لقجع من معقل أخنوش: «القدرة الشرائية أولى بالنقاش»… هل نحن أمام حملة انتخابية محبوكة أم أولوية لم تُترجم بعد؟

0
89

لقجع يبدأ من معقل أخنوش… صدفة انتخابية أم بداية حملة محبوكة ومدروسة؟

لم يكن اختيار فوزي لقجع لمدينة أكادير، ومن جهة سوس ماسة تحديداً، لإطلاق حضوره السياسي الأول بعد التحاقه بالمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة تفصيلاً جغرافياً يمكن المرور عليه بسرعة. ففي السياسة، كما في الانتخابات، المكان رسالة، وأحياناً يكون اختيار المكان أكثر دلالة من كثير مما يقال فوق المنصة.

لقجع لم يبدأ حملته السياسية من منطقة محايدة.

لقد بدأ من الجنوب، ومن سوس ماسة تحديداً، وهي الجهة التي ترتبط سياسياً وشخصياً باسم رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أحد أبرز وجوه المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد. ولذلك فإن ظهور لقجع من هذه البوابة، في هذا التوقيت، وبهذا الخطاب، يبدو أقرب إلى بداية محبوكة ومدروسة منه إلى محطة تواصلية عادية في أجندة حزب يستعد للانتخابات.

ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن هناك مواجهة معلنة أو معركة مباشرة مع أخنوش.

السياسة الأكثر ذكاءً لا تبدأ دائماً بإعلان الخصومة.

أحياناً تبدأ باختيار المكان، ثم اختيار المفردات، ثم تحديد الملفات التي يعرف السياسي أنها تلامس المواطن مباشرة.

وهنا يصبح حضور لقجع في سوس ماسة أكثر إثارة للاهتمام.

فالرجل لم يذهب إلى أكادير ليقول فقط إنه انضم إلى «البام»، ولم يكتف بالدفاع عن نفسه في مواجهة التأويلات التي رافقت دخوله إلى المكتب السياسي. لقد اختار أن يضع على الطاولة ملفات من النوع الذي يلامس الحياة اليومية: القدرة الشرائية، الثقة، الشباب، الدواوير، المشاريع، الأفكار، والوضوح في الوعود.

وكأن الرسالة تقول، من بين السطور: لنناقش ما يهم المواطن، لا من حصل على أي منصب داخل الحزب.

وهنا تبدأ الحملة الحقيقية.

حين يقول لقجع: «لم آت إلى البام بحثاً عن منصب»، فهو يجيب عن سؤال كان مطروحاً منذ لحظة دخوله إلى القيادة الحزبية. لكن الأهم أنه يفتح سؤالاً آخر: إذا لم يكن المنصب هو الهدف، فما الذي جاء من أجله؟

إجابته كانت واضحة: الأفكار، المشاريع، المشاكل الحقيقية للمواطنين، واستعادة الثقة في السياسة والمؤسسات.

وهذا الكلام، في حد ذاته، ينقل الرجل من موقع المدافع عن قرار حزبي إلى موقع صاحب مشروع سياسي يريد أن يُختبر.

لكن اختيار القدرة الشرائية تحديداً كأحد محاور خطابه ليس اختياراً بريئاً من الناحية السياسية.

فالقدرة الشرائية هي الملف الذي يستطيع المواطن أن يلمسه بيده كل يوم.

إنها ليست مؤشراً اقتصادياً بعيداً، ولا رقماً في تقرير حكومي، ولا مصطلحاً تقنياً يحتاج إلى شرح. إنها ثمن الخبز، والخضر، واللحوم، والنقل، والسكن، والكهرباء، والماء، والتعليم، والصحة، وكل ما يدخل في ميزانية الأسرة في نهاية الشهر.

ولهذا فإن قول لقجع إن «القدرة الشرائية أولى بالنقاش» يمكن أن يكون أكثر من مجرد تصريح انتخابي.

لأنه، في الوقت نفسه، وزير مكلف بالميزانية.

وهنا تبدأ المفارقة.

الرجل الذي يقول إن القدرة الشرائية يجب أن تكون في مقدمة النقاش السياسي هو نفسه أحد المسؤولين عن السياسات المالية التي تحدد، بشكل مباشر أو غير مباشر، هوامش التحرك في الأجور والضرائب والدعم والاستثمار والإنفاق العمومي.

لذلك لا يمكن التعامل مع كلامه كما نتعامل مع كلام سياسي يكتفي بالتشخيص من خارج السلطة.

لقجع موجود داخل القرار.

ومن داخل القرار تصبح الكلمات أكثر كلفة.

