نساء جليلة التلمسي: حين تصير العين ذاكرةً، ويغدو الوجه مرآةً للذات

0
71
عمل فني لجليلة التلمسي
عمل فني لجليلة التلمسي

من خشبة التمثيل إلى صمت اللوحة:

هناك فنانون يرسمون لأنهم يريدون أن يقولوا شيئا، وهناك فنانون يرسمون لأن الكلام، في لحظة معينة، يصبح أقل قدرة على حمل ما يريدون قوله. وبين الحالتين هناك مسافة شاسعة لا تقطعها التقنية وحدها، وإنما الحاجة الداخلية إلى العثور على لغة أخرى، لغة لا تستعير مفرداتها من الجملة، بل من اللون والخط والكتلة والفراغ والإيقاع. ولعل التجربة التشكيلية لجليلة التلمسي تنتمي إلى هذا النوع الثاني من التجارب؛ فهي لا تبدو وكأنها انتقلت من التمثيل إلى الرسم انتقالا مهنيا من مجال إلى مجال، وإنما كأنها حملت معها إلى اللوحة شيئا عميقا من خبرة الجسد في المسرح والسينما، ومن خبرة الوجه وهو يتغير أمام الكاميرا، ومن خبرة العين وهي تقول ما لا تقوله الشفاه، ومن خبرة الشخصية وهي تعيش في جسد الممثل ثم تتركه بعد انتهاء المشهد. ولذلك فإن الاقتراب من نسائها المرسومات لا يمكن أن يتم فقط من داخل مفردات التشكيل التقليدية، لأن هذه الوجوه تحمل، في تكوينها، أثرا من المشهد المسرحي، وأثرا من الذاكرة الشعبية، وأثرا من الحكاية، ثم أثرا من الصمت الذي يسبق الكلام أو يعقُبه.

في الأعمال التي بين أيدينا، لا تظهر المرأة باعتبارها موضوعا جماليا بالمعنى البسيط للكلمة، ولا باعتبارها نموذجا مثاليا للجسد الأنثوي، ولا حتى صورة فوتوغرافية قابلة للتشخيص الواقعي. إن جليلة التلمسي تفعل شيئا آخر أكثر تركيبا: تختزل المرأة لكي تكشفها من جديد، وتجرد الوجه من تفاصيله الواقعية لكي تمنحه قدرة أكبر على حمل المعنى. ولهذا فإن المرأة عندها لا تأتي إلى اللوحة كاملة ومكتملة ومغلقة على هويتها، بل تأتي في هيئة علامة، وفي هيئة حضور يتردد بين الشخصي والجماعي، بين الذاكرة والخيال، بين امرأة بعينها ونساء كثيرات، وربما بين امرأة عاشت بالفعل وامرأة لم توجد إلا في المخيلة؟

من هنا تبدو مسألة التكرار أيضا أسلوبا أو تقنية مركزية في هذه التجربة. فالوجوه تتكرر، والعيون تتكرر، وتسريحات الشعر تتكرر، والملابس تتكرر، والخطوط الأفقية والزخارف الهندسية تتكرر بدورها كذلك، لكن التكرار هنا ليس تكرارا آليا ولا فقرا في المخيلة. بل على عكس ذلك تماما؛ إن التكرار هو إحدى أهم الآليات التي تبني بها الفنانة عالمها البصري. فالمرأة الواحدة لا تبقى امرأة واحدة، وإنما تصبح صدى لامرأة أخرى، والوجه الواحد يستدعي وجوها أخرى، كما تفتح العين الواحدة في اللوحة ممرا إلى عيون لا تنتهي. كأن الفنانة لا ترسم شخصيات منفردة بقدر ما ترسم سلالة بصرية من النساء؛ نساء يتجاورن ويتشابهْن ويختلفن في الوقت نفسه، ويشكل مجموعهن ذاكرة أنثوية لا تبحث عن اسم محدد، بقدر ما تبحث عن معنى أعمق للوجود.

ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن الفنانة لا تجعل العين مجرد عضو في الوجه، وإنما تحولها إلى مركز نفسي وروحي للعمل. تصبح العين عند جليلة التلمسي ليست نافذة بالمعنى الرومانسي المعتاد فحسب؛ وإنما أحيانا بمثابة نافذة مغلقة، أو مرآة، أو قناع، أو حتى بمثابة سؤال ودلالة. إنها العين التي تنظر إلينا، لكنها لا تسلمنا أسرارها كاملة. حتى أن بعض نسائها ينظرن إلينا وكأنهن يعرفن شيئا لا نعرفه نحن. وفي هذا الانقلاب البسيط بين من ينظر ومن يُنظر إليه تنشأ قوة خفية في اللوحة: والمتلقي الذي يظن أنه جاء ليتأمل النساء يجد نفسه، في النهاية، موضوعاً لنظراتهن. وهنا بالضبط تبدأ شعرية هذه الأعمال وطاقتها التعبيرية والجمالية.

المرأة بوصفها ذاكرة لا بوصفها صورة:

إذا كان الرسم الواقعي التقليدي ينطلق غالبا من سؤال: “من هذه المرأة؟”، فإن جليلة التلمسي تبدو وكأنها تنطلق من سؤال مختلف: “ماذا تبَقّى من المرأة بعد أن يغيب اسمها؟”. ولذلك لا تعنيها التفاصيل التي تجعل الشخصية قابلة للتعرف على ملامحها بقدر ما يعنيها ذلك الجوهر الغامض الذي يجعل المرأة قابلة للتذكر. ثم إن الوجوه في لوحاتها لا تتطابق مع الوجوه الواقعية، لكنها لا تنفصل عنها تماما. هناك دائما أثر من الوجه الإنساني الحقيقي: عينان، أنف، فم، شعر، رقبة، كتفان. غير أن الفنانة تسحب هذه العناصر من نظامها الواقعي، ثم تعيد تركيبها وفق منطق بصري خاص. حيث يصبح الوجه أكثر صفاء بنوع من الدهشة المثيرة في النظرات، والعين تصبح أكثر اتساعا أو تحديدا، والأنف يأخذ شكلاً خطيا واضحا، والفم يصغر أو يختزل، في حين يتحول الشعر إلى كتلة سوداء ذات وظيفة بنائية ورمزية في الوقت نفسه. وبهذه الطريقة تنتقل المرأة من كونها “شخصاً” إلى كونها “علامة” بصرية دالة في اللوحة.

