الجباية تحت اختبار الدولة الاجتماعية… هل موّلت الحكومة الحماية الاجتماعية على حساب محرك إنتاج الثروة؟

0
106

تحول النقاش حول الجباية في المغرب من مجرد ملف تقني مرتبط بتوازنات المالية العمومية إلى سؤال اقتصادي وسياسي عميق يلامس طبيعة النموذج التنموي والاجتماعي الذي يتجه إليه البلد خلال السنوات المقبلة. فالتقرير الأخير لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) لسنة 2026، الذي وضع المغرب في المرتبة الثانية عالمياً من حيث المعدل القانوني للضريبة على أرباح الشركات بنسبة تصل إلى 35 في المائة، لم يطرح فقط رقماً جديداً في جداول المقارنة الدولية، بل أعاد فتح ملف حساس: كيف يمكن تمويل مشروع “الدولة الاجتماعية” دون إضعاف المحرك الاقتصادي القادر على إنتاج الثروة؟

الأرقام في ظاهرها تقنية، لكنها في عمقها تحمل رسالة سياسية واقتصادية واضحة. فحين يصبح معدل الضريبة على الشركات في المغرب أعلى بكثير من المتوسط العالمي البالغ 21.2 في المائة، ومن المتوسط الإفريقي المحدد في 26.6 في المائة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بحجم الاقتطاع، بل بموقع المغرب داخل خريطة المنافسة الاقتصادية العالمية، وبالإشارات التي يرسلها إلى المستثمرين المحليين والدوليين.

فالمغرب يعيش منذ سنوات مرحلة إعادة تعريف لدور الدولة في الاقتصاد والمجتمع. الدولة التي اختارت تسريع بناء نموذج اجتماعي جديد، عبر تعميم الحماية الصحية، وإطلاق برامج الدعم الاجتماعي المباشر، وتوسيع الاستثمارات العمومية في البنيات التحتية والمشاريع الكبرى، وجدت نفسها أمام معادلة مالية معقدة: كيف تمول التزامات اجتماعية متزايدة في ظل الحاجة إلى الحفاظ على التوازنات المالية؟

ويبدو أن الخيار الذي تم اعتماده كان واضحاً: تعبئة موارد جبائية إضافية باعتبارها مصدراً سريعاً وأكثر ضماناً لتمويل الأوراش الجديدة. غير أن هذا الخيار، رغم وجاهته من زاوية حاجة الدولة إلى موارد مستقرة، يفتح في المقابل سؤالاً جوهرياً حول حدود قدرة الاقتصاد المهيكل على تحمل المزيد من الأعباء.

فالمشكلة ليست في مبدأ الضريبة، إذ لا يمكن تصور دولة حديثة دون مساهمة ضريبية عادلة تمكنها من أداء وظائفها الاجتماعية والتنموية، وإنما في التوازن بين ما تأخذه الدولة وما تتركه للمقاولة كي تستثمر وتوسع نشاطها وتخلق فرص الشغل.

هنا تظهر المفارقة الكبرى في السياسة الاقتصادية الحالية. فالحكومة ترفع شعار جعل القطاع الخاص شريكاً أساسياً في التنمية، وتراهن من خلال ميثاق الاستثمار الجديد على جذب الرساميل وتحفيز المقاولات الوطنية، لكنها في الوقت نفسه تتحرك داخل بيئة جبائية تجعل كلفة الضريبة على الشركات مرتفعة مقارنة بعدد كبير من الاقتصادات المنافسة.

والرهان اليوم لم يعد فقط على حجم الضرائب، بل على “الصورة الاقتصادية” التي تنتجها هذه الأرقام. فالمستثمر لا ينظر فقط إلى حجم السوق أو الاستقرار السياسي أو البنيات التحتية، بل يدرس أيضاً البيئة الجبائية، وكلفة الإنتاج، وهوامش الربح، وقدرة الدولة على توفير مناخ يسمح بالنمو المستدام.

وفي عالم أصبحت فيه الدول تتنافس لجذب الاستثمار، لم يعد المغرب ينافس فقط الاقتصادات الأوروبية أو الآسيوية، بل أصبح جزءاً من سباق إفريقي جديد، حيث تعمل العديد من الدول على تحسين جاذبيتها الاقتصادية عبر سياسات ضريبية أكثر مرونة لجذب الشركات وسلاسل الإنتاج العالمية.

