حين يقرر حزب “البام” أن يصبح مؤسسة إعلامية… لماذا أطلق الأصالة والمعاصرة منصته بعد 18 سنة من تأسيسه؟

0
115
Screenshot

لم يكن إعلان حزب الأصالة والمعاصرة عن إطلاق منصة “AM Plus Media” مجرد خبر حزبي عابر يمكن إدراجه ضمن أنشطة التواصل السياسي المعتادة، بل بدا أقرب إلى إعلان عن تحول في طريقة اشتغال الأحزاب نفسها، وفي نظرتها إلى الإعلام، وفي إدراكها لطبيعة المعركة التي ستحدد مستقبل السياسة في المغرب. فالأحزاب لم تعد تتنافس فقط بالبرامج والمرشحين، وإنما أصبحت تتنافس أيضاً على من يمتلك القدرة على تفسير الواقع قبل الآخرين، وعلى من ينجح في صياغة الرواية التي سيقتنع بها المواطن.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا أطلق حزب الأصالة والمعاصرة منصة إعلامية؟ بل: لماذا انتظر ثمانية عشر عاماً منذ تأسيسه سنة 2008 حتى يطلقها اليوم؟ ولماذا اختار، في هذا التوقيت بالذات، أن يقدمها باعتبارها منصة للصحافة التفسيرية والتحليلية وقياس أثر السياسات العمومية؟

فاللافت أن مسؤولي المنصة لم يقدموا مشروعهم باعتباره مجرد موقع إلكتروني لنشر البلاغات الحزبية أو تغطية أنشطة القيادة، بل تحدثوا بلغة مختلفة تماماً عن الخطاب التقليدي للإعلام الحزبي. تحدثوا عن “الديكريبتاج السياسي”، وعن “الصحافة التفسيرية والتحليلية”، وعن “قياس أثر القرار السياسي على المواطن”، وعن “صحافة التحقيق والبيانات”، وعن “التحقق من الأخبار”، وعن “الوثائقي”، بل وذهبوا أبعد من ذلك عندما أكدوا أن المغرب لا يتوفر على منابر إعلامية متخصصة في هذا النوع من الصحافة.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

فإذا كان الحزب يعتبر أن المشهد الإعلامي المغربي يفتقر إلى الصحافة التفسيرية والتحليلية، فهذا يعني أنه لا يرى أن المشكلة تكمن في ندرة الأخبار، وإنما في ندرة من يشرح الأخبار، ويفكك القرارات، ويربط بين الوقائع وخلفياتها القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهو اعتراف يحمل في داخله تحولاً عميقاً في فهم وظيفة الإعلام نفسه.

غير أن هذا التوصيف يظل محل نقاش. فالمشهد الإعلامي المغربي لم يكن خالياً تماماً من هذا اللون الصحفي، وإن ظل محدود الانتشار. فمنذ سنوات، راهنت «المغرب الآن» و**«مجلة الدبلوماسية»** على ما اصطلحتا على تسميته «صحافة النظر والتحليل المعمق»، باعتبارها مدرسة تحريرية تتجاوز نقل الخبر إلى تفكيك أسبابه، وربطه بسياقاته القانونية والمؤسساتية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. ولم يكن الهدف هو التسابق على نشر الوقائع، بل محاولة الإجابة عن الأسئلة التي تبدأ بعد الخبر، لا عنده.

فالخبر اليوم لم يعد سلعة نادرة. المواطن يتوصل به في هاتفه خلال ثوانٍ عبر عشرات المواقع والمنصات وشبكات التواصل الاجتماعي، أما القيمة المضافة الحقيقية فأصبحت في تفسير الخبر، وفهم أبعاده، واستشراف تداعياته. ولهذا انتقلت صحافة النظر من سؤال «ماذا وقع؟» إلى أسئلة أكثر عمقاً: «لماذا وقع؟» و«من المستفيد؟» و«من المتضرر؟» و«ما الذي يخفيه؟» و«ما الذي سيترتب عليه غداً؟»