هذا الترميز العلاماتي في الترتيب التشكيلي، هو ما يمنح الأعمال قوة استمراريتها. فلو كانت الفنانة معنية برسم أشخاص محددين، لكان التشابه بين الوجوه أمرا قد يحد من إمكانات التجربة. أما حين يصبح الوجه نموذجا شعريا، فإن تكراره يتحول إلى ضرورة. فالمرأة ليست واحدة لأنها لا تحيل إلى فرد بعينه، وإنما إلى فكرة المرأة في الذاكرة؛ المرأة المغربية، المرأة الشعبية، المرأة التي تختزن في لباسها وملامحها وإيقاعات حضورها طبقات من الثقافة والهوية والتاريخ.

ومن اللافت للنظر في هذه التجربة الفنية أن الخلفيات في عدد من الأعمال لا تُترك محايدة. إذ تصبح مملوءة بالخطوط والزخارف الهندسية، بالشرائط الأفقية، بالمثلثات، وبالتجاوُرات اللونية التي تستدعي بوضوح روح النسيج والزخرفة التقليدية. وهنا لا تعود المرأة معلقة في فراغ، بل تصبح جزءا من نسيج أكبر. كأنها خرجت من النسيج، أو كأن النسيج خرج منها. وهذه العلاقة بين الجسد والخلفية مهمة جدا في التدوين التشكيلي لجليلة التلمسي ورؤيتها الفنية الخاصة، لأنها تلغي الحدود الصارمة بين الشخصية والمكان.

في إحدى اللوحات تظهر امرأة منفردة أمام خلفية حمراء تتخللها شرائط زخرفية سوداء وبيضاء. إذ ترتدي المرأة لباسا تتدلى عليه خطوط ملونة عمودية، بينما يلتقي الشعر الأسود مع الخلفية بطريقة تجعل الرأس يبدو وكأنه ينبت من نسيج اللوحة. لا نشعر هنا أن الشخصية تقف أمام الخلفية، بل إنها تنتمي إليها. إنها جزء من بنية المكان الثقافي، وليست جسدا وافدا عليه. ومن هنا يمكن قراءة نساء جليلة التلمسي باعتبارهن نساء “من الذاكرة”، لا نساء “من الواقع” المألوف كما نعرفه. إنهن مثل نساء خرجن للتو من صندوق قديم للملابس، أو من صورة عائلية بعيدة، أو من حكاية شعبية، أو من ذاكرة قرية، أو من أغنية نسائية، أو حتى من مشهد مسرحي لم يكتمل بعد. ولذلك فإن حضورهن يتجاوز حدود اللوحة المفردة ليصبح جزءا من عالم بصري متكامل في آخر المطاف.

عمل فني لجليلة التلمسي
عمل فني لجليلة التلمسي

العين التي لا تنام – مركزية النظر في أعمال جليلة التلمسي:

ربما لا شيء يبدو أكثر حضورا وإلحاحا في هذه الأعمال من العين؟ إنها تظهر بشكل متكرر، واضحة، محددة، محاطة بخطوط سوداء قوية، وغالبا ما تكون النظرة أفقية أو مائلة قليلا. وإذا كان الوجه في اللوحة التقليدية يستمد كثيرا من تعبيره من الفم والحاجبين ووضعية الرأس، فإن الفنانة تمنح العينين سلطة استثنائية. إنهما ليستا تفصيلا في الوجه؛ إنهما الوجه الحقيقي للمرأة الممكنة في الرؤية الفنية. وبذلك يمكن القول إن جليلة التلمسي ترسم المرأة من عينيها أكثر مما ترسمها من بقية ملامحها.

ولذلك فإن العينين غالبا ما تبدوان أكبر من بقية عناصر الوجه من حيث القوة الدلالية، حتى عندما لا تكونان أكبر من الناحية الفيزيائية. هناك تكثيف خطي حولهما، وهناك وضوح في البياض والسواد، وهناك تركيز يجعل المتلقي يتجه إليهما مباشرة. إن العينين تعملان كقطبين مغناطيسيين تستقطبان بقية عناصر اللوحة. واللافت أن نظرات هؤلاء النساء ليست دائما نظرات فرح أو حزن مباشر. إنها نظرات مركبة. إذ تبدو المرأة أحيانا كأنها تنظر إلى شيء خارج اللوحة، وأحيانا كأنها تنظر إلى المتلقي، وأحيانا كأنها تنظر إلى نفسها؟ وفي الحالات الثلاث تصبح العين أداة لإنتاج الغياب. وهذه نقطة ينبغي التوقف عندها. لما تحمله من رمزية ودلالة.

العين التي تنظر لا تعني بالضرورة أنها تَرى:

قد تكون العين هنا تبحث عن شيء مفقود، أو تحرس ذاكرة، أو تنتظر شخصا، أو تخفي سرا، أو تقاوم انكشافا داخليا. ولذلك فإن هدوء العيون في هذه الأعمال لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نوعا من الهدوء النفسي بالضرورة. لأن الهدوء يكون أحيانا أكثر توترا من الصراخ. والوجه الذي لا يصرخ قد يكون حاملاً لصرخة عميقة، لكن الفنانة لا تسمح لها بالخروج من حدود العين. وفي عدد من الوجوه، نجد الفم صغيرا، والشفاه محددة بلون أحمر واضح، لكن الفم لا يقوم بالدور التعبيري الذي نتوقعه. لا يشرح ولا يروي. بل يبقى كأنه علامة مختصرة. في المقابل، تتولى العينان حمل العبء الأكبر من التعبير. وهذا التحويل من الفم إلى العين يخلق نوعا من الصمت البصري. إن نساء جليلة التلمسي لا يتكلمن كثيرا. لكنهن ينظرن ويحدقن بعيون صامتة. ولعل هذا هو أحد أسرار جاذبيتهن. لا يمنحن المتلقي حكاية جاهزة، وإنما يضعنه أمام سؤال. وهذه خاصية أساسية في الفن الحقيقي: ألاّ يملأ الفراغ كله، بقدر ما يترك في العمل مساحة يستطيع المتلقي أن يسكنها بتجربته الخاصة.

