبر نفسه مختلفا عن الدولة التي توجت بطلة للعالم.

لقد حمل المتظاهرون في بلباو وسان سيباستيان وفيتوريا وإيبار وبامبلونا وحتى مدينة بايون الفرنسية الأعلام الباسكية، ورددوا شعارات تطالب بالاعتراف الدولي بمنتخب بلاد الباسك، معتبرين أن الرياضة ليست مجرد منافسة، بل إحدى أدوات الاعتراف السياسي. فكما أصبحت المنتخبات الوطنية رموزا للسيادة في النظام الدولي، يرى القوميون أن امتلاك منتخب مستقل يمثل خطوة رمزية نحو تثبيت فكرة “الأمة الباسكية” في الوعي الدولي.

غير أن ما أعطى هذه التحركات بعدا أكثر تعقيدا هو أن بعض الاحتجاجات خرجت عن إطارها السلمي. فقد أعلنت سلطات إقليم الباسك توقيف عدد من الأشخاص وفتح تحقيقات بشأن اعتداءات شهدتها مدن مختلفة، كما تعرضت حانة في نافارا لهجوم نفذته مجموعة ملثمة، ما أسفر عن إصابة عدد من المدنيين والعسكريين الذين كانوا يتابعون المباراة. وإدانة الحزب القومي الباسكي والحكومة المحلية لهذه الاعتداءات حملت رسالة مزدوجة؛ فهي من جهة رفضت العنف، لكنها من جهة أخرى لم تتخل عن الدفاع عن الخصوصية القومية الباسكية، وهو ما يعكس الفارق بين المشروع السياسي القومي والمؤسسات الديمقراطية التي باتت تتبناه اليوم، وبين مرحلة العنف التي مثلتها منظمة “إيتا” لعقود.

لكن المفارقة التي يصعب تجاهلها تكمن في أن المنتخب الإسباني نفسه كان يضم خمسة لاعبين ينحدرون من المجال الجغرافي والثقافي الذي تعتبره الحركة القومية جزءا من “إوسكال هيريا”. فقد ساهم أوناي سيمون، ومارتين زوبيميندي، وميكيل أويارزابال، وميكيل ميرينو، ونيكو ويليامز في صناعة الإنجاز الإسباني، بينما رفض جزء من القوميين الاحتفال بذلك الإنجاز لأنه، في نظرهم، يمثل دولة لا تعبر عن هويتهم السياسية.

وهنا تتجلى إحدى أكثر المفارقات عمقا داخل المجتمع الإسباني. فالقضية لم تعد صراعا بين “إسبان” و”باسك”، بل بين مستويين مختلفين للانتماء. اللاعب الباسكي يستطيع أن يشعر بالفخر بانتمائه الثقافي المحلي، وفي الوقت نفسه يمثل المنتخب الإسباني على أعلى المستويات. أما الحركات القومية، فتسعى إلى تحويل هذا الانتماء الثقافي إلى كيان سياسي مستقل، معتبرة أن الهوية لا تكتمل إلا إذا امتلكت مؤسساتها السيادية، بما فيها المنتخب الوطني.

ولعل الصور التي ظهر فيها نيكو ويليامز إلى جانب لامين يامال وهما يحملان العلم الإسباني، وتصريحات ميكيل ميرينو التي عبر فيها عن اعتزازه بتمثيل نافارا داخل المنتخب الإسباني، كانت تحمل بدورها رسالة معاكسة للرواية القومية. فهي تؤكد أن تعدد الهويات لا يعني بالضرورة التناقض بينها، وأن الانتماء المحلي قد يتعايش مع الانتماء الوطني دون أن يتحول إلى مشروع انفصال.

في العمق، لا يتعلق الصراع بكرة القدم، بل بالرمزية التي تمنحها الرياضة للدول. فمنذ عقود، تسعى الجامعة الباسكية لكرة القدم إلى الحصول على اعتراف من الاتحادين الدولي والأوروبي لكرة القدم، بما يسمح لمنتخب الإقليم بخوض المنافسات الرسمية مستقلا عن المنتخب الإسباني. غير أن الطلب الذي قدم سنة 2020 قوبل بالرفض سنة 2021، لأن نظام العضوية داخل الاتحادين يقوم أساسا على الدول ذات السيادة، باستثناءات تاريخية تعود إلى نشأة اللعبة مثل إنجلترا واسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية.