ومن هذه الزاوية تحديداً، تكتسب تصريحات مسؤولي AM Plus Media دلالتها الحقيقية. فحين يؤكدون أن منصتهم ستشتغل على «الصحافة التفسيرية والتحليلية» و«الديكريبتاج السياسي» و«قياس أثر السياسات العمومية»، فإنهم لا يعلنون فقط عن إطلاق منصة حزبية جديدة، بل يكشفون أيضاً عن انتقال هذه الفلسفة التحريرية إلى قلب الإعلام الحزبي. وهو تحول يعكس، بصورة غير مباشرة، أن مستقبل الإعلام لم يعد في سرعة نقل الخبر، بل في القدرة على تفسيره وتحليله وربط القرار بأثره على المجتمع والدولة.

وهذا بالضبط ما يجعل إطلاق المنصة حدثاً يستحق القراءة، لأن الحزب لم يختر أن ينافس المواقع الإخبارية في سرعة النشر، بل أعلن أنه يريد منافستها في إنتاج التفسير.

لكن هنا تبرز مفارقة تستحق التوقف.

فالحزب الذي يقول اليوم إنه جاء لسد فراغ في الصحافة التفسيرية، ظل طوال سنوات يعتمد، مثل غيره من الأحزاب، على عشرات المواقع الإلكترونية، وعلى صناع محتوى، وعلى بودكاستات، وعلى صفحات رقمية، لتسويق مواقفه والدفاع عن قياداته ومهاجمة خصومه عند الحاجة. فإذا كان هذا النموذج قائماً طوال السنوات الماضية، فما الذي تغير حتى أصبح الحزب مقتنعاً بأن الوقت حان لإنشاء منصة يملكها بنفسه؟

الجواب لا يتعلق بالإعلام فقط، بل يتعلق بالسياسة أيضاً.

فالأحزاب الكبرى اكتشفت أن امتلاك المنصة أكثر أماناً من استئجار المنصة.

المنابر الإعلامية المستقلة أو الخاصة، مهما كانت قريبة من حزب معين، تبقى في النهاية مؤسسات لها حساباتها الاقتصادية، وشبكات علاقاتها، ومصالحها، وقد تغطي اليوم خطاب حزب، ثم تفتح غداً صفحاتها لخصومه. أما المنصة الحزبية، فهي تمنح الحزب ما هو أهم من الخبر: تمنحه السيطرة على السردية نفسها، وتحدد له زاوية الرؤية، واختيار الضيوف، وترتيب الأولويات، وحتى الإيقاع الذي يريد أن تُناقش به القضايا العمومية.

ولعل أكثر عبارة تكشف فلسفة المشروع هي الشعار الذي اختاره القائمون عليه: “من القرار إلى الأثر”.

هذا الشعار لا يبدو عادياً. فهو يعني أن المنصة لا تريد أن تقف عند حدود نقل القرار، وإنما تريد أن تتتبع أثره على المجتمع. وهذا انتقال مهم من الصحافة الخبرية إلى صحافة تفسير السياسات العمومية.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يستطيع حزب سياسي أن يقيس أثر السياسات العمومية بموضوعية كاملة، خاصة عندما يكون شريكاً في الحكومة، ومساهماً في صناعة جزء من تلك السياسات؟

هنا تبدأ الحدود الفاصلة بين الإعلام الحزبي والإعلام المهني.

ففي الإعلام المستقل، يكون قياس أثر السياسات موجهاً إلى جميع الفاعلين دون استثناء، أما عندما يصبح المنتج الإعلامي تابعاً لحزب سياسي، فإن الرأي العام سيظل يتساءل: هل ستخضع قرارات الحزب نفسه للنقد والتحليل بالقدر الذي ستخضع له قرارات خصومه؟

إنه سؤال مشروع، لأن المصداقية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بطريقة معالجة الملفات عندما تتعارض الحقيقة مع المصلحة السياسية.

