عبد الرحيم فقير… حين يصبح التشريح امتحانًا للحقيقة لا للجثة فقط

0
118

لم يعد اسم عبد الرحيم فقير مجرد اسم جديد يُضاف إلى قائمة المهاجرين الذين انتهت رحلتهم خارج الوطن بالموت، بل تحول إلى قضية تختبر واحدة من أكثر الأسئلة حساسية في أوروبا المعاصرة: أين تنتهي شرعية استخدام القوة من قبل الشرطة، وأين تبدأ مسؤولية الدولة عن حماية الحياة الإنسانية؟ فالمعطيات الأولية للتشريح التي كشفت عنها وسائل إعلام إيطالية لا تقدم فقط تفاصيل طبية حول سبب الوفاة، وإنما تفتح الباب أمام معركة قضائية وسياسية وأخلاقية قد تمتد سنوات، لأنها تعيد إلى الواجهة نموذجًا أصبح يتكرر في عدد من الدول الغربية، حيث تتحول عمليات “التثبيت الأمني” أحيانًا إلى سبب مباشر في الوفاة، بينما يبدأ بعدها صراع طويل بين الخبراء والمحامين والروايات الرسمية.

فالتقرير الأولي الذي تحدث عن وجود دم داخل الرئتين، وآثار ضغط على القفص الصدري، لا يمثل في حد ذاته حكمًا قضائيًا، لكنه يمنح التحقيق اتجاهًا مختلفًا تمامًا. فمحامي أسرة الضحية يرى أن الضغط المتواصل على صدر عبد الرحيم فقير لمدة قاربت خمس دقائق أدى إلى انسداد مجرى التنفس وحدوث اختناق ميكانيكي انتهى بالوفاة، بينما يتمسك دفاع الشرطيين برواية مغايرة تعتبر أن وجود الدم في الرئتين قد يكون ناتجًا عن محاولات الإنعاش، وأن غياب الكسور أو الإصابات الخطيرة ينفي فرضية العنف المميت. وبين الروايتين لا يوجد اختلاف طبي فحسب، بل اختلاف في قراءة مفهوم المسؤولية الجنائية نفسه.

وهنا تبدأ “صحافة النظر” في طرح السؤال الذي يتجاوز ظاهر الخبر: لماذا أصبحت معظم القضايا التي يموت فيها أشخاص أثناء عمليات التوقيف تنتهي دائمًا إلى معركة بين تقارير الطب الشرعي؟ لأن الطب الشرعي في مثل هذه الملفات لا يحدد فقط سبب الوفاة، بل يرسم الحدود الفاصلة بين “حادث مؤسف” و”قتل غير مقصود” و”استعمال مفرط للقوة”. ولذلك تتحول كل كلمة في تقرير التشريح إلى عنصر قانوني قد يغير مصير القضية بالكامل.

لقد عرف العالم خلال السنوات الأخيرة قضايا مشابهة، أشهرها قضية جورج فلويد في الولايات المتحدة، حيث أصبح الضغط على العنق والصدر محورًا للنقاش القضائي والعلمي، وانتهى الأمر بإدانة الشرطي المسؤول. كما شهدت دول أوروبية عدة، بينها فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، نقاشات متكررة حول تقنيات التثبيت الأرضي (Prone Restraint)، بعدما حذرت دراسات طبية من أن إبقاء شخص ممددًا على بطنه مع الضغط على ظهره أو صدره لفترة طويلة قد يؤدي إلى ما يعرف بالاختناق الوضعي أو الاختناق الناتج عن التثبيت، حتى في غياب كسور أو جروح ظاهرة.

لكن في حالة عبد الرحيم فقير، لا يبدو أن القضية ستقف عند حدود التقرير الطبي. فالتشريح الأولي غالبًا ما يتبعه تقرير نهائي أكثر تفصيلًا، ثم تقارير مضادة يعدها خبراء الدفاع، ثم تحقيقات النيابة، وربما محاكمات طويلة، وهو ما يجعل الحقيقة القضائية مختلفة زمنيًا عن الحقيقة الإعلامية. فالإعلام يبحث عن الإجابة الآن، بينما القضاء يبنيها قطعة قطعة، وقد يستغرق ذلك سنوات.