تكرار العين – من الملمح إلى الرمز:

حين تتكرر العين في لوحة واحدة عشرات المرات، كما في العمل الذي يضم حشدا كبيرا من النساء، فإننا ننتقل من مستوى التشخيص إلى مستوى الرمز. والعين هنا لم تعد عين امرأة واحدة، بل أصبحت مفردة تشكيلية أو وحدة إيقاعية. ومثلما تتكرر النغمة في مقطوعة موسيقية، تتكرر العين كذلك في اللوحة الواحدة.  ومثلما لا تكون النغمة المكررة هي نفسها تماما رغم تشابهها، فإن عيون النساء تبدو متشابهة لكنها ليست متطابقة. هناك اختلافات دقيقة في اتجاه النظر، وفي شكل الحاجبين، وفي المسافة بين العينين، وفي حجم الحدقة، وفي تعبير الفم، وفي وضع الرأس. التكرار هنا يخلق نوعا من الوحدة، والاختلاف، يخلق بعض الحياة. وهذا ما يجعل اللوحة أشبه بجوقة نسائية صامتة.

كذلك لا نجد هنا امرأة واحدة هي التي تتكلم؛ يتكلمن جميعا من خلال الصمت. حيث تتراكم الوجوه في اللوحة الجماعية، كما تتراكم الذكريات. بعضها في المقدمة، وبعضها في الخلف، وبعضها يبدو وكأنه يوشك أن يخرج من حدود اللوحة، أما البعض الآخر فيختفي جزئيا خلف وجوه أخرى. لا يوجد مركز واحد نهائي للحكاية. تتحرك العين من وجه إلى آخر، ثم تعود إلى وجه سابق، لتنزلق إلى وجه جديد. وهكذا يتحول النظر نفسه إلى فعل سردي.

كذلك لا نقرأ اللوحة هنا من أعلى إلى أسفل أو من اليمين إلى اليسار فحسب؛ بل نتجول فيها. وهذا التجوال هو الذي يحول التكرار إلى حركة. النساء هنا ليست جموعا متشابهة، وإنما ذاكرة متكاثرة. وكل امرأة تستدعي أخرى، وكل عين تستدعي عينا ثانية، حتى يصبح من الصعب أن نعرف أين تبدأ الشخصية المفردة وأين تنتهي الجماعة. وهنا يمكن أن نفهم لماذا اختارت الفنانة المرأة بكثرة. إن المرأة في هذه اللوحات لا تمثل نفسها وحدها، وإنما تحمل أثقالا رمزية تتعلق بالجماعة والبيت والذاكرة والملبس والعلاقة بالموروث. امرأة فردية، لكنها في الوقت نفسه امرأة جماعية ومتعددة. إنها، بالأحرى، تعدد للذاكرة.

الوجه بين القناع والشخصية:

هناك علاقة خفية بين هذه الوجوه وفن التمثيل الذي تنتمي إليه جليلة التلمسي. بحيث لا نقصد أن اللوحات مشاهد من “مسرحية» بالمعنى المباشر، ولا أن الفنانة ترسم شخصيات من أدوارها السينمائية أو المسرحية. وإنما القصد أن هناك وعيا خاصا بالوجه بوصفه مساحة للتمثيل. لكون الممثل الحقيقي يعرف أن الوجه يمكن أن يقول أشياء كثيرة دون حركة كبيرة. يعرف أن النظرة قد تغير معنى المشهد، وأن الصمت قد يصبح أداءً، وأن حركة صغيرة في الفم أو الحاجب يمكن أن تعيد تشكيل الشخصية كلها.

في لوحات جليلة التلمسي يبدو أن هذه المعرفة بالجسد والوجه قد وجدت طريقها إلى الرسم، ولكن بعد أن تحررت من الزمن المسرحي. في المسرح، يتحرك الوجه في الزمن. أما في اللوحة، فالوجه ثابت. لكن جليلة التلمسي تجعل الثبات نفسه حاملاً للحركة. تقف المرأة لكنها لا تبدو جامدة. ينحني شعرها في لوالب، والخطوط تتحرك عموديا على ثوبها، فيما تتحرك الزخارف أفقيا، والعينان تتحركان عبر اتجاه النظر. وبذلك تتقاطع في اللوحة حركات متعددة: حركة الشعر، الثوب، الخط، العين، وحركة المتلقي أمام اللوحة. وهنا تتولد مفارقة جميلة: بالرغم من أن الجسد ثابت، لكن اللوحة متحركة. وهذه الحركة الصامتة هي من أهم عناصر شعرية أعمالها.

أما الوجه نفسه فيبقى قريبا من القناع. ليس لأنه يخفي شخصية مزيفة، وإنما لأنه يختزل الشخصية إلى جوهرها. القناع في المسرح لا يخفي الوجه دائماً؛ أحيانا يكشفه من خلال المبالغة. وذلك ما تقوم به الفنانة. فهي لا تسعى إلى محاكاة تفاصيل الوجه، بل إلى الوصول إلى ملامح تكفي كي يصبح الوجه قابلاً للقراءة. ولذلك تتكرر بعض السمات: الشعر الأسود، العينان المحددتان، الأنف الطويل نسبيا، الفم الصغير، الرقبة الممدودة، الجسد المستقيم. وهذه ليست عيوبا في التشخيص، وإنما مفردات تشكيلية وأسلوبية. إن الفنانة لا ترسم وجوها، بقدر ما تبني قاموسا دلاليا جديدا للوجه.