ومن زاوية أخرى، يكشف المشروع عن تحول أكبر داخل الحياة السياسية المغربية. فبعد سنوات كانت الأحزاب تستثمر فيها في الحملات التواصلية والإشهار السياسي، يبدو أنها أصبحت تدرك أن معركة الانتخابات المقبلة لن تُحسم فقط في التجمعات الحزبية، وإنما في معركة تفسير الوقائع، وصناعة المعنى، والتأثير في وعي الناخب.

لقد انتقل الصراع من منافسة على الأصوات إلى منافسة على العقول.

حين يصبح الحزب منتجاً للتفسير… هل نحن أمام ولادة إعلام جديد أم إعادة توزيع للأدوار؟

تكشف تصريحات القائمين على AM Plus Media أن المشروع لا يريد أن يكون مجرد موقع إلكتروني يضيف عنواناً جديداً إلى عشرات العناوين الموجودة، بل يريد أن يغير زاوية النظر نفسها. فعندما تقول المديرة المشرفة على المنصة إنها جاءت لسد حاجة المغرب إلى “الصحافة التفسيرية والتحليلية”، وأنها ستشتغل على “الديكريبتاج السياسي” و”قياس أثر القرار على المواطن”، فإنها تعلن عملياً انتقال الحزب من مرحلة الدفاع عن مواقفه إلى مرحلة إنتاج تفسيره الخاص للواقع.

وهنا تكمن أهمية الحدث.

فالأحزاب السياسية كانت، لعقود، تنتج المواقف والبرامج، بينما كان الإعلام ينتج التفسير، والجامعة تنتج المعرفة، ومراكز الدراسات تقدم القراءة النقدية. أما اليوم، فإن الحزب يريد أن يجمع هذه الوظائف داخل مؤسسة واحدة: يصنع القرار، ويشرح القرار، ويقيس أثر القرار، ثم يقدم للجمهور تفسيراً جاهزاً لذلك الأثر.

وهذا التحول لا يتعلق بحزب الأصالة والمعاصرة وحده، بل يعكس تحولاً عالمياً في العلاقة بين السياسة والإعلام. فمنذ أن أصبحت المنصات الرقمية تتحكم في تشكيل الرأي العام، لم تعد الأحزاب تكتفي بعقد الندوات وإصدار البلاغات، بل أصبحت تسعى إلى امتلاك أدوات إنتاج السردية السياسية، لأن من يفسر الحدث غالباً ما يسبق من يكتفي بالتعليق عليه.

لكن وسط هذا الطموح المشروع، تبرز مفارقة لا يمكن تجاوزها.

فالمنصة تقول إنها ستقيس أثر السياسات العمومية على المواطنين، بينما الحزب نفسه يوجد داخل الأغلبية الحكومية التي تساهم في إنتاج جزء من تلك السياسات. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل ستكون المنصة مستعدة لتطبيق المعايير نفسها عندما يتعلق الأمر بسياسات يشارك الحزب في صياغتها؟ وهل سيصبح “الأثر” موضوعاً للتحليل حتى عندما تكون نتائجه محرجة سياسياً؟

إن الصحافة، حين تقيس أثر السياسات، لا تكتفي بعرض النتائج الإيجابية، بل تبحث أيضاً عن الإخفاقات، وتمنح الكلمة للمتضررين قبل المستفيدين، وتطرح الأسئلة التي قد لا يرغب السياسي في سماعها. وهذه هي النقطة التي سيُختبر عندها المشروع الحقيقي للمنصة.

من سيتحدث باسم الحزب بعد اليوم؟

وربما يطرح إطلاق المنصة سؤالاً آخر ظل يتردد داخل الأوساط الإعلامية والسياسية خلال السنوات الأخيرة.

فخلال الولاية الحكومية الحالية، برزت برامج بودكاست ومنابر رقمية، ووجوه إعلامية وصناع محتوى، بدوا في كثير من الأحيان الأقرب إلى خطاب الحزب، والأكثر دفاعاً عن مواقفه، حتى تشكل لدى جزء من الرأي العام انطباع بأن هناك من حصل، بشكل مباشر أو غير مباشر، على نوع من “التفويض المعنوي” للتحدث باسم الحزب في الفضاء الرقمي.

