من 120 رياضياً إلى سؤال الـ80 مرافقاً: حين يتحول خطاب محمد الداودي من نقد الرياضة إلى مساءلة من يملك المعلومة ومن يملك حق كشفها

0
97

لم يعد محمد الداودي، الكاتب العام السابق للجامعة الملكية المغربية للتكواندو، يتحدث فقط من موقع رجل عاش تجربة داخل إحدى الجامعات الرياضية. في إطلالته الجديدة حول المشاركة المغربية في ألعاب البحر الأبيض المتوسط «تارانتو 2026»، بدا كأنه يتحدث من موقع أوسع بكثير: موقع من يراقب المنظومة الرياضية من الداخل، يعرف تفاصيلها، يتابع أرقامها، ويطرح أسئلة تتجاوز حدود اختصاصه السابق لتطال طريقة تدبير الرياضة المغربية برمتها.

وهنا تحديداً تبدأ القصة الحقيقية.

فالمشكلة ليست في أن ينتقد مسؤول رياضي سابق الجامعة التي اشتغل بها، ولا في أن يطرح أسئلة حول أداء الجامعات الرياضية أو نتائجها أو طرق تدبيرها. النقد حق، بل إن الرياضة المغربية تحتاج إلى النقد المهني أكثر مما تحتاج إلى التصفيق. لكن السؤال الذي يفرض نفسه عندما يصبح شخص واحد قادراً على الحديث في ملفات متعددة، وبأرقام وتفاصيل إدارية ولوجستية يفترض أن تكون موزعة بين مؤسسات وأجهزة مختلفة، هو: من أين تأتي هذه المعلومات؟ ومن يقرر أن تكون متاحة له؟

هذا السؤال ليس اتهاماً لأحد، لكنه سؤال في صميم الحكامة.

الداودي بدأ حديثه من التكواندو، ثم غادر التكواندو سريعاً إلى فضاء الرياضة المغربية كلها. تحدث عن التدبير التقني، وعن غياب الرؤية الاستراتيجية، وعن المصالح الشخصية، وعن توظيف الرياضة في الحسابات السياسية والتوازنات الداخلية، ثم انتقل إلى الجامعات الرياضية، وبعدها إلى المشاركة المغربية في تارانتو، ثم إلى التحفيزات المالية، وانتهى إلى الحكم على طريقة تدبير «98 في المائة» من الأصناف الرياضية.

بهذا المعنى، لم يعد الفيديو مجرد تعليق على مشاركة رياضية. لقد أصبح بياناً سياسياً ــ رياضياً غير معلن، يضع المنظومة كلها في قفص الاتهام.

حين تصبح المعلومة نفسها موضوعاً للخبر

الجزء الأكثر إثارة في هذا الخطاب ليس بالضرورة ما قاله الداودي، وإنما ما يفترض أنه يعرفه.

فالحديث عن عدد الرياضيين المشاركين يمكن أن يكون مبنياً على معطيات منشورة أو متداولة. والحديث عن النتائج السابقة يمكن مقارنته بسجلات الدورات الماضية. أما الانتقال إلى تفاصيل الوفد، والمرافقين، واللوائح الإدارية التي تستعمل في إجراءات الاعتماد والتأشيرة، فهو مستوى آخر من المعلومات.

وهنا يجب أن نتوقف.

بحسب المعطيات التي أوردتها في تقديم هذا الملف، فإن اللوائح التي تم تداولها تضم أكثر من 80 اسماً من المرافقين، بينما لم تُنشر، إلى حدود إعداد هذا المقال، اللائحة الكاملة للوفد الرسمي بكل مكوناته. وهذه النقطة تحديداً تستحق جواباً مؤسساتياً واضحاً، لأن القضية لا تتعلق بمن هو موجود في الوفد فقط، وإنما بمن يتحمل مسؤولية تدبيره، ومن يتحمل كلفته، وما المعايير التي تم اعتمادها في اختيار كل فئة من فئات المرافقين.

فالوفد الرياضي ليس مجرد عدد من الأبطال يحملون الأمتعة ويذهبون إلى المنافسة. هناك مدربون، أطباء، أطر تقنية، إداريون، إعلاميون، مكونون ومرافقون. وكل اسم إضافي يعني وظيفة، ومسؤولية، وكلفة، وقراراً إدارياً.