عمل فني لجليلة التلمسي
عمل فني لجليلة التلمسي

الشَّعر الأسود بوصفه امتداداً للعين:

من أكثر العناصر اللافتة في نساء جليلة التلمسي ذلك الحضور الطاغي للشَّعر الأسود. فالشعر ليس مجرد غطاء للرأس، ولا مجرد تفصيل جمالي. بل هو عنصر بنائي يكاد يكون موازيا للوجه نفسه. وفي كثير من اللوحات، ينزل الشعر حول الوجه كإطار أسود كثيف، فيجعل العينين والوجه أكثر بروزاً. لكنه في الوقت نفسه يتحول إلى خطوط ولولبيات ومنحنيات. تلتف بعض الخصلات حول العنق، وبعضها ينتهي في دوائر صغيرة، وبعضها يمتد إلى أسفل الجسد. وكأن الشَّعر يرفض أن يبقى محصورا في الرأس. وهنا يتحول الشَّعر إلى خط تشكيلي مستقل. يرسم الحركة حيث لا توجد حركة.

أما اللولب الذي يتكرر في الشعر، فيستحق منا قراءة خاصة. اللولب ليس مجرد زخرفة. إنه شكل يقوم على الدوران والعودة إلى الذات. ولذلك يمكن أن يحمل دلالة نفسية عميقة: تدور المرأة حول ذاتها، والذاكرة تعود إلى بدايتها، والحكاية لا تنتهي، والزمن الذي يكرر نفسه. إذ يصبح الشعر في بعض اللوحات قريبا من الخط العربي في ليونته وانحنائه. هناك شيء من الكتابة التي لم تتحول إلى كلمات. وربما لهذا يبدو الشَّعر أحياناً وكأنه نص صامت يحيط بالوجه. وإذا كانت العين تقول “أنا أراك”، فإن الشعر يقول “أنا أحكي”. لكن حكايته ليست حكاية لفظية؛ إنها حكاية خطية، زخرفية وإيقاعية بشكل أساس.

الوجوه الطويلة والرقاب الممتدة – اختزال الجسد وتحريره من ثقله:

من الخصائص البارزة في هذه الأعمال، ميل الفنانة إلى تطويل الرقبة وإعلاء الرأس، مع اختزال الجسد في مساحة محدودة. وهذا الاختيار يمنح المرأة هيئة تكاد تخرج من قوانين الجسد الواقعي. تقوم الرقبة الطويلة بفصل الرأس عن الجسد، لكنها لا تفصل الشخصية عن نفسها؛ بل تمنح الرأس استقلالاً تعبيريا. يصبح الرأس مركزا للوجود، ويصبح الوجه تلك المساحة التي يحدث فيها كل شيء. في اللوحة الواقعية، يقوم الجسد بحمل الشخصية. أما هنا، فالوجه هو الذي يحمل الجسد. وهذا الاختزال يجعلنا أمام نوع من الجسد الرمزي. إنه جسد لا يعرض نفسه، ولا يستعرض تفاصيله، ولا يسعى إلى أي نوع من الإغراء البصري.

الجسد عند جليلة التلمسي ليس موضوعا للرغبة أو الاشتهاء، بقدر ما هو حامل للهوية. ولهذا تأتي الملابس لتقوم بالدور الذي يتخلى عنه الجسد. حيث يصبح الثوب امتدادا للشخصية، والخطوط العمودية على الملابس تمنح الجسد إيقاعه، والزخارف البيضاء حول الصدر والرقبة تشبه حليا أو وشوما أو علامات انتماء ثقافية. تستبدل الفنانة وفرة الجسد بوفرة العلامة. وهذه نقطة مهمة في فهم خصوصية نسائها. فالمرأة هنا لا تحتاج إلى جسد متضخم التفاصيل لكي تكون حاضرة. إنها حاضرة بالخط، باللون، بالعين، بالشَّعر، بالثوب، وبالمكان: حيث يصبح اللون كذاكرة لا كزينة.

ومن أكثر الأمور التي تستحق الانتباه أن اللون في هذه الأعمال لا يعمل وفق وظيفة زخرفية فقط. صحيح أن اللوحات جميلة ومبهجة بصريا، لكن جمال اللون ليس الغاية الوحيدة. في هذه الأعمال، فالأحمر مثلاً يخلق إحساسا بالدفء والحضور. والأخضر يفتح نافذة على الطبيعة أو الذاكرة الأرضية. والأصفر يضيف ضوءاً داخليا. والبني يربط التكوين بالأرض والمواد الطبيعية. فيما يمنح الأسود للبناء صلابته. لكن الأهم هو أن هذه الألوان تأتي في علاقة تبادلية مع بعضها، فتخلق مناخا لا يمكن اختزاله في لون منفرد. إنها ألوان تشبه الذاكرة المغربية في تعددها: ألوان النسيج، والخشب، والجلد، والطين، والنحاس، والملابس التقليدية، والجدران، والأسواق، والأبواب، والأقمشة. ومع ذلك لا ينبغي أن نضع هذه الأعمال في خانة “الفن التراثي” فقط. لأن الفنانة لا تنقل التراث، بل تعيد تخييله برؤيتها الخاصة. وهذه نقطة أساسية تعمل الفنانة على تشغيلها في التكوين البصري للوحات.

اللباس – حين يتحول الثوب إلى ذاكرة ثقافية:

لا يمكن قراءة هذه الأعمال بعيدا عن الملابس التي ترتديها النساء. فاللباس عند جليلة التلمسي ليس كسوة فحسب، وإنما لغة بصرية. تتكرر الخطوط العمودية الملونة، وتظهر الزخارف البيضاء حول الصدر والرقبة، حيث يتجاور الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق والأسود. إذ تستعيد هذه الملابس شيئا من روح النسيج المغربي، ومن جماليات الزخرفة التقليدية، لكنها لا تنقلها نقلاً كما تفعل الفوتوغرافيا. بحيث لا تقول الفنانة: “هذا هو اللباس التقليدي”، وإنما تقول بصرياً: “هذه هي ذاكرة اللباس”. وثمة فرق كبير في هذه الرؤية الفنية الدالة والواعية. إنها تستعيد الروح أكثر مما تستعيد الشكل.