لكن خلف هذا النقاش توجد إشكالية أعمق: هل اختارت الدولة الطريق الأسهل لتحصيل الموارد، أم أنها بصدد إعادة بناء نموذج جبائي أكثر عدلاً؟

فالانتقادات الموجهة للسياسة الجبائية الحالية لا تنطلق بالضرورة من رفض تمويل الدولة الاجتماعية، وإنما من التساؤل حول مصدر هذا التمويل. إذ يرى عدد من الاقتصاديين أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في رفع الضرائب على الفاعلين المهيكلين، بل في توسيع الوعاء الضريبي، وإدماج جزء أكبر من الاقتصاد غير المهيكل، ومحاربة التهرب والغش الضريبي، حتى لا يبقى العبء مركزاً على المقاولات التي تعمل داخل النظام القانوني وتؤدي واجباتها.

وهنا تظهر إحدى أكبر المفارقات: الاقتصاد المنظم، الذي يفترض أن يكون شريكاً للدولة في خلق الثروة، قد يجد نفسه يتحول تدريجياً إلى المصدر الأكثر استهدافاً للموارد العمومية، في حين يبقى جزء من النشاط الاقتصادي خارج دائرة المساهمة الفعلية.

المخاطر لا تظهر بالضرورة في المدى القصير، لأن رفع المداخيل الجبائية قد يمنح الدولة قدرة أكبر على تمويل برامجها، لكن الاختبار الحقيقي يظهر على المدى المتوسط والبعيد. فالمقاولة لا تقيس فقط قدرتها على أداء الضريبة، بل قدرتها بعد الأداء على الاستثمار، والتوسع، وتوظيف الشباب، والمنافسة.

وحين تتراجع قدرة الشركات على إعادة ضخ الأرباح في الاقتصاد، فإن الأثر لا يبقى محصوراً داخل الحسابات المالية للمقاولات، بل يمتد إلى سوق الشغل، وإلى وتيرة النمو، وإلى قدرة الاقتصاد الوطني على خلق قيمة مضافة جديدة.

وتبدو المقاولات الصغرى والمتوسطة الأكثر حساسية لهذا الوضع، لأنها لا تتوفر على نفس الهوامش المالية التي تتوفر عليها الشركات الكبرى. وهذه الفئة بالذات تمثل العمود الفقري لأي سياسة تشغيل، إذ إن جزءاً كبيراً من فرص العمل المستقبلية يرتبط بقدرتها على البقاء والتوسع.

لكن السؤال الأكثر عمقاً الذي يطرحه التقرير الدولي لا يتعلق بالضريبة في حد ذاتها، بل بالفلسفة الاقتصادية التي تقف خلفها: هل ينظر إلى المقاولة باعتبارها مجرد مصدر للإيرادات، أم باعتبارها شريكاً استراتيجياً في بناء الدولة الاجتماعية؟

فالدولة الاجتماعية لا يمكن أن تقوم فقط على إعادة توزيع الثروة، بل تحتاج أولاً إلى اقتصاد قادر على إنتاجها. وكل ضغط مفرط على مصادر الإنتاج قد يهدد في النهاية القاعدة التي تمول البرامج الاجتماعية نفسها.

وهنا تكمن المفارقة التي تواجه الحكومة: فهي مطالبة من جهة بتوسيع الحماية الاجتماعية وتحقيق العدالة الاقتصادية، ومطالبة من جهة أخرى بالحفاظ على جاذبية المغرب للاستثمار وتحفيز المقاولات على خلق الثروة. إنها معادلة دقيقة بين دولة تحتاج إلى موارد أكبر واقتصاد يحتاج إلى مساحة أكبر للحركة.

لذلك فإن تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لا ينبغي قراءته فقط كتصنيف ضريبي، بل كإشارة تدعو إلى مراجعة التوازنات. فالمعضلة ليست في تمويل “الدولة الاجتماعية”، فهذا خيار استراتيجي لا خلاف حول أهميته، وإنما في الطريقة التي يتم بها توزيع كلفة هذا المشروع بين الدولة والمجتمع والقطاع المنتج.

ويبقى السؤال المفتوح الذي يفرض نفسه على النقاش العمومي: هل نجحت الحكومة في بناء جسر بين العدالة الاجتماعية والنمو الاقتصادي، أم أنها تخاطر بجعل الجباية المرتفعة تأكل تدريجياً من الوعاء الاقتصادي الذي يفترض أن يمول هذا المشروع؟

فالدولة الاجتماعية تحتاج إلى ضرائب، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى اقتصاد حي. لأن الثروة التي لا تُنتج لا يمكن توزيعها، والمقاولة التي تُرهق أكثر مما تُحفّز قد تتحول من محرك للتنمية إلى ضحية لسياساتها التمويلية.