ولهذا فإن السؤال عن اللائحة الكاملة ليس فضولاً صحافياً.

إنه سؤال حكامة.

واللجنة الوطنية الأولمبية المغربية نفسها تقدم تارانتو 2026 باعتبارها محطة تتطلب تنسيقاً لوجستياً واعتمادات ونقلاً وتنظيماً دقيقاً، وهي موضوعات كانت ضمن أشغال اجتماع رؤساء البعثات في مارس الماضي.

من حق الصحافة أن تسأل… ومن واجب المؤسسة أن تجيب

إذا كانت هناك لائحة رسمية للوفد المغربي، فلماذا لا تكون متاحة للرأي العام؟

وإذا لم تكن هناك لائحة نهائية، فما الذي يمنع المؤسسة من القول بوضوح إن اللائحة ما تزال قيد التحيين؟

وإذا كانت هناك لائحة موسعة أُرسلت لأغراض إدارية، فهل الأسماء الواردة فيها تعني بالضرورة أن أصحابها سيغادرون فعلاً ضمن الوفد النهائي؟ أم أن الأمر يتعلق بإجراءات احترازية مرتبطة بالاعتماد والتأشيرات؟

هذه أسئلة بسيطة، لكنها تكشف الفرق بين المعلومة والتسريب.

فالشفافية لا تعني أن يحصل شخص معين على وثيقة قبل الجميع، ثم تتحول الوثيقة إلى مادة للمساءلة العمومية. الشفافية تعني أن تنتقل المعلومة من المؤسسة إلى الجمهور وفق قواعد واضحة، حتى لا تصبح الصحافة رهينة مصادر داخلية، ولا يصبح المصدر الداخلي نفسه صاحب سلطة غير معلنة على صناعة النقاش الرياضي.

ومن هنا تبرز المسألة الأكثر حساسية في هذا الملف.

إذا كانت بعض الوثائق الإدارية غير المنشورة تصل إلى أشخاص من خارج المؤسسة، فمن المشروع أن يُطرح سؤال: هل نحن أمام سياسة مؤسساتية في التواصل، أم أمام تسريبات فردية؟

والفرق بين الحالتين جوهري.

لأن التسريب، إذا ثبت، لا يصبح مجرد وسيلة لإنتاج مادة صحافية؛ بل قد يكشف خللاً في حماية المعلومات الإدارية، وقد يفتح سؤال المسؤولية المهنية لمن يملك الوثيقة ومن سمح بخروجها.

لكن لا يجوز تحويل هذا الاحتمال إلى اتهام جاهز.

المطلوب هو التحقيق، لا الإدانة.

الرجل الذي يراقب الجميع

هناك مفارقة أخرى تستحق التوقف.

الداودي، باعتباره مسؤولاً سابقاً في جامعة رياضية، يمتلك بحكم تجربته معرفة بتفاصيل اشتغال الجامعات. وهذا أمر طبيعي ومفيد. لكنه في خطابه الأخير لا يكتفي بتقييم تجربته السابقة، وإنما يقدم نفسه عملياً كعين تراقب المشهد الرياضي كله.

يتحدث عن الجامعات التي «تتطاحن»، وعن المسؤولين الذين يسعون إلى الكراسي، وعن غياب المشاريع، وعن التدبير اليومي، وعن المصالح الشخصية، وعن التوازنات داخل المكاتب الجامعية.

لكن حين يتسع مجال النقد إلى هذا الحد، يجب أن يتسع معه معيار المسؤولية.

من ينتقد المنظومة كلها مطالب أيضاً بأن يميز بين ما يعرفه مباشرة، وما سمعه، وما استنتجه، وما يملك عليه وثيقة، وما هو مجرد تقييم شخصي.

وإلا تحولت الصحافة الرياضية إلى مساحة تختلط فيها المعلومة بالرأي، والرأي بالاستنتاج، والاستنتاج بما يشبه الحقيقة.

وهنا تكمن خطورة الخطاب الذي يبدو في ظاهره شديد الجرأة.

فهو قد يكون مفيداً لأنه يفتح الملفات، لكنه يصبح خطيراً إذا جعل الجمهور يعتقد أن كل ما يقال من منصة واحدة يمثل الحقيقة الكاملة.

