حين احترم الرئيس القانون… وانكشف مأزق الإدارة: هل أصبح القانون 30.09 جزءاً من أزمة الرياضة المغربية؟
ليست أزمة الجامعة الملكية المغربية للسباحة مجرد محطة انتخابية تعثرت بسبب خلاف حول تأويل مادة قانونية، وليست أيضاً خلافاً شخصياً بين رئيس جامعة والإدارة الوصية. ما كشفته هذه النازلة أعمق بكثير؛ فقد أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل مؤجلاً منذ أكثر من خمسة عشر عاماً: هل نجح القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة في بناء حكامة رياضية حديثة، أم أنه أصبح هو نفسه أحد أسباب تعثرها؟
فالرياضة المغربية لم تدخل اليوم في أزمة بسبب غياب النصوص، وإنما بسبب عجز المؤسسات عن إنتاج تأويل قانوني يحسم الخلاف عندما يصبح النص قابلاً لأكثر من قراءة. وهنا يكمن جوهر القضية. فالقانون لا يفقد قوته لأنه يحتمل التأويل، بل عندما تعجز الجهة المكلفة بتطبيقه عن تحمل مسؤولية ذلك التأويل.
هذا بالضبط ما أظهرته قضية الجامعة الملكية المغربية للسباحة.
فالجمع العام الانتخابي لم يتوقف بسبب خلاف حول النتائج أو بسبب طعون انتخابية، وإنما توقف عند مناقشة مدى أحقية الرئيس في ولاية جديدة، بعد أن تحول تفسير إحدى مواد القانون إلى محور الخلاف. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال انتخابياً، بل قانونياً.
وكان الجميع ينتظر أن تمارس الوزارة، عبر مديرية الرياضة وأجهزتها القانونية، اختصاصها الطبيعي في تفسير النص وتحديد المخرج القانوني. غير أن الملف، بحسب المعطيات المتداولة، ظل يدور بين الوزارة والأمانة العامة للحكومة، قبل أن يعود إلى الوزارة باعتبارها صاحبة الاختصاص القطاعي، دون أن يصدر الحسم الذي كانت تنتظره الأسرة الرياضية.
وهنا انتقلت الأزمة من الجامعة إلى الإدارة.
فإذا كانت مديرية الرياضة تضم أطرًا قانونية متخصصة، وإذا كانت الوزارة هي الجهة الوصية على تطبيق القانون، فلماذا لم تتمكن من تقديم قراءة قانونية واضحة تنهي الجدل؟ ولماذا بقيت الجامعة في حالة انتظار بينما كان المطلوب هو قرار قانوني وليس مجرد إدارة للخلاف؟
هذه الأسئلة لم يطرحها رئيس الجامعة بالكلمات، بل فرضها بالأفعال.
ففي خطوة تحمل دلالات قانونية ومؤسساتية، وجه رئيس الجامعة الملكية المغربية للسباحة، إدريس حسا، رسالة أعلن فيها انتهاء ولايته، مؤكداً أنه ابتداء من تاريخها لن يوقع أي وثيقة مالية أو إدارية أو تنظيمية باسم الجامعة.
والأهم من ذلك أنه لم يعلن استقالته.
فالاستقالة تعني التخلي عن مسؤولية ما زالت قائمة، أما إعلان انتهاء الولاية فيعني أن صاحبها يعتبر أن الشرعية القانونية التي كانت تخوله ممارسة مهامه قد انتهت، وأنه لم يعد يملك أي سند قانوني للاستمرار.
وخلال حديثه، شدد على أنه لم يفعل سوى احترام القانون كما يقرأه هو. فبالنسبة إليه، الولاية الأولى انتهت، ثم الولاية الثانية انتهت، وما دام يعتبر أن القانون لا يمنحه حق الاستمرار، فإنه لا يستطيع أن يوقع أو يتصرف باسم الجامعة. أما إيجاد المخرج القانوني، فهو مسؤولية الإدارة وليس مسؤوليته.