إذا كانت القدرة الشرائية فعلاً أولوية، فإن السؤال الطبيعي هو: أين تظهر هذه الأولوية في السياسة المالية؟

هل تظهر في الضرائب؟

هل تظهر في الأجور؟

هل تظهر في الأسعار؟

هل تظهر في دعم الفئات المتضررة؟

هل تظهر في المنافسة ومحاربة الاختلالات في الأسواق؟

هل تظهر في كلفة الطاقة والنقل؟

هل تظهر في السياسة الفلاحية والغذائية؟

أم أنها ستبقى، مثل كثير من العناوين الانتخابية، جميلة في الخطاب وصعبة في التطبيق؟

وهنا لا يتعلق الأمر بمهاجمة لقجع.

بل بالعكس.

إنه وضع تصريحه أمام الامتحان الذي اختاره هو بنفسه عندما تحدث عن «الصدق» و«المعقول».

فالصدق السياسي لا يعني أن تقول للمواطن ما يحب سماعه.

يعني أن تقول له أيضاً ما لا يستطيع السياسي فعله.

والمعقول لا يعني كثرة الوعود.

يعني تحديد الإمكانات، والكلفة، والأولويات، والنتائج المنتظرة.

وهذا ما يجعل العبارة التي كررها لقجع حول ضرورة أن تكون للفاعل السياسي «كلمة واحدة وليس كلمتين» شديدة الأهمية.

فالكلمة الواحدة تعني أن ما يقال في المنصة يجب أن يكون قابلاً للقياس في الميزانية.

وأن الوعد الانتخابي يجب أن يكون قابلاً للتحول إلى سياسة عمومية.

وأن المواطن يجب أن يستطيع، بعد سنوات، أن يعود إلى الكلام نفسه ويسأل: ماذا تحقق منه؟

هنا بالضبط يتحول خطاب لقجع إلى عقد سياسي محتمل.

لكن اختيار سوس ماسة يجعل هذا العقد أكثر تعقيداً.

لأن هذه الجهة ليست مجرد خلفية انتخابية. إنها فضاء تتقاطع فيه الفلاحة، والتصدير، والسياحة، والاستثمار، والماء، والتشغيل، والشباب، والقرى والدواوير.

والقدرة الشرائية في سوس ليست بالضرورة هي نفسها القدرة الشرائية في الرباط أو الدار البيضاء.

فالفلاح ينظر إلى كلفة الإنتاج والماء والأسمدة والطاقة.

والعامل الموسمي ينظر إلى استقرار دخله.

والشاب في الدوار ينظر إلى فرصة العمل والنقل والتكوين.

والأسرة تنظر إلى أسعار الغذاء والصحة والتعليم.

وهكذا فإن اختيار سوس ماسة يمنح شعار القدرة الشرائية مضموناً ميدانياً لا يمكن تجاهله.

لكن هناك بعداً سياسياً آخر لا ينبغي إغفاله.

إذا كان أخنوش يمثل، بحكم موقعه السياسي والحكومي وانتمائه المجالي، واحداً من أبرز عناوين المرحلة، فإن لقجع اختار أن يبدأ من المجال نفسه تقريباً الذي يُقرأ فيه حضور أخنوش بأقوى رمزيته.

وهنا لا ينبغي القفز إلى استنتاج أن لقجع أعلن مواجهة مع أخنوش.

الأكثر دقة أن نقول إن الموقع الذي اختاره لقجع يسمح بقراءة تحركه باعتباره رسالة سياسية محسوبة.

فهو لا يقول: أنا ضد أخنوش.

بل يقول، عملياً: أنا هنا، وأحمل خطاباً آخر حول الثقة والقدرة الشرائية والشباب والمشاريع.

وهذه طريقة أكثر ذكاءً في السياسة من إعلان الخصومة قبل أن تبدأ المعركة.

فالمعركة الانتخابية الحديثة لا تبدأ دائماً بالشعارات الحزبية.

قد تبدأ بتغيير جدول النقاش.

ومن ينجح في تحديد الأسئلة التي يناقشها المواطن، يملك جزءاً مهماً من المعركة قبل الوصول إلى صندوق الاقتراع.

وهنا يمكن فهم أهمية انتقال لقجع من الحديث عن دخوله إلى «البام» إلى الحديث عن المواطن.

لقد رفض أن يبقى أسيراً لسؤال: لماذا دخل الحزب؟

وحاول أن يستبدله بسؤال: ماذا سنفعل للمغرب؟

وهذه النقلة ليست تفصيلاً.

إنها محاولة لإعادة تعريف دخوله السياسي.

بدل أن يكون لقجع «الوافد الجديد إلى حزب سياسي»، يريد أن يقدم نفسه باعتباره صاحب خبرة جاء ليضعها في خدمة مشروع سياسي.

