جدل إسباني حول مونديال 2030… هل تُستعمل سبتة لإعادة فتح ملف حُسم مؤسساتياً؟

0
56

معركة مونديال 2030 في إسبانيا تتجاوز كرة القدم… لكنها، حتى الآن، لا تهز جوهر الشراكة مع المغرب والبرتغال

لم يكن من الصعب توقع أن يجد مونديال 2030 طريقه إلى السياسة الإسبانية. فكلما اقتربت تظاهرة بهذا الحجم من موعدها، تحولت تفاصيلها التنظيمية إلى مادة للصراع السياسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بثلاث دول لا يجمعها ملعب واحد فقط، وإنما تاريخ طويل من المصالح والتوترات والحسابات المتبادلة. الجديد هذه المرة أن الجدل انفجر مباشرة بعد أزمة سبتة، بما جعل بعض القوى السياسية الإسبانية تنتقل من انتقاد تدبير الهجرة إلى التشكيك في الشراكة الرياضية نفسها.

لكن وضع الأمور في سياقها يكشف أن ما يجري لا يشبه، حتى الآن، أزمة فعلية في تنظيم مونديال 2030، بقدر ما يشبه محاولة سياسية لإعادة فتح ملف سبق أن حُسم على المستوى المؤسساتي.

فـ«فيفا» تعتمد إسبانيا والمغرب والبرتغال مضيفين رئيسيين للبطولة، بعد أن صادق مؤتمرها في ديسمبر 2024 على الملف الثلاثي، بينما ستحتضن الأوروغواي والأرجنتين والباراغواي ثلاث مباريات مرتبطة بمئوية كأس العالم. أي أن المغرب لم يدخل المشروع في مرحلة لاحقة بوصفه ضيفاً على ملف إسباني-برتغالي، وإنما أصبح جزءاً من الصيغة الرسمية المعتمدة للمسابقة.

وهذه الحقيقة هي أول ما يضيع وسط الضجيج السياسي الحالي.

في الأيام الأخيرة، انتقل النقاش من أزمة الهجرة في سبتة إلى سؤال مختلف تماماً: هل يمكن إعادة النظر في مشاركة المغرب في تنظيم كأس العالم؟ حزب «سومار»، الشريك الأصغر في الحكومة الإسبانية، تقدم بمبادرة برلمانية غير ملزمة طالب فيها بمراجعة تنظيم البطولة مع المغرب والبرتغال، مستنداً إلى ما اعتبره أزمة ثقة مرتبطة بأحداث سبتة. وفي الاتجاه الآخر، تحرك «فوكس» أيضاً مطالباً بمراجعة مشاركة المغرب، مستخدماً الأزمة نفسها لإسناد موقفه السياسي.

المفارقة هنا ليست صغيرة.

فـ«سومار» و«فوكس» ينطلقان من موقعين سياسيين متباعدين جداً، بل متعارضين في ملفات كثيرة، لكنهما التقيا عند نقطة واحدة: تحويل العلاقة مع المغرب إلى موضوع ضغط على الحكومة من بوابة مونديال 2030. هذا التقاطع لا يعني بالضرورة أن دوافع الحزبين واحدة، ولا يسمح بالقول إنهما يتحركان ضمن خطة مشتركة. لكنه يكشف أن المونديال أصبح، في اللحظة الراهنة، منصة سياسية جاهزة لإعادة طرح أسئلة أوسع بكثير من كرة القدم.

وهنا تحديداً ينبغي التمييز بين مستويين.

المستوى الأول يتعلق بأزمة سبتة نفسها، وهي أزمة ذات أبعاد إنسانية وأمنية وسياسية لا يمكن اختزالها في مباراة أو بطولة. وقد وثقت وكالة «أسوشيتد برس» عبور عشرات الآلاف إلى سبتة، فيما تحدثت السلطات الإسبانية عن عودة معظمهم وبقاء نحو ألفي شخص، بينهم قاصرون، داخل المدينة. كما أشارت إلى أن منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تأجيج موجة العبور.

أما المستوى الثاني، فهو السؤال عما إذا كانت تلك الأزمة يمكن أن تتحول تلقائياً إلى سبب لإعادة هندسة ملف مونديال 2030.

هنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً.