120 رياضياً… لكن أين تبدأ البعثة وأين تنتهي؟

الرقم الذي يقدمه الداودي حول 120 رياضياً يفتح بدوره باباً أوسع.

فاللجنة الوطنية الأولمبية المغربية أكدت رسمياً أن مشاركة المغرب في تارانتو 2026 قائمة، وأن الألعاب ستقام في إيطاليا بين 21 أغسطس و3 سبتمبر.

لكن السؤال الصحافي لا يتوقف عند عدد الرياضيين.

السؤال الحقيقي هو: ما حجم البعثة المغربية كاملة؟

إذا كان لدينا 120 رياضياً، فما عدد المدربين؟ كم طبيباً؟ كم أخصائياً في العلاج الطبيعي؟ كم معداً بدنياً؟ كم إدارياً؟ كم إعلامياً؟ كم مصوراً؟ كم مرافقاً؟ وما المعايير التي تم اعتمادها؟

الأرقام في الرياضة ليست مجرد أرقام.

كل اسم له كلفة.

وكل مقعد في الطائرة له كلفة.

وكل ليلة في الفندق لها كلفة.

وكل اعتماد له مبرر وظيفي ينبغي أن يكون قابلاً للتفسير.

لهذا فإن الحديث عن أكثر من 80 مرافقاً، إذا صحت هذه المعطيات، ليس تفصيلاً هامشياً يمكن تجاوزه. إنه سؤال يستحق أن تجيب عنه الجهة المسؤولة بلائحة واضحة، مع تحديد الصفة والوظيفة، دون حاجة إلى الدخول في سجال مع أي شخص.

بل إن نشر اللائحة رسمياً سيكون أقوى من كل الردود.

المشكلة ليست في عدد المرافقين وحده

لكن اختزال القضية في رقم 80 سيكون خطأ صحافياً.

فقد تكون هناك أسباب موضوعية تجعل بعض الوفود تحتاج إلى أعداد مهمة من الأطر والمرافقين. كما أن طبيعة الألعاب وتعدد الأصناف والمسافات بين مواقع المنافسات يمكن أن تفرض ترتيبات لوجستية خاصة.

المشكلة تبدأ فقط عندما يغيب التفسير.

الحكامة لا تعني أن يكون عدد المرافقين قليلاً، وإنما أن يكون كل مرافق قابلاً للتفسير.

وهنا يجب أن يكون السؤال: ماذا يفعل؟ لماذا هو موجود؟ من الجهة التي عينته؟ ومن يتحمل تكلفته؟ وهل يؤدي مهمة مرتبطة مباشرة بالبعثة؟

عندها فقط يصبح النقاش مهنياً.

أما تحويل الرقم وحده إلى فضيحة، أو الدفاع عنه دون تقديم المعطيات، فكلاهما لا يخدم الرياضة.

من أوران إلى تارانتو… الذاكرة لا تكفي

استحضر الداودي المشاركة المغربية في وهران 2022، وتوقف عند حصيلة 33 ميدالية وترتيب المغرب في المركز الخامس عشر، مع الإشارة إلى ضعف الحصيلة مقارنة بطموحات الرياضة المغربية.

لكن قيمة المقارنة لا تكمن في استحضار عدد الميداليات فقط.

المطلوب هو أن نسأل: ماذا تغير منذ وهران؟

هل تغيرت طرق إعداد الأبطال؟

هل تغيرت أنظمة اكتشاف المواهب؟

هل تغيرت علاقة الجامعات بالأندية؟

هل تغيرت طرق تمويل الاستعدادات؟

هل أصبحت النتائج مرتبطة بمؤشرات أداء واضحة؟

وهل تم تقييم المشاركة السابقة بصرامة قبل بناء المشاركة الجديدة؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة غائبة، فإن رفع سقف التوقعات في تارانتو يصبح أقرب إلى الأمل منه إلى التخطيط.

الداودي أصاب في سؤال… لكنه لم يجب عن سؤال آخر

من أقوى أجزاء خطاب الداودي أنه يرفض التعامل مع الرياضة بمنطق المشاركة من أجل المشاركة، ويطالب برؤية استراتيجية بعيدة عن المصالح الشخصية والتوازنات الداخلية.

وهذا مطلب لا يمكن الاختلاف معه من حيث المبدأ.