اليوم، ومع إطلاق منصة رسمية تحمل هوية الحزب، يصبح السؤال مختلفاً: هل انتهت مرحلة الاعتماد على الوسطاء الإعلاميين؟ وهل قرر الحزب أن يحتكر بنفسه إنتاج خطابه الإعلامي، بدل تركه موزعاً بين منابر خارج بنيته التنظيمية؟

إذا كان الجواب نعم، فإننا نكون أمام إعادة رسم للعلاقة بين الحزب والإعلام، حيث يصبح الإعلام الحزبي بديلاً عن شبكة الحلفاء الإعلاميين، لا مجرد إضافة إليها.

هل هي أيضاً مراجعة لمسألة تضارب المصالح؟

هناك زاوية أخرى لا تقل أهمية.

فالأحزاب السياسية، ومنها الأصالة والمعاصرة، تعاملت لسنوات مع مواقع إلكترونية ومنصات إعلامية تقدم نفسها باعتبارها مستقلة، لكنها كانت في الوقت نفسه تغطي أنشطة أحزاب متعددة، وتفتح صفحاتها لخطابات سياسية متعارضة وفق اعتبارات تحريرية أو اقتصادية.

وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: هل أدرك الحزب أن الاعتماد على منابر تتعامل في الوقت نفسه مع أكثر من فاعل سياسي يجعل التحكم في الرسالة أمراً بالغ الصعوبة؟ وهل جاء إنشاء منصة خاصة لتجاوز هذا النوع من تضارب المصالح، وضمان أن يبقى الخطاب السياسي تحت سيطرة المؤسسة الحزبية نفسها؟

إذا صح هذا التحليل، فإن المنصة ليست مجرد مشروع إعلامي، بل هي أيضاً مشروع لإعادة بناء استقلالية الحزب في التواصل مع الرأي العام.

الاعتراف الذي مرّ بصمت

لكن ربما أكثر ما يستحق التوقف في تصريحات مسؤولي المنصة، هو تلك العبارة التي مرت بسرعة، عندما أكدوا أن المغرب لا يتوفر على منابر متخصصة في الصحافة التفسيرية والتحليلية.

قد تبدو العبارة عابرة، لكنها تحمل دلالة عميقة.

فهي تعني، في جوهرها، أن النموذج الإعلامي القائم على الخبر السريع لم يعد كافياً لفهم التحولات التي يعرفها المجتمع والدولة، وأن الحاجة أصبحت ملحة إلى صحافة تشرح، وتفسر، وتربط الوقائع بسياقاتها، وتنتقل من سؤال “ماذا حدث؟” إلى أسئلة “لماذا حدث؟” و”لصالح من؟” و”ما النتائج التي سيتركها؟”.

إنه اعتراف، ربما دون قصد، بأن المعركة الإعلامية في السنوات المقبلة لن تكون معركة السبق الصحفي، وإنما معركة إنتاج المعنى.

من الخبر إلى تفسير الخبر

وهنا يظهر التحول الأبرز.

فالمنصة لا تعد الجمهور بأخبار جديدة، لأن الأخبار أصبحت متاحة للجميع، وإنما تعده بطريقة جديدة في قراءتها.

غير أن هذا التحول يضعها أمام اختبار صعب: هل ستفسر فقط ما يخدم الحزب؟ أم ستفسر أيضاً ما يزعج الحزب؟ وهل سيشمل “الديكريبتاج السياسي” جميع الفاعلين، أم سيظل موجهاً نحو الخصوم وحدهم؟

الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت المنصة ستنجح في أن تصبح مؤسسة إعلامية تحظى بالثقة، أم ستبقى مجرد أداة تواصل سياسي تحمل شكلاً صحفياً.

من يملك تفسير الواقع… يملك جزءاً من المستقبل

إذا كان إطلاق AM Plus Media يطرح أسئلة حول مستقبل الإعلام الحزبي، فإنه يطرح في المقابل أسئلة أكبر حول مستقبل الحياة السياسية نفسها. فالمعركة لم تعد تدور فقط حول من سيفوز بالمقاعد البرلمانية، بل حول من سينجح في احتلال المجال الذي يسبق صناديق الاقتراع: مجال تشكيل الوعي الجماعي.