لكن هذا التقديم يرفع سقف التوقعات.

فمن يملك تجربة في تدبير الميزانية والرياضة، ومن يتحدث عن الأفكار والمشاريع، لا يمكنه أن يكتفي بالشعارات.

سيُطلب منه أن يقدم حلولاً.

وسيسأل عن الأرقام.

وسيسأل عن الأولويات.

وسيسأل عن تكلفة كل وعد.

وسيسأل، قبل كل شيء، عن النتائج.

وهنا تصبح عبارة «لم آت بحثاً عن منصب» أقل أهمية من السؤال الذي سيأتي بعدها:

إذا لم تأت من أجل المنصب، فما الذي تريد أن تغيّره؟

هذه هي النقطة التي ستحدد قيمة الحملة.

أما الحديث عن الشباب، والنزول إلى الدواوير، والإنصات للمواطنين، فهو في حد ذاته خطوة إيجابية، لكنه لا يصبح ذا قيمة سياسية إلا إذا تحول إلى ممارسة مستمرة لا إلى جولة انتخابية.

الشباب لا يحتاج إلى سياسي يأتيه قبل الانتخابات ليسأله ماذا يريد.

يحتاج إلى سياسي يشرح له ما يمكن فعله، وما لا يمكن فعله، وما هي كلفة الحلول، ومتى يمكن أن تظهر نتائجها.

وهنا تلتقي القدرة الشرائية مع الثقة.

فالمواطن الذي لا يشعر بتحسن في حياته لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات حول النمو.

إنه يحتاج إلى أن يرى أثر النمو في حياته.

والبلد الذي يريد أن يصبح «مغرباً صاعداً» لا يستطيع أن يكتفي بصعود المؤشرات.

يجب أن يصعد المواطن أيضاً.

أن تتحسن المدرسة.

أن يتحسن المستشفى.

أن تتوسع فرص العمل.

أن يصبح الماء أكثر أمناً.

أن يستطيع الفلاح الاستمرار.

وأن تشعر الأسرة بأن دخلها لا يذوب قبل نهاية الشهر.

لهذا فإن تصريح لقجع حول القدرة الشرائية قد يكون بالفعل أهم ما قاله في ظهوره السياسي الأول.

ليس لأنه اكتشف ملفاً جديداً.

بل لأنه اختار أن يبدأ من أكثر الملفات حساسية في علاقة المواطن بالدولة.

لكن هنا أيضاً يجب أن يبدأ الاختبار.

هل القدرة الشرائية أولوية فعلية، أم أنها أصبحت أولوية انتخابية؟

الفرق بين الاثنين كبير.

الأولى تُقاس بالقرارات.

والثانية تُقاس بالخطب.

الأولى تظهر في الميزانية.

والثانية تظهر في المنصة.

الأولى يلمسها المواطن في حياته.

والثانية يسمعها في موسم الانتخابات.

ولهذا فإن البداية من معقل أخنوش، والحديث عن القدرة الشرائية، والدعوة إلى الصدق والمعقول، والتأكيد على عدم البحث عن منصب، كلها عناصر تجعل تحرك لقجع يبدو وكأنه رسالة انتخابية مركبة: مكان محسوب، وتوقيت محسوب، وموضوع محسوب، ورسالة محسوبة.

لكن الحملة المحبوكة لا تنجح بمجرد حسن هندستها.

تنجح عندما تصطدم بالواقع وتثبت قدرتها على تغييره.

ولهذا لن يكون السؤال الحقيقي في النهاية: هل أحسن لقجع اختيار أكادير؟

بل سيكون:

هل يستطيع أن يجعل من القدرة الشرائية فعلاً أولوية في السياسة المالية والسياسة الحكومية، أم أنها ستكون فقط مدخله الذكي إلى الحملة الانتخابية؟

وسيكون السؤال الأكبر:

هل بدأ لقجع حملته من معقل أخنوش ليعلن مواجهة سياسية، أم ليعيد ترتيب المشهد الانتخابي من داخله؟

الجواب لن يأتي من المنصة.

سيأتي من الأسابيع المقبلة.

من الملفات التي سيختارها.

ومن الأرقام التي سيقدمها.

ومن الوعود التي سيقبل بتحمل مسؤوليتها.

ومن قدرته على تحويل «الصدق والمعقول» من شعار انتخابي إلى ممارسة سياسية.

لأن أخطر ما في بداية لقجع من سوس ماسة ليس أنه اختار المكان الخطأ أو المكان الصحيح؛ بل أنه اختار مكاناً لا يمكن أن يكون محايداً في الحساب الانتخابي.

ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.