لكن هناك سؤالاً آخر يفرض نفسه على صاحب الخطاب نفسه:

إذا كان الخلل بهذا الحجم، وإذا كانت الجامعات تعاني من هذا القدر من الصراعات، وإذا كانت المنظومة تحتاج إلى تغيير جذري، فلماذا لا تتحول هذه الملاحظات إلى ملفات موثقة، بأسماء المؤسسات، والأرقام، والقرارات، والتواريخ؟

هنا تنتقل المسألة من الخطاب إلى المسؤولية.

فالحديث عن «التدبير العشوائي» سهل.

أما إثبات مظاهر العشوائية فهو عمل صحافي ومؤسساتي يحتاج إلى وثائق.

والحديث عن «المصالح الشخصية» سهل.

أما إثبات تضارب المصالح فيحتاج إلى معطيات.

والحديث عن «التوازنات» سهل.

أما كشف آلياتها فيحتاج إلى أدلة.

وهذه هي النقطة التي يجب أن يرتفع عندها النقاش الرياضي من مستوى التدوينات والفيديوهات إلى مستوى التحقيق الحقيقي.

والسؤال الأكثر حساسية: من يزود من؟

إذا ثبت أن وثائق إدارية غير منشورة وصلت إلى جهات خارج الإدارة التي تنتجها أو تحفظها، فإن الملف يصبح أكبر من مجرد خلاف رياضي.

عندها نحن أمام سؤال يتعلق بسرية الوثائق، وبالواجب المهني للموظف، وبحدود تداول المعلومات الإدارية، وبالمسؤولية القانونية والأخلاقية لكل من يشارك في عملية التسريب.

لكن مرة أخرى: لا يجوز أن نقول إن موظفين أو رؤساء مصالح يسربون الوثائق باعتبار الأمر حقيقة ثابتة ما لم توجد أدلة.

ما يمكن قوله مهنياً هو أن مستوى التفاصيل التي تظهر في بعض الخطابات يبرر طرح السؤال.

ومن حق الإدارة أن تجيب.

ومن حق الصحافة أن تسأل.

ومن حق الرأي العام أن يعرف.

لكن ليس من حق أي طرف أن يحول الشبهة إلى إدانة قبل التحقق.

هذه هي الحدود الفاصلة بين الصحافة الجادة والتشهير.

الرياضة لا تحتاج إلى «وصي»

الجانب الآخر الذي يستحق النقاش هو طبيعة الدور الذي أصبح الداودي يمنحه لنفسه في المشهد الرياضي.

ليس من المشكلة أن يتحدث مسؤول سابق.

وليس من المشكلة أن ينتقد.

وليس من المشكلة أن يقدم اقتراحات.

لكن عندما يتحول الخطاب إلى تقييم شامل للجامعات، واللجنة الأولمبية، والإدارة الرياضية، والنتائج، والبعثات، والتحفيزات، والتدبير، يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام صوت نقدي، أم أمام محاولة لاحتلال موقع وصاية معنوية على الرياضة المغربية؟

الرياضة المغربية لا تحتاج إلى أوصياء جدد.

تحتاج إلى مؤسسات قوية.

وتحتاج إلى قواعد معلنة.

وتحتاج إلى معلومات متاحة.

وتحتاج إلى مسؤولين يحاسبون على النتائج.

وتحتاج كذلك إلى معارضة رياضية مهنية، إذا كان لا بد من وجودها، تكون وظيفتها كشف الخلل لا امتلاك الحقيقة.

حين يصبح نشر اللائحة أقوى من الرد

ربما يكون الحل أبسط مما يبدو.

إذا كانت المعطيات المتداولة حول البعثة صحيحة، فلينشر المسؤولون اللائحة الرسمية.

إذا كانت غير صحيحة، فلينشروا اللائحة الصحيحة.

إذا كانت الأرقام مؤقتة، فليقولوا إنها مؤقتة.

وإذا كانت هناك أسماء أدرجت لأغراض التأشيرة والاعتماد فقط، فليتم توضيح ذلك.

بهذه الطريقة ينتهي نصف الجدل في لحظته.

أما ترك الفراغ المعلوماتي، فهو الذي يصنع القصص.

وحين تغيب المعلومة الرسمية، يدخل إليها المتحدثون من خارج المؤسسة، كل واحد حسب مصادره وتأويلاته وأهدافه.

وهنا تحديداً تتحول الشفافية من شعار إلى ضرورة.