بهذا الموقف، لم يضع الوزارة في مواجهة سياسية، وإنما وضعها في مواجهة القانون الذي تشرف هي نفسها على تطبيقه.
لقد نقل مركز الأزمة من شخص الرئيس إلى المؤسسة المكلفة بتفسير النص.
غير أن هذه القضية كشفت أيضاً وجهاً آخر نادراً في تدبير الجامعات الرياضية.
ففي الوقت الذي اعتادت فيه الساحة الرياضية على رؤساء يبحثون عن كل السبل القانونية والإدارية للبقاء في مواقعهم، اختار إدريس حسا اتجاهاً معاكساً تماماً. فهو، كما أكد، يعتبر أن ولايتين كافيتان، وأنه تجاوز الستين من عمره، وقد أعطى للسباحة المغربية ما استطاع أن يعطيه، وأن الوقت حان لفسح المجال أمام كفاءات جديدة وشباب قادرين على تقديم قيمة مضافة لهذه الرياضة.
هذه الرسالة تتجاوز شخصه.
إنها تعيد الاعتبار إلى ثقافة أصبحت نادرة داخل الرياضة الوطنية، وهي أن المسؤولية ليست امتيازاً دائماً، وأن تداولها جزء من الحكامة الجيدة. فالمنصب ليس إرثاً، والجامعة ليست ملكية خاصة، وتجديد النخب ليس تهديداً للاستقرار، بل أحد شروط استمراره.
لكن المفارقة أن الرجل، وهو يختار المغادرة احتراماً للقانون، كشف في الوقت نفسه حدود هذا القانون.
فالقانون رقم 30.09 لم يولد في ظروف عادية، بل جاء ثمرة للمناظرة الوطنية للرياضة بالصخيرات سنة 2008، باعتباره أحد أهم أوراش الإصلاح التي راهنت عليها الدولة لتحديث المنظومة الرياضية المغربية، وإرساء قواعد الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على دخوله حيز التنفيذ لم ينه الجدل، بل جعل عدداً متزايداً من الفاعلين يعتبرون أن عدداً من مقتضياته أصبح يطرح إشكالات عند التنزيل أكثر مما يقدم حلولاً، وهو ما تعكسه النزاعات المتكررة داخل عدد من الجامعات الرياضية.
ومن هنا، فإن أزمة جامعة السباحة لا تبدو استثناءً، بل قد تكون أحد أبرز المؤشرات على أن هذا القانون، رغم أهدافه الإصلاحية، أصبح بحاجة إلى مراجعة شاملة تزيل الغموض عن عدد من مواده، وتحدد بوضوح الجهة المخولة بالتفسير والحسم حتى لا تتحول كل أزمة انتخابية إلى أزمة مؤسساتية.
لقد خرج إدريس حسا من المشهد، لكنه ترك وراءه سؤالاً أكبر من رئاسته للجامعة.
فإذا كان رئيس جامعة يحمل تكويناً قانونياً انتهى إلى قناعة بأن ولايته انتهت، بينما ظلت الإدارة عاجزة عن إنتاج جواب قانوني يحسم النزاع، فإن القضية لم تعد تتعلق بجامعة السباحة، ولا بشخص رئيسها، بل أصبحت تتعلق بمدى قدرة المنظومة القانونية والإدارية التي تؤطر الرياضة المغربية على مواكبة الواقع الذي جاءت لتنظيمه.
فالاختبار الحقيقي لم يعد: من يترأس الجامعة؟
بل أصبح: هل ما زال القانون رقم 30.09 يؤدي الوظيفة التي وُضع من أجلها، أم أن الوقت قد حان لإعادة النظر فيه بعد خمسة عشر عاماً من التطبيق؟
وربما يكون هذا هو الدرس الأكبر الذي تقدمه اليوم جامعة السباحة للرياضة المغربية بأكملها: الأزمة ليست دائماً في الأشخاص، بل قد تكون في النصوص، وفي المؤسسات التي تتردد في منح تلك النصوص معناها القانوني الحاسم.