لكن هذا الرفض لم ينه القضية، بل منحها زخما سياسيا إضافيا. فكل مباراة ودية يخوضها المنتخب الباسكي، وكل حملة تطالب بالاعتراف به، تتحول إلى أداة ضغط رمزية أكثر منها رياضية. فالهدف الحقيقي لا يكمن في الفوز ببطولة، وإنما في تكريس فكرة أن هناك “أمة” قائمة بذاتها تستحق تمثيلا مستقلا.

ولفهم جذور هذه المطالب، لا بد من العودة إلى التاريخ. فالقومية الباسكية ليست وليدة العقود الأخيرة، بل تستند إلى عناصر ثقافية ولغوية فريدة، أبرزها اللغة الباسكية التي تعد من أقدم لغات أوروبا ولا تنتمي إلى العائلة الهندوأوروبية، إضافة إلى نظام “الفويروس” التاريخي الذي منح الأقاليم الباسكية امتيازات واسعة قبل أن يتم تقليصها في القرن التاسع عشر. وفي سنة 1895 أسس سابينو أرانا الحزب القومي الباسكي، واضعا الأسس الفكرية لمشروع يعتبر الباسك أمة مستقلة ثقافيا وتاريخيا.

بعد نهاية حكم فرانكو، حاول دستور 1978 ونظام الحكم الذاتي لسنة 1979 معالجة هذا الإرث بمنح الإقليم صلاحيات واسعة، والاعتراف باللغة الباسكية لغة رسمية إلى جانب الإسبانية. غير أن ذلك لم ينه المطالب القومية، بل نقلها من مرحلة المواجهة المسلحة، التي قادتها منظمة “إيتا” حتى إعلان حل نفسها سنة 2018، إلى مرحلة النضال السياسي والمؤسساتي، حيث أصبحت الانتخابات والبرلمان والمحاكم والهيئات الدولية هي ساحات الصراع الجديدة.

وتشير نتائج الانتخابات الإقليمية الأخيرة إلى أن الأحزاب القومية تواصل هيمنتها داخل مؤسسات الحكم الذاتي، غير أن هذه القوة الانتخابية لا تعني تلقائيا وجود أغلبية تؤيد الانفصال. فاستطلاعات الرأي تظهر باستمرار أن المؤيدين للاستقلال لا يشكلون أغلبية واضحة، بينما يفضل جزء معتبر من السكان الإبقاء على الحكم الذاتي الحالي أو تطويره داخل الدولة الإسبانية.

وهنا تكمن الرسالة الضمنية التي كشفتها أحداث كأس العالم. فالقومية الباسكية اليوم لا تبحث فقط عن الاستقلال بوصفه هدفا سياسيا، بل تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الأمة نفسه. وهي تدرك أن كرة القدم، بما تمتلكه من قوة رمزية وإعلامية، أصبحت إحدى أكثر الوسائل تأثيرا في صناعة الهوية الوطنية. لذلك لم يكن اختيار نهائي كأس العالم مجرد صدفة، بل محاولة للاستفادة من اللحظة التي يلتف فيها الإسبان حول علم واحد، من أجل التذكير بأن هناك من لا يرى نفسه جزءا من هذا الإجماع.

في المقابل، أظهرت صور اللاعبين الباسك داخل المنتخب الإسباني أن الهوية أكثر تعقيدا مما تطرحه الخطابات السياسية. فالانتماءات الثقافية والإقليمية يمكن أن تتعايش مع الانتماء الوطني، وأن الرياضة قد تتحول أحيانا إلى مساحة للتعدد بدل أن تكون أداة للانقسام.

وهكذا، أعادت ليلة التتويج العالمي فتح ملف ظل مؤجلا أكثر مما هو مغلق. فإسبانيا خرجت بطلة للعالم، لكنها خرجت أيضا أمام العالم وهي تواجه من جديد سؤال الهوية، وحدود الدولة، ومعنى الأمة. وما بدا احتفالا كرويا خالصا، كشف في الحقيقة أن الملاعب الأوروبية لم تعد ساحات للتنافس الرياضي فقط، بل أصبحت امتدادا لصراعات الذاكرة والتاريخ والسيادة، وأن كرة القدم، في أوروبا القرن الحادي والعشرين، لم تعد مجرد لعبة، بل إحدى لغات السياسة الأكثر تأثيرا في تشكيل الوعي الجماعي.