لقد أدركت الأحزاب، كما أدركت الحكومات والشركات الكبرى عبر العالم، أن المواطن لم يعد يبحث فقط عن الخبر، بل يبحث عن من يفسر له الخبر. فالخبر أصبح متاحاً للجميع، أما تفسير الخبر فأصبح هو مصدر القوة الحقيقية.

ومن هنا يمكن فهم سبب اختيار حزب الأصالة والمعاصرة، بعد ثمانية عشر عاماً من تأسيسه، إطلاق منصة تقوم على “التفسير” و”التحليل” و”قياس الأثر”، وليس مجرد موقع إلكتروني لنشر البلاغات.

إنه انتقال من التواصل السياسي إلى إنتاج المعرفة السياسية.

غير أن هذا الانتقال يفرض التزامات أكبر بكثير من مجرد إطلاق منصة إعلامية.

الاختبار الحقيقي… ليس اليوم

لن يكون الاختبار الحقيقي للمنصة في جودة الاستوديو، ولا في عدد البرامج، ولا في جودة الصورة والإخراج، وإنما في الأسئلة التي ستختار طرحها… والأسئلة التي ستتجنب طرحها.

هل ستفتح ملفات الفقر والهشاشة عندما تكون مرتبطة بسياسات الأغلبية الحكومية؟

هل ستناقش ارتفاع المديونية، والبطالة، والتعليم، والصحة، وغلاء المعيشة بالجرأة نفسها التي ستناقش بها أخطاء خصوم الحزب؟

وهل ستستضيف أصواتاً معارضة للحزب داخل برامجها الحوارية، أم ستتحول إلى فضاء مغلق يعيد إنتاج الصوت السياسي نفسه؟

فالصحافة التفسيرية لا تُقاس بعدد التحليلات، وإنما بقدرتها على قبول التعددية، لأن التفسير الواحد يتحول بسهولة إلى دعاية، بينما تعدد التفسيرات هو الذي يصنع النقاش العمومي الحقيقي.

من سيكتب الرواية؟

هناك سؤال آخر قد يبدو بسيطاً، لكنه بالغ الأهمية.

من هم الصحافيون الذين سيقودون هذه التجربة؟

هل سيكونون صحافيين مستقلين يمارسون مهنتهم وفق قواعد التحرير وأخلاقيات الصحافة، أم سيصبح الانتماء السياسي معياراً غير معلن في صناعة المحتوى؟

ثم ماذا عن أولئك الذين كانوا، خلال السنوات الماضية، يشكلون الامتداد الإعلامي غير الرسمي للحزب عبر برامج رقمية وبودكاستات ومنصات مختلفة؟

هل سيصبح لهم مكان داخل المشروع الجديد، أم أن إطلاق المنصة يمثل إعلاناً عن نهاية مرحلة كان الحزب يعتمد فيها على وسطاء إعلاميين، وبداية مرحلة يريد فيها احتكار إنتاج خطابه بنفسه؟

إن مجرد طرح هذا السؤال يكشف أن المنصة لا تعيد فقط رسم علاقة الحزب بالمواطن، بل تعيد أيضاً رسم علاقته بالإعلاميين الذين ظلوا يتحركون في محيطه خلال السنوات الأخيرة.

هل هي مراجعة لعلاقة الحزب بالإعلام؟

قد تحمل هذه الخطوة قراءة أخرى.

ربما اكتشف الحزب أن الاعتماد على وسائل إعلام خارج بنيته التنظيمية، مهما كانت قريبة منه، يبقى رهيناً بتوازنات السوق، وتغير المصالح، وتعدد الزبائن السياسيين.

فوسيلة إعلامية قد تدافع اليوم عن حزب، ثم تفتح غداً صفحاتها لحزب منافس، أو تتبنى خطاباً مغايراً وفقاً لحساباتها التحريرية أو الاقتصادية.

