ليست المعضلة الكبرى التي تواجه المواطن المغربي اليوم هي الوصول إلى قاعة المحكمة، ولا حتى انتظار سنوات حتى يصدر الحكم. المعضلة تبدأ، في كثير من الأحيان، بعد أن يعلن القاضي نهاية النزاع. فهناك مواطنون يخرجون من المحكمة وهم يحملون حكماً نهائياً صادرًا باسم الملك وطبقاً للقانون، لكنهم يكتشفون سريعاً أن الورقة التي انتصرت لهم قانونياً لا تكفي لاسترجاع حقهم عملياً. وهنا تبدأ رحلة جديدة، لا مع القضاء، بل مع الإدارة نفسها، وكأن الخصومة لم تنتهِ بعد.
إنها مفارقة تمس جوهر دولة القانون. فالدولة التي تمنح مواطنيها حق التقاضي لا تستطيع أن تكتفي بإصدار الأحكام، بل ينبغي أن تضمن تنفيذها. لأن العدالة التي لا تغادر رفوف المحاكم لتصل إلى حياة الناس اليومية، تتحول إلى عدالة ناقصة، مهما بلغت جودة النصوص القانونية أو استقلالية القضاء.
تقرير رسمي يضع الإصبع على الجرح
هذه الصورة لم تعد مجرد انطباعات يتداولها المتقاضون أو الجمعيات الحقوقية، بل أصبحت موثقة في التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025، الذي قدمه وسيط المملكة حسن طارق في يوليوز 2026، كاشفاً أن معركة تنفيذ الأحكام القضائية ما تزال واحدة من أكثر مناطق الاحتكاك تعقيداً بين المواطن والإدارة.
واللافت أن التقرير لا يتحدث عن خلافات قانونية حول مضمون الأحكام، وإنما عن أحكام نهائية اكتسبت قوة التنفيذ، يفترض أن تكون قد أنهت النزاع نهائياً، لكنها تجد نفسها عالقة داخل دهاليز المراسلات الإدارية، والاعتمادات المالية، والمساطر الداخلية، والتأويلات القانونية.
بمعنى آخر، يصبح الحكم القضائي بداية مسار إداري جديد، لا خاتمة لمسار قضائي.
حين يصطدم الدستور بالواقع
دستور المملكة يبدو واضحاً في هذا الباب.
فالفصل 124 ينص على أن الأحكام تصدر وتنفذ باسم الملك وطبقاً للقانون، بينما يقرر الفصل 126 أن الأحكام النهائية ملزمة للجميع، وأن السلطات العمومية مطالبة بالمساعدة على تنفيذها.
لكن التقرير يطرح سؤالاً مقلقاً: ماذا يحدث عندما تصبح الجهة المكلفة بتنفيذ الحكم هي نفسها الجهة التي تؤخره؟
هنا يظهر تناقض عميق داخل الدولة الحديثة. فالقضاء يمارس سلطته الدستورية ويصدر حكماً نهائياً، ثم تأتي الإدارة لتبطئ التنفيذ أو تؤجله أو تنفذه بصورة جزئية، وكأنها تمنح نفسها، عملياً، سلطة مراجعة زمن تنفيذ ما حسمه القضاء.
وليس المقصود هنا رفضاً مباشراً للأحكام، لأن ذلك سيكون خرقاً واضحاً للقانون، وإنما ما هو أكثر تعقيداً: استعمال الزمن والإجراءات والبيروقراطية باعتبارها أدوات لإفراغ الحكم من أثره العملي.
337 ملفاً… لكن الرقم لا يحكي القصة كاملة
خلال سنة 2025، سجلت مؤسسة وسيط المملكة 337 ملفاً يتعلق بعدم تنفيذ الأحكام القضائية.
قد يبدو الرقم محدوداً مقارنة بما مجموعه 6770 تظلماً توصلت بها المؤسسة، لكن القيمة الحقيقية لهذه الملفات لا تقاس بعددها.
فكل ملف منها يمثل مواطناً انتصر أمام القضاء، ثم وجد نفسه يخوض معركة ثانية لاسترجاع الحق نفسه.
أي أن النزاع لم يعد بين شخص وإدارة، بل بين منطقين للدولة:
-
منطق القضاء الذي يعتبر الحكم نهاية الخصومة.
-
ومنطق بعض الإدارات التي تتعامل مع التنفيذ باعتباره خياراً يخضع لأولوياتها الإدارية والمالية.


