نتنياهو يبحث عن «الخطة ب» في إيران.. هل تتحول إسرائيل من انتظار واشنطن إلى محاولة تغيير النظام؟