الحكومة الإسبانية لم تتعامل مع المطالب السياسية كما لو أنها أصبحت قراراً وطنياً جديداً. وزير الانتقال الرقمي والوظيفة العمومية أوسكار لوبيز أكد أن الحكومة ماضية في العمل مع المغرب والبرتغال، وأن الأولوية الحالية هي إنجاح البطولة. هذه ليست مجرد عبارة بروتوكولية، لأن مدريد تدرك أن التراجع عن الصيغة الثلاثية بعد اعتمادها سيعني فتح ملف مؤسساتي وقانوني ورياضي بالغ التعقيد، وليس إصدار موقف سياسي جديد في البرلمان.

والأهم أن التعاون الثلاثي لم يتوقف عند حدود إعلان استضافة البطولة.

في أبريل 2026، وقعت إسبانيا والبرتغال والمغرب مذكرة تفاهم حول التعاون القضائي في أفق كأس العالم، وشملت سبعة مجالات للتعاون، من المساعدة القانونية المتبادلة والتنسيق بين السلطات المركزية إلى العدالة الرقمية ومكافحة الجريمة والجريمة السيبرانية. وعُقد الاجتماع الثلاثي في الرباط باعتباره أول اجتماع لوزراء العدل للدول المنظمة للمونديال في إطار التحضير المشترك للحدث.

هذه التفاصيل لا تظهر عادة في الخطاب السياسي الصاخب، لكنها ربما أكثر أهمية من التصريحات المتبادلة.

لأن تنظيم كأس العالم لا يقوم على صورة جماعية أمام الكاميرات، وإنما على شبكة ضخمة من الالتزامات الفنية والأمنية والقانونية واللوجستية. وعندما تكون الدول الثلاث قد دخلت بالفعل في آليات تنسيق تمتد إلى 2030، يصبح السؤال مختلفاً: هل تستطيع أزمة سياسية، مهما بلغت حدتها، أن تعيد الملف كله إلى نقطة الصفر؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤسساتية على ذلك.

أما العقدة الأكثر حساسية داخل إسبانيا، فهي ليست في الحقيقة مشاركة المغرب في حد ذاتها، وإنما أين ستقام المباراة النهائية؟

وهذه نقطة ينبغي عدم خلطها بموضوع استبعاد المغرب.

إسبانيا كانت واضحة منذ أشهر في رغبتها في احتضان النهائي. وزيرة الرياضة الإسبانية ميلاغروس تولون قالت في يونيو إن موقف الحكومة هو الدفاع عن إقامة النهائي في إسبانيا، مشيرة إلى قوة البنية التحتية الإسبانية وثقل البلاد في كرة القدم، لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن القرار النهائي يعود إلى «فيفا».

وفي المقابل، برز في الأشهر الماضية النقاش حول الملعب المغربي الجديد في الدار البيضاء، إلى جانب سانتياغو برنابيو وخيارات إسبانية أخرى. وظهرت في إسبانيا حتى حملات شعبية على الإنترنت تلوّح بفكرة «إما النهائي في إسبانيا أو لا مونديال»، في إشارة إلى أن القضية تحولت منذ وقت مبكر إلى مسألة رمزية تتصل بصورة إسبانيا ومكانتها داخل الشراكة.

لكن هذا الملف نفسه لم يُحسم بعد.

وهنا يصبح من الصعب بناء أزمة سياسية كاملة على نتيجة لم تصدر أصلاً.

بل إن «فيفا» نفت في الأيام الأخيرة ما تردد عن أن رئيسها جياني إنفانتينو قدم للمغرب وعداً باستضافة النهائي مقابل دعم سياسي. وهذا النفي مهم لأنه يضع حداً، على الأقل في المستوى الرسمي، لرواية انتشرت بسرعة وربطت بين أزمة قيادة «فيفا» ومسألة النهائي المغربي.

بمعنى آخر، هناك معركة حقيقية حول النهائي، لكن لا توجد حتى الآن حقيقة رسمية تقول إن النهائي انتقل إلى المغرب.

وهذا التفريق ضروري، لأن جزءاً من الخطاب السياسي الإسباني يبدو وكأنه يتعامل مع احتمال لم يتحول إلى قرار.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو أزمة مونديال 2030 في إسبانيا ذات وجهين.