تارانتو ليست مجرد دورة رياضية

ألعاب البحر الأبيض المتوسط في تارانتو ليست حدثاً صغيراً. اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية تعتبرها محطة دولية كبرى، فيما أعلنت الجهة المنظمة الإيطالية أن الدورة ستعرف مشاركة تقارب أربعة آلاف رياضي، ما يجعلها واحدة من أكبر نسخ الألعاب من حيث عدد المشاركين.

لذلك فإن المشاركة المغربية تستحق ما هو أكثر من تعداد الميداليات.

تستحق مشروعاً.

وتستحق خطاباً مؤسساتياً واضحاً.

وتستحق بعثة يتم شرح تركيبتها.

وتستحق أبطالاً تتم حمايتهم من صراعات الكبار.

وتستحق إعلاماً رياضياً لا يكون مجرد واجهة للوفد، بل عيناً تراقب وتنقل وتسأل.

والأهم أنها تستحق أن تكون فرصة لقياس مستوى الرياضة المغربية، لا مناسبة جديدة لتبادل الاتهامات بين المسؤولين السابقين والحاليين.

في النهاية… القضية ليست الداودي

من السهل أن يتحول هذا الملف إلى معركة شخصية بين محمد الداودي وبين اللجنة الوطنية الأولمبية أو الإدارة الرياضية.

وهذا سيكون أسوأ ما يمكن أن يحدث.

لأن القضية أكبر من شخص.

الداودي ليس هو المشكلة، كما أن اللجنة الأولمبية ليست بالضرورة هي المشكلة.

المشكلة الحقيقية هي منظومة تسمح أحياناً بأن تكون المعلومة الرسمية غائبة، فيصبح صاحب المعلومة غير الرسمية أقوى من المؤسسة نفسها.

والمشكلة هي منظومة لم تجعل بعد من الشفافية قاعدة تلقائية، بحيث لا يحتاج الصحافي إلى انتظار التسريبات كي يعرف كيف تتشكل بعثة وطنية، ومن يرافق الرياضيين، وما هي الميزانية، وما هي المعايير.

أما إذا كان الداودي يمتلك وثائق تكشف اختلالات حقيقية، فالمطلوب منه أن يضعها أمام الرأي العام أو أمام الجهات المختصة، وأن يميز بوضوح بين الوثيقة والرأي والاستنتاج.

وإذا كانت لديه معلومات مصدرها موظفون داخل الإدارة، فعلى الإدارة أن تسأل بدورها: كيف خرجت المعلومات؟ ومن المسؤول عن تداولها؟ وهل تم احترام قواعد السرية المهنية؟

أما إذا كان كل ما يقال مجرد قراءة شخصية، فمن حقه أن يقولها، لكن من واجب المتلقي أن يعرف أنها قراءة وليست حقيقة مؤسساتية.

وهنا يعود السؤال إلى أصله:

من يملك المعلومة في الرياضة المغربية؟

هل تملكها المؤسسة وتقدمها للرأي العام؟

أم تظل حبيسة المكاتب إلى أن تصل عبر قنوات غير رسمية إلى من يستطيع تحويلها إلى خطاب عام؟

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي تخفيه وراءها قصة «120 رياضياً» و«80 مرافقاً».

فالمعركة المقبلة في تارانتو لن تكون فقط داخل الملاعب.

هناك معركة أخرى خارجها: معركة الثقة.

والثقة لا تبنى بالتصريحات، ولا بالتسريبات، ولا بالفيديوهات.

الثقة تبنى عندما تكون الأرقام معلنة، واللوائح واضحة، والمسؤوليات محددة، والمال العام قابلاً للتتبع، والمعلومة متاحة للجميع بالقدر نفسه.

أما عندما يصبح شخص واحد قادراً على معرفة ما لا يعرفه الجمهور، وقادراً على مساءلة الجميع دون أن نعرف بدقة من أين حصل على معطياته، فإن السؤال لم يعد: ماذا قال محمد الداودي؟

بل أصبح:

من الذي يتحدث من خلف محمد الداودي؟

وهو سؤال لا يوجه إلى الرجل وحده، بل إلى المؤسسة التي تسمح للمعلومة بأن تخرج من بابها الخلفي، بينما يظل بابها الأمامي مغلقاً أمام الرأي العام.