ومن هنا يبرز سؤال مغربي مشروع لا يقل أهمية عن التحقيق الإيطالي نفسه: هل سنشهد يومًا في المغرب تحقيقات مماثلة، شكلًا وموضوعًا، في وفيات غامضة عرفها الرأي العام، مثل وفاة عبد الرحيم فقير أو غيره ممن أثارت وفاتهم تساؤلات واسعة؟

في الواقع، لا يتعلق الأمر باستيراد النموذج الأوروبي أو الإيطالي، بل بتكريس ثقافة مؤسساتية تجعل كل وفاة تثير شبهة تدخل سلطات عمومية أو ظروفًا غير عادية موضوع تحقيق مستقل وشفاف، يعتمد الخبرة العلمية والطب الشرعي والقضاء، بعيدًا عن منطق الإشاعة أو التبرير المسبق. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، وإنما أيضًا بقدرتها على مساءلة نفسها حين تكون أجهزتها جزءًا من الوقائع محل التحقيق.

إن المغرب عرف خلال العقود الماضية ملفات أثارت نقاشًا عامًا حول ظروف الوفاة أو المسؤولية أو حدود استعمال القوة أو الإهمال، وبعضها بقي في الذاكرة الجماعية أكثر مما بقي في الملفات القضائية. وما يجمع هذه القضايا هو أن الرأي العام لم يكن يبحث دائمًا عن الإدانة، بقدر ما كان يبحث عن اليقين. فغياب الحقيقة الكاملة يترك المجال للروايات البديلة، بينما التحقيق المستقل يحمي الجميع: الضحية، والمؤسسات، والرأي العام.

ولا يتعلق الأمر فقط بالوفيات المرتبطة بالتدخلات الأمنية، بل أيضًا بالوفيات داخل أماكن الاحتجاز، أو أثناء الترحيل، أو في حوادث تستدعي مساءلة مؤسساتية. ففي كثير من الديمقراطيات، أصبحت التحقيقات المستقلة والطب الشرعي المتخصص والتوثيق البصري أدوات لبناء الثقة، لا مجرد وسائل لإثبات الجريمة أو نفيها.

ولعل الرسالة الأعمق التي تحملها قضية عبد الرحيم فقير ليست طبية ولا قانونية فقط، بل سياسية أيضًا. فكل دولة تواجه اليوم معضلة دقيقة: كيف تحافظ على سلطة أجهزتها الأمنية دون أن تتحول تلك السلطة إلى حصانة؟ وكيف تحمي رجال الأمن من الاتهامات غير المؤسسة، وفي الوقت نفسه تضمن ألا يفلت أي تجاوز من المحاسبة؟ إن الإجابة لا توجد في الخطابات، بل في مؤسسات التحقيق المستقلة، والطب الشرعي المحايد، والقضاء القادر على الفصل بين القوة المشروعة والعنف غير المشروع.

وفي النهاية، قد يحدد التقرير النهائي سبب وفاة عبد الرحيم فقير بدقة أكبر، وقد تنتهي المحاكم إلى إدانة أو إلى البراءة. لكن القضية، مهما كان مآلها، ستظل تطرح سؤالًا يتجاوز حدود إيطاليا: هل أصبحت قيمة حياة الإنسان، خصوصًا إذا كان مهاجرًا أو ضعيفًا أو مجهول الاسم، تقاس فقط بما يستطيع تقرير الطب الشرعي إثباته؟ أم أن الدولة الحديثة مطالبة بأن تجعل من كل وفاة مشبوهة مناسبة لتعزيز الحقيقة، لا لإدارة الرواية؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي لأي منظومة عدالة: أن يكون التحقيق في الموت دفاعًا عن الحياة، لا مجرد بحث تقني في أسباب انتهائها.