أما الخطوط العمودية التي تنزل على الملابس فتؤدي وظيفة مزدوجة. فهي من جهة، تمنح الجسد امتدادا رأسيا، ومن جهة أخرى تجعل الثوب نفسه شبيها بالنسيج. أما الزخارف البيضاء حول الصدر فتبدو في بعض اللوحات مثل حروف مجهولة، أو مثل خرائط زخرفية، أو حتى مثل شلالات صغيرة من الضوء. واللون الأبيض هنا يؤدي دورا مهما. لكونه لا يملأ المساحات، بل يحددها. وكأنه يكتب فوق اللون. ولهذا يمكن النظر إلى تلك الزخارف باعتبارها كتابة بلا أبجدية. وكل ذلك يذكرنا بأن الثقافة الشعبية كثيرا ما تحفظ نفسها من خلال الزخرفة قبل أن تحفظ نفسها من خلال الكتابة. فالمرأة تحمل على ثوبها ما يشبه الذاكرة المشفرة للجماعة.

الخلفية كنسيج تأتي منه النساء:

من الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها المتلقي أن ينظر إلى الخطوط والزخارف الخلفية بوصفها عناصر تزيينية ثانوية لا غير. إذ تقوم الخلفية في أعمال جليلة التلمسي بدور جوهري في صناعة المعنى. فالشرائط الأفقية، والأشكال الهندسية، والمثلثات، والتكرارات السوداء والبيضاء، والألوان الترابية والحمراء، كلها تصنع فضاءً له شخصية خاصة. والمرأة لا تظهر أمام خلفية محايدة، بل تظهر داخل فضاء ثقافي. وهنا يحدث شيء بالغ الأهمية: يتحول المكان في اللوحة إلى ذاكرة. والمرأة ليست فقط ابنة هذا المكان، وإنما المكان يسكنها كذلك.

ولهذا نرى في بعض هذه الأعمال أن الخلفية تكاد تلتصق بالثوب. لا توجد مسافة كبيرة بينهما. والنسيج الموجود خلف المرأة يعاود الظهور في ملابسها، فيما تجد الخطوط الموجودة في الثوب صداها في الخلفية. وبذلك تتوحد المرأة والمكان في نسيج بصري واحد. كأن الفنانة تقول إن الهوية لا تسكن في الوجه وحده، ولا في الاسم، ولا في الجسد، وإنما تسكن أيضا في الأشياء التي تحيط بنا: في الألوان، في الزخارف، في الملابس، في الخطوط وفي طقوس الجمال. الخلفية هنا ليست مجرد خلفية زخرفية أو تزيينية فقط. بل هي الأرض البصرية الخصبة للمرأة على مساحة اللوحة.

عمل فني لجليلة التلمسي
عمل فني لجليلة التلمسي

الأحمر – اللون الذي يختزن الحياة والذاكرة والجرح:

يكاد الأحمر يكون أحد الألوان المؤسسة لعالم جليلة التلمسي. إذ يظهر يظهر في الخلفيات، في الملابس، في الشفاه، وفي مساحات واسعة من التكوين. لكن الأحمر في هذه الأعمال ليس لونا واحدا. إنه مجموعة من الألوان في مقام الأحمر: الأحمر القاني، الأحمر الترابي، الأحمر الداكن، الأحمر القريب من البرتقالي، والأحمر الذي يميل إلى البني. وهذا التنوع يجعل الأحمر يتجاوز وظيفته الزخرفية إلى وظيفته الدلالية والرمزية. إنه لون الحياة، لكنه أيضا لون الذاكرة. لون الأرض حين تستعيد حرارتها، ولون النسيج حين يحمل أثر اليد، ولون الدم بوصفه رمزاً للحياة والانتماء، وهو كذلك لون الجمر الذي يظل محتفظا بحرارته حتى بعد أن يبدو خامداً.

أما اللافت في هذه الأعمال أن الأحمر كثيرا ما يتجاور مع الأسود والأبيض. وهذه الثلاثية تمنح الأعمال قوة إيقاعية واضحة. فالأسود يحدد ويقطع، بينما الأبيض يضيء ويكشف، والأحمر يملأ ويمنح الحرارة. وإذا أضيفت الألوان الصفراء والخضراء والزرقاء، فإن اللوحة تتحول إلى مجال لتوازنات لونية دقيقة. لكن اللون لا يعمل هنا منفرداً. بل يشتغل داخل الذاكرة. فالأحمر في خلفية إحدى اللوحات يجعل المرأة تبدو وكأنها خرجت للتو من فضاء احتفالي أو طقوسي. وفي لوحة أخرى، يمنح الثوب الأحمر حضوراً أكثر قوة، بينما تبدو العينان محاصرتين بالأسود، كأن الشخصية تقف بين حرارة العالم وبرودة النظر.

الأسود – ليس لوناً للظل وإنما لونا للرسم:

يؤدي الأسود في هذه الأعمال وظيفة استثنائية. إنه اللون الذي يرسم الحدود، ويحدد العينين، ويصنع الشعر، ويقسم الخلفيات، ويعطي الأشكال الهندسية وضوحها. فهو ليس لوناً ثانوياً. بقدر ما  يمكن اعتباره بمثابة الهيكل العظمي للوحة. فمن خلال الأسود تتحدد ملامح المرأة، وبه تتحول الخطوط إلى إيقاع، وبه تصبح العين أكثر حضوراً. ولعل أهم وظائفه أنه يمنح اللوحة قوة الخط. فالخط الأسود عند جليلة التلمسي لا يخفي اللون؛ بل يمنحه شكله ومداه.

وهذا يذكرنا بجماليات الزخرفة التقليدية، حيث لا تكون القيمة في اللون وحده، وإنما في طريقة احتجازه داخل حدود واضحة. حيث هناك نوع من الانضباط في استعمال الخط، لكن هذا الانضباط لا يؤدي إلى جمود، لأن الشعر والملامح والزخارف تستعيد ليونة خاصة. والأسود، خصوصا في الشعر، يمنح المرأة حضورا قويا. يجعل الشعر كتلة، لكنه يحوله أيضا إلى خط متحرك. وهذا الجمع بين الكتلة والخط من أجمل المفارقات الجمالية والتعبيرية في هذه التجربة.

الأبيض – كتابةٌ للضوء:

إذا كان الأسود هو الهيكل، فإن الأبيض هو الضوء. حيث تظهر الخطوط البيضاء في الملابس، وفي الزخارف، وفي بعض الخلفيات، وفي تفاصيل العينين. لكنها لا تأتي دائماً بوصفها مساحات مستقلة؛ بل تأتي غالباً كخطوط دقيقة تحتاج إلى صبر في تنفيذها. وهذا الجانب التقني مهم جدا في كل تدوين تشكيلي. فالزخارف البيضاء في منطقة الصدر ليست مجرد بقع لونية، وإنما تتشكل من خطوط دقيقة متجاورة ومتداخلة، حيث يأخذ بعضها شكل حلقات أو تموجات أو أشكال تشبه الحلي. بما يجعلها تكشف عن رغبة في تحويل الخط إلى مادة زخرفية. وبهذا المعنى، فإن الأبيض يقوم بوظيفة “الكتابة”. يكتب فوق الثوب، يضيء الجسد. ويمنح المرأة شيئا من الاحتفال. وفي مقابل الأسود الذي يقوم بوظيفة التحديد، يأتي الأبيض لكي يعطي مساحة لونية فاتحة. وهذا التوتر بين الأسود والأبيض هو أحد العناصر التي تمنح أعمال الفنانة صفاءها البصري، حتى حين تكون الألوان الأخرى غامقة وكثيفة.

لماذا لا تبتسم النساء كثيراً في أعمال جليلة التلمسي؟

من اللافت كذلك في هذه الأعمال أن الشفاه غالبا ما تكون صغيرة ومحددة، وأحيانا تحمل لونا أحمر واضحا، لكنها نادرا ما تتحول إلى ابتسامة كاملة. هذه الملاحظة ليست تفصيلاً بسيطا، لأنها تكشف عن طبيعة العلاقة بين الوجه والانفعال. لا ترسم الفنانة الانفعال في ذروته. بل ترسم اللحظة التي تسبق الانفعال أو تعقُبه. ولهذا تبدو النساء وكأنهن يحملن مشاعر لا نصل إليها كاملة. الفم مغلق أو شبه مغلق، والعينان مفتوحتان، والوجه ساكن. إنه اقتصاد التعبير. وهذا الاقتصاد يمنح اللوحات عمقاً أكبر من التعبير المباشر. لو كانت المرأة تضحك بوضوح، لأصبح معنى اللوحة محددا. ولو كانت تبكي، لكان الأمر أكثر تحديدا لحالة شعورية، أما حين تبقى في تلك المنطقة الوسطى، فإنها تترك لنا مجالاً للتأويل. هي ليست سعيدة تماما، وليست حزينة تماماً. بل معلقة في منطقة الشعور. وهذه المنطقة هي التي تجعلها أكثر إنسانية.

عمل فني لجليلة التلمسي
عمل فني لجليلة التلمسي

الجمال عند جليلة التلمسي – جمال خارج معيار التشخيص:

لا تبحث الفنانة عن الجمال التشخيصي التقليدي. وجمال نسائها لا يأتي من التناسب الأكاديمي للملامح، وإنما من وحدة الأسلوب. يصبح الوجه جميلاً لأنه منسجم مع عالمه، والعين تصبح جميلة لأنها تنتمي إلى ذلك القاموس البصري، والشَّعر يصبح جميلاً لأنه يتحول إلى خط، واللباس يصبح جميلاً لأنه يحمل اللون والزخرفة، وتصبح الخلفية جميلة لأنها تستكمل إيقاع الجسد. وهكذا ينتقل الجمال من “جمال الشيء” إلى جمال العلاقة بين الأشياء.

وهذه نقطة جوهرية في الفن التشكيلي. فاللوحة لا تكون جميلة لأن كل عنصر فيها جميل ومنفرد، وإنما لأن العناصر تدخل في علاقة تنتج جمالاً جديدا. وهذا ما نراه بوضوح في أعمال جليلة التلمسي: حيث لا يمكن فصل العين عن الشعر، والشعر عن الوجه، والوجه عن الثوب، والثوب عن الخلفية، والخلفية عن الزخرفة، والزخرفة عن اللون. إنها منظومة متداخلة ومتكاملة. ولهذا فإن قراءة أي عنصر بشكل منفرد أو منفصل عن الآخر تظل ناقصة.

من الصورة إلى الأيقونة:

ثمة لحظة تتحول فيها المرأة في أعمال الفنانة من شخصية مرسومة إلى ما يشبه الأيقونة. ولا نقصد هنا الأيقونة الدينية بالمعنى الحصري، وإنما الأيقونة بوصفها صورة اختزلت عناصرها حتى أصبحت قابلة للحفظ والاستدعاء. فالمرأة ذات الشعر الأسود، والعينين المحددتين، والرقبة الطويلة، والثوب المزخرف، والخلفية الهندسية، يمكن أن تصبح بعد تكرارها علامة مميزة لعالم الفنانة. وهنا تبدأ الهوية الأسلوبية في التشكل. بحيث لا تحتاج الفنانة في كل لوحة إلى اختراع امرأة جديدة بالكامل؛ يكفي أن تعيد بناءها داخل تنويعات جديدة. وهذا هو شأن كثير من التجارب الفنية الكبرى: حيث لا يكر الفنان نفسه، بل يعمق قاموسه. التشكيلي، إن تكرار المرأة هنا يشبه تكرار الحرف عند الشاعر. لأن الشاعر قد يكتب عن الليل عشرات المرات، لكنه لا يكتب الليل نفسه كل مرة. والفنانة قد ترسم العين عشرات المرات، لكنها لا ترسم النظرة نفسها في كل عمل فني.

من خشبة المسرح إلى سطح اللوحة – الجسد الذي تعلم الصمت:

ربما يكون من المنطقي أو الموضوعي هنا، لكون جليلة التلمسي ممثلة مسرحية وسينمائية، أن نتساءل عن أثر التمثيل في تجربتها التشكيلية، دون أن نحول هذا الأثر إلى تفسير وحيد أو مباشر. وما دام المسرح يعلم الجسد كيف يكون لغة. والسينما تعلم الوجه كيف يكون شاشة. والرسم يمنح الفنان فرصة لأن يوقف هذه اللغة في لحظة واحدة. وهذا ما يبدو مثيرا في أعمالها. فإن كل امرأة في اللوحة تشبه ممثلة توقفت فجأة في منتصف أحد المشاهد المسرحية أو السينمائية. لكن المشهد لم ينته. بل ينتقل إلى عين المتلقي في آخر المطاف.

ففي المسرح هناك متفرج يجلس أمام الممثل، وفي اللوحة هناك متلقٍ يقف أمام الشخصية. وفي الحالتين توجد علاقة نظر. غير أن العلاقة في اللوحة أكثر تعقيدا، لأن الشخصية لا تستطيع أن تغير تعبيرها، ومع ذلك توهمنا بأنها قادرة على ذلك. إنها مسرحة السكون. ولعل هذا التعبير يختصر جانبا مهما من التجربة: المرأة عند جليلة التلمسي لا تتحرك كثيرا، لكن حضورها مشحون بإمكان الحركة.

بين الفردي والجماعي – سؤال الهوية:

في اللوحات المنفردة في هذه التجربة الفنية لجليلة التلمسي، نشعر أن المرأة تملك مساحتها الخاصة. وفي اللوحات الجماعية، نشعر أن هذه المساحة تضيق لصالح الجماعة. لكن هذا الانتقال لا يلغي الفرد؛ بل يكشف أن الفرد لا يعيش خارج الذاكرة الجماعية. فالمرأة الواحدة هي امرأة كثيرة ومتعددة. والمرأة الكثيرة هي امرأة واحدة. وهذه المفارقة تمنح الأعمال قوة فلسفية مذهلة. بحيث تصبح الهوية هنا ليست شيئا ثابتا، وإنما تتشكل من التكرار والاختلاف. نحن نعرف الشخص لأن له ملامح خاصة، لكننا نعرف الجماعة لأن أفرادها يشتركون في بعض السمات. تلعب الفنانة في هذه المنطقة بالضبط. إذ تمنح نساءها قدرا من التشابه يسمح لهن بأن يصبحن جماعة، وقدرا من الاختلاف يسمح لكل واحدة منهن بأن تحتفظ بسرها الخاص.

اللون والتراث – من النقل إلى التحويل أو التأويل:

يمكن لأي فنان يستلهم التراث أو الثقافة الشعبية أن يسقط بسهولة في فخ التزيين الفولكلوري. لكن ما يميز أعمال جليلة التلمسي أن العناصر المستمدة من الذاكرة الثقافية تدخل في بناء اللغة الشخصية. فالزخرفة ليست منفصلة عن الوجه. والثوب ليس منفصلاً عن الخلفية. واللون التراثي لا يُستخدم كما هو، وإنما يخضع لتوازنات الفنانة. وهذا ما يجعل الاستلهام هنا أقرب إلى التحويل والتأويل وإعادة الترميز منه إلى الاقتباس. لا تعمل جليلة على نقل التراث إلى اللوحة؛ بل تجعل التراث يعيد تشكيل اللوحة. وهذا فرق بين الفنان الذي يستعمل التراث كمادة أو كموضوع للرسم، والفنان الذي يدخل في حوار مع هذا التراث ويعيد تشكيله بعين مغايرة.

نساء جليلة التلمسي لا يطلبن الشفقة:

من المهم أيضاً الإشارة إلى أن نساء جليلة التلمسي في هذه الأعمال، رغم ما يمكن أن يوحي به صمتهن، لا يظهرن كضحايا ولا يتوسلن الشفقة من أحد. هناك شيء من الصرامة في النظرات. شيء من الاعتداد بالنفس وبالذات. شيء من الثبات. حتى حين يبدو الوجه حزينا أو غارقا في التأمل، فإن الشخصية لا تنكسر. تظل واقفة. وهذا الوقوف له دلالة. فالمرأة هنا ليست موضوعا للنظر فقط، وإنما ذات تحدق وتنظر إلينا بتحد وبصرامة. وهذه النقلة من “موضوع الرؤية” إلى “ذات الرؤية” هي من أهم التحولات الدلالية في التجربة. نحن لا ننظر إلى النساء فحسب. النساء هن من ينظرن إلينا. وبذلك تستعيد المرأة قوة النظر.

عمل فني لجليلة التلمسي
عمل فني لجليلة التلمسي

جليلة التلمسي ترسم النساء كما لو أنها تستعيد أصواتاً صامتة:

ربما يكون هذا هو المدخل الأكثر شاعرية إلى هذه التجربة: أن الفنانة لا ترسم النساء بقدر ما تستعيد أصواتهن من الصمت. فهي لا تمنحهن خُطباً. لا تضع في أفواههن كلاماً. لا تروي سيرهن. بل تفعل شيئاً أكثر رهافة: تمنحهن وجوهاً وعيوناً. والعين، في الفن، يمكن أن تكون أبلغ من الكلام. وكل امرأة تبدو وكأنها تعرف شيئاً. لكنها لا تقوله. كل وجه يحمل قصة. لكن القصة لا تُكتب. كل عين تفتح باباً. لكن الباب لا يُفتح بالكامل. وهذه المسافة بين الكشف والحجب هي التي تمنح اللوحات جمالها التأملي.