الوجه الأول هو المنافسة المشروعة على أكبر مباراة في البطولة. إسبانيا تريد النهائي، وهذا مفهوم من زاوية رياضية ورمزية واقتصادية. والمغرب، في المقابل، يملك مشروعاً ضخماً لملعب الحسن الثاني في الدار البيضاء، ويرى في استضافة النهائي فرصة لإظهار التحول الذي عرفته بنيته الرياضية. لذلك فالمنافسة على النهائي ليست بالضرورة أزمة بين البلدين؛ يمكن أن تكون ببساطة جزءاً من التفاوض الطبيعي داخل ملف مشترك.

الوجه الثاني يبدأ عندما يجري ربط هذه المنافسة بأزمة سبتة، ثم استخدام الأخيرة للمطالبة بإعادة النظر في الشراكة كلها.

هنا تنتقل القضية من سؤال: «أين يجب أن تقام المباراة النهائية؟» إلى سؤال أكبر بكثير: «هل ينبغي أن يكون المغرب أصلاً جزءاً من البطولة؟»

وهذه قفزة سياسية تحتاج إلى أكثر من غضب عابر أو خلاف دبلوماسي.

فحتى «سومار»، بحسب ما نقلته «أسوشيتد برس»، لم يحسم في مبادرته ما إذا كان يريد إخراج المغرب من التنظيم أو انسحاب إسبانيا من الاستضافة. الحزب تحدث عن ضرورة إعادة النظر في البطولة المشتركة والدفاع عن حقوق الإنسان، بينما بقيت الآلية العملية لتحقيق ذلك غير واضحة. كما أن مبادرته غير ملزمة.

وهذه نقطة تكشف شيئاً مهماً عن طبيعة الجدل.

فالانتقال من أزمة سياسية إلى المطالبة بإلغاء شراكة رياضية دولية لا يحدث تلقائياً. إنه قرار سياسي يحتاج إلى تبرير قانوني ومؤسساتي، كما يحتاج إلى معرفة الكلفة التي ستترتب عليه. ومونديال 2030 ليس اتفاقاً ثنائياً يمكن لأحد طرفيه أن يعلن الانسحاب منه صباحاً وينهي الملف مساءً.

ثم إن إسبانيا ليست وحدها في هذه المعادلة.

البرتغال، الطرف الثالث في المشروع، واصلت تأكيد التزامها بالصيغة المشتركة. وهذه ليست مسألة هامشية، لأن وجود لشبونة داخل المعادلة يمنع اختزال الملف في مواجهة ثنائية مغربية-إسبانية. المشروع منذ البداية ثلاثي، والتنسيق بين العواصم الثلاث أصبح له امتداده المؤسسي والتنظيمي.

ومن زاوية أوسع، ربما يكون هذا هو الجانب الذي لا يحظى بما يكفي من الاهتمام.

مونديال 2030 ليس مجرد بطولة توزع مبارياتها بين ثلاث دول. إنه مشروع جيوسياسي ناعم، يجمع لأول مرة بين أوروبا وإفريقيا في استضافة كأس العالم على هذا النحو، ويقدم نفسه باعتباره بطولة عابرة للحدود والقارات. ولذلك فإن نجاح المشروع يحمل معنى يتجاوز الملاعب: تعاون في الأمن، النقل، العدالة، البنية التحتية، السياحة، وحركة الجماهير.

وفي هذا السياق، فإن المغرب بالنسبة إلى إسبانيا ليس مجرد دولة مضيفة إضافية.

هو جار جنوبي، وشريك تجاري، وطرف أساسي في ملف الهجرة والأمن ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، وفي الوقت نفسه منافس محتمل على رمزية النهائي. وهذه المصالح المتداخلة هي التي تجعل العلاقة بين البلدين قابلة للتوتر وقابلة أيضاً لإعادة الضبط في الوقت نفسه.

لذلك فإن استخدام أزمة سبتة في السجال حول كأس العالم لا ينبغي قراءته فقط باعتباره محاولة «للتشويش» على المغرب، ولا ينبغي أيضاً تجاهله باعتباره مجرد مناورة انتخابية بلا مضمون.

هناك في إسبانيا أسئلة حقيقية حول الهجرة، وحول كيفية تعامل المغرب مع الحدود، وحول قدرة مدريد على حماية مصالحها. لكن وجود هذه الأسئلة لا يعني أن الإجابة المنطقية عليها هي إسقاط مشروع رياضي دولي كامل. هنا تحديداً يظهر الفرق بين النقاش السياسي المشروع وبين توظيف الحدث الرياضي كأداة ضغط.