ومن هنا قد يكون إطلاق منصة خاصة محاولة لإعادة امتلاك الخطاب السياسي، وضمان ألا يمر عبر وسطاء قد تتغير مواقفهم بتغير الظروف.

إنها ليست فقط منصة إعلامية، بل تعبير عن رغبة في امتلاك الرواية كاملة.

الاعتراف الذي يحمل دلالة أكبر

وربما كان أكثر ما استوقف المتابعين في حفل الإطلاق، هو تأكيد مسؤولي المنصة أن المغرب لا يتوفر على صحافة تفسيرية وتحليلية متخصصة.

سواء اتفقنا مع هذا التوصيف أو اختلفنا معه، فإن مجرد صدوره عن مسؤولين يقودون مشروعاً إعلامياً حزبياً يحمل دلالة مهمة.

فهو يعني أن الإعلام لم يعد يُقاس بعدد الأخبار التي ينشرها، بل بقدرته على إنتاج الفهم.

كما يعني، بصورة غير مباشرة، أن المدرسة الصحفية التي تقوم على تحليل الخلفيات، وربط الوقائع بسياقاتها القانونية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، أصبحت اليوم تجد طريقها إلى الخطاب الإعلامي الحزبي، بعد أن ظلت لسنوات حاضرة داخل تجارب صحفية مغربية اختارت منذ وقت مبكر تجاوز منطق الخبر العابر إلى منطق قراءة الحدث في عمقه.

وهذا في حد ذاته مؤشر على أن الحاجة إلى الصحافة التي تفسر وتفكك وتقرأ المستقبل لم تعد مجرد خيار تحريري، بل أصبحت مطلباً يفرضه تطور المجتمع نفسه.

بين الإعلام والدعاية… خيط رفيع

لكن يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على المسافة الفاصلة بين الإعلام والدعاية.

فالصحافة، مهما كانت مرجعيتها، تكتسب شرعيتها من قدرتها على مساءلة الجميع، لا من قدرتها على الدفاع عن طرف واحد.

وكلما اقترب الإعلام من السلطة، أو من الحزب، ازدادت مسؤوليته في إثبات استقلالية معاييره المهنية.

لذلك، فإن نجاح المنصة لن يقاس بعدد المشاهدات ولا بعدد المتابعين، وإنما بقدرتها على أن تكسب ثقة من لا يصوتون للحزب قبل ثقة مناضليه.

في النهاية…

السؤال الذي سيظل معلقاً بعد إطلاق AM Plus Media ليس ما إذا كانت المنصة ستنجح تقنياً أو إعلامياً، وإنما ما إذا كانت ستنجح في تغيير العلاقة بين الحزب والمجتمع.

فإذا استطاعت أن تجعل من التحليل وسيلة لفهم الواقع، وأن تفتح المجال لكل الآراء، وأن تمارس النقد حتى عندما يتعلق الأمر بحزبها، فإنها ستكون قد أضافت تجربة جديدة إلى الإعلام المغربي.

أما إذا تحولت إلى منصة لتبرير القرارات والدفاع عن المواقف الحزبية فقط، فإنها ستبقى مجرد أداة تواصل سياسي تحمل شكلاً إعلامياً.

وفي جميع الأحوال، فإن ما حدث يتجاوز إطلاق موقع إلكتروني جديد. إنه إعلان عن دخول السياسة المغربية مرحلة جديدة، لم تعد تتنافس فيها الأحزاب على البرامج وحدها، بل على حق تفسير الواقع.

ومن ينجح في تفسير الواقع أولاً… قد ينجح لاحقاً في توجيه اختيارات الناخبين.

ولهذا، فإن السؤال الذي افتتح به هذا المقال يبقى قائماً:

لماذا أطلق حزب الأصالة والمعاصرة منصته الإعلامية بعد ثمانية عشر عاماً من تأسيسه؟

لأن السياسة، على ما يبدو، لم تعد تدرك أن امتلاك القرار وحده يكفي، بل أصبحت تؤمن بأن من يمتلك تفسير القرار، يمتلك جزءاً كبيراً من أثره… وربما يمتلك أيضاً جزءاً من المستقبل.