نساء جليلة ينظرن من داخل اللون:

في نهاية المطاف، لا تبدو تجربة جليلة التلمسي التشكيلية مجرد تجربة فنانة ممثلة وجدت في الرسم مساحة أخرى للتعبير، بل تبدو تجربة تتشكل فيها ذاكرة الجسد والوجه والنظر والملابس واللون داخل بناء بصري له منطقه الخاص. إن حضور المرأة في هذه الأعمال ليس حضوراً موضوعياً عابراً؛ بل هو حضور يتحول تدريجياً إلى مركز للعالم التشكيلي كله. ومن خلال المرأة تعيد الفنانة ترتيب العلاقة بين الوجه والذاكرة، بين العين والهوية، بين الجسد والنسيج، بين اللون والموروث، وبين الفرد والجماعة. ولعل العين هي المفتاح الأعمق لقراءة هذا العالم. فالعين المتكررة ليست مجرد سمة أسلوبية، وإنما هي علامة إصرار على النظر، وعلى الرغبة في تحويل المرأة من موضوع للنظر إلى ذات تَنظُر. إنها العين التي لا تكتفي بأن تكون نافذة إلى الداخل، وإنما تصبح مرآة تعكس المتلقي نفسه. وكلما ظننا أننا ننظر إلى المرأة، اكتشفنا أن المرأة هي التي تنظر إلينا، وأن العلاقة بين اللوحة والمتلقي لم تعد علاقة أحادية الاتجاه.

أما الوجه، فيخرج من حدود التشخيص ليصبح فضاءً للذاكرة. وجه مختزل، لكنه ليس فقيراً. قليل التفاصيل، لكنه غني بالإيحاء. ساكن، لكنه مشحون بالحركة. صامت، لكنه يترك في النفس إحساساً بأن وراءه كلاماً كثيراً لم يُقل. وهذا الصمت بالذات هو الذي يمنح هذه الوجوه قوتها. وحين تتكاثر النساء في اللوحة الواحدة، لا يضيع الفرد في الجماعة، وإنما تتسع دلالته. إذ تصبح المرأة الواحدة امرأة كثيرة، والنساء الكثيرات يعدن في النهاية إلى وجه واحد: وجه الذاكرة الأنثوية وهي تحاول أن تستعيد حضورها من خلال اللون. وبذلك يكون التكرار هنا ليس فقراً في الاختلاف، بل طريقة لإنتاج الاختلاف. إنه أشبه بإيقاع موسيقي يتكرر، لكنه في كل مرة يفتح احتمالاً جديدا للمعنى.

أما الشعر الأسود، فيتحول من عنصر جمالي إلى خط حي، والخطوط البيضاء على الثياب تتحول إلى كتابة زخرفية، والخطوط العمودية والأفقية تنشئ موسيقى صامتة، فيما تتكفل الألوان – خصوصاً الأحمر والأسود والأبيض والأصفر والأخضر – ببناء حرارة العالم الداخلي لهذه النساء. والنتيجة أن اللوحة لا تعود مجرد سطح ملون، وإنما تصبح نسيجاً تتداخل فيه المرأة والثوب والمكان والذاكرة. وبذلك لا ترسم جليلة التلمسي المرأة لكي تقول لنا كيف تبدو هذه المرأة، وإنما ترسمها لكي تسأل: ماذا يعني أن تحمل المرأة ذاكرة كاملة داخل وجه واحد؟

ربما تكون نساء جليلة صورا لكل النساء اللواتي عبرن الحياة دون أن تلتقطهن الكاميرا، ودون أن تحفظ أسماءهن الكتب؟ هن نساء لا نعرف أسماءهن، لكننا نشعر أننا نعرفهن. وهذا هو سر الفن. أن يجعل الغريب مألوفا، والمألوف غريبا، وأن يمنحنا الإحساس بأننا رأينا هذه الوجوه من قبل، لا لأننا التقينا أصحابها في الواقع، وإنما لأن شيئا منها كان يسكن في مكان ما من ذاكرتنا. ولذلك، حين نغادر لوحات جليلة التلمسي، لا تنتهي النظرة عند حدود القماش. بل تبقى العين معنا. يبقى الشعر الأسود يتلوى في الذاكرة. يبقى الأحمر محتفظاً بحرارته. تبقى الخطوط الأفقية كأنها موسيقى بعيدة. وتبقى المرأة، في النهاية، واقفة في مكانها، لا تقول شيئاً. لكنها تمعن في النظر.

وربما يكون هذا النظر هو كل ما تحتاجه اللوحة لكي تظل حية. ففي عالم جليلة التلمسي، العين لا ترى فقط؛ بل تتذكر. والوجه لا يمثل فقط؛ بل يخفي ويحفظ. واللون لا يزين فقط؛ وإنما يستعيد زمنا كاملاً. والمرأة لا تقف داخل اللوحة؛ بل تحمل اللوحة كلها في عينيها. ومن هنا يمكن القول إن التجربة التشكيلية لجليلة التلمسي تجد قوتها الأساسية في هذه القدرة على تحويل البسيط إلى عميق: عينان، وجه، شعر، ثوب، خطوط، زخارف وألوان؛ لكنها، حين تدخل في نظامها الخاص، تتحول إلى خطاب عن الذاكرة والهوية والأنوثة والصمت والنظر.

هاته الكتابة التشكيلية لا تستخدم الكلمات، لكنها تمتلك شعريتها الخاصة، وتستمد هذه الشعرية من الاقتصاد، ومن التكرار، ومن الاختزال، ومن ترك مسافة بين الصورة ومعناها. لا ترسم جليلة المرأة كما هي. بل ترسم أثر المرأة في الذاكرة. وهذا الأثر، مثل كل أثر حقيقي، لا يكتفي بأن يبقى في الماضي؛ بل يعود إلينا كل مرة نلتقي فيها بتلك العيون. نظرتان فقط. لكن وراءهما يتخفى عالم كامل من الرمزية والدلالات والرسائل التعبيرية والجمالية.

وفي النهاية، لا يبقى أمامنا سوى تلك النظرات الواسعة التي تخرج من صمت اللوحة، وتقول لنا، دون كلمة واحدة، إن الفن لا يحتاج دائما إلى أن يشرح ما يرى؛ يكفي أحيانا أن يمنحنا فرصة لكي نرى ما كان مختبئا في داخلنا. وهنا، تحديدا، يتحول اللون إلى شعر، ويتحول الجسد إلى ذاكرة، وتتحول اللوحة إلى خشبة صامتة تقف عليها نساء جليلة التلمسي، لا لكي يمثلن أدوارا مسرحية أو سينمائية جديدة، وإنما لكي يستعدن، من داخل اللون، حقهن في الانتباه والنظر.

الفنانة جليلة التلمسي
الفنانة جليلة التلمسي