وقد يكون من السابق لأوانه أيضاً اعتبار كل التصعيد الحالي «تصفية حسابات داخلية» بالمعنى الكامل. فالسياسة الإسبانية تدخل بالفعل مرحلة حساسة، وكل ملف قادر على إنتاج مكاسب حزبية يصبح قابلاً للاستثمار. لكن لا توجد، في المعطيات المتاحة، قرينة كافية تسمح بالقول إن جميع التحركات المعارضة للمغرب صُممت حصراً لهذا الغرض.

الأدق هو القول إن مونديال 2030 أصبح ساحة جديدة لصراع قائم أصلاً.

أزمة سبتة أعطت هذا الصراع دفعة جديدة. ومسألة النهائي وفرت له رمزاً أكثر جاذبية. والمنافسة بين مدريد والدار البيضاء على استضافة المباراة الأهم جعلت كرة القدم تدخل إلى منطقة كانت السياسة تحتكرها: سؤال النفوذ، والصورة، ومن يملك حق تقديم نفسه بوصفه المركز الحقيقي للمشروع.

لكن في المقابل، تظل هناك حقيقة صلبة يصعب تجاوزها: المغرب وإسبانيا والبرتغال هم المضيفون الرسميون للمونديال وفق الصيغة التي اعتمدتها «فيفا»، والتعاون الثلاثي لم يتوقف، بل انتقل خلال 2026 إلى ترتيبات عملية وقانونية.

لهذا تبدو الأزمة الحالية أقرب إلى معركة على معنى الشراكة وشروطها ورموزها منها إلى معركة على وجودها.

إسبانيا تريد أن تضمن أن لا تتحول شراكتها إلى خسارة رمزية، خصوصاً إذا خرج النهائي من أراضيها. قوى سياسية إسبانية تريد استخدام العلاقة مع المغرب في صراعاتها الداخلية. والمغرب يريد تثبيت موقعه كشريك كامل، لا كطرف أضيف لاحقاً إلى ملف تقوده إسبانيا والبرتغال. أما البرتغال فتبدو حتى الآن أكثر تمسكاً بالمنطق العملي للمشروع.

والسؤال الحقيقي، لذلك، ليس هل تستطيع بعض الأحزاب الإسبانية رفع شعار استبعاد المغرب؛ فهذا حدث بالفعل.

السؤال هو: هل يمكن لهذا الشعار أن يتحول من أداة سياسية إلى قرار مؤسساتي يغيّر بنية مونديال 2030؟

المعطيات المتاحة حتى الآن تقول لا.

أما السؤال الآخر، الأكثر حساسية وربما الأكثر قابلية للتصعيد، فهو أين ستقام المباراة النهائية، وكيف ستتعامل «فيفا» مع المنافسة بين إسبانيا والمغرب حولها. وهذا ملف لم يُحسم رسمياً بعد، ولذلك فإن تحويله إلى «حقيقة» قبل صدور القرار يخدم الخطاب السياسي أكثر مما يخدم الحقيقة الرياضية.

في النهاية، قد تكون المفارقة أن الجدل الإسباني حول مونديال 2030 يكشف، من حيث لا يريد أصحابه، قوة الشراكة أكثر مما يكشف هشاشتها. فلو كان المغرب طرفاً ثانوياً في المشروع، لما أصبحت مشاركته موضوعاً لكل هذا السجال. ولأن موقعه أصبح جزءاً من المعادلة، فإن الصراع انتقل من سؤال المشاركة إلى سؤال الوزن داخل المشاركة.

وهذا هو جوهر المسألة.

المونديال لم يهتز، والشراكة الثلاثية لم تُلغ، ولا توجد حتى الآن آلية مؤسساتية تشير إلى استبعاد المغرب. الذي اهتز هو الهدوء السياسي المحيط بالملف، بعدما دخلت أزمة سبتة على خطه، ووجدت فيها أطراف إسبانية فرصة لإعادة طرح خلافاتها مع المغرب أمام جمهور واسع.

أما ما إذا كان هذا الجدل سيبقى مجرد ضجيج سياسي عابر، أم سيتحول إلى ضغط حقيقي على ترتيبات مونديال 2030، فذلك سيتوقف بدرجة أكبر على ما سيحدث في العلاقات المغربية-الإسبانية خلال المرحلة المقبلة، وعلى القرار النهائي بشأن المباراة النهائية، أكثر مما سيتوقف على الشعارات التي تُرفع الآن في البرلمان أو على وسائل التواصل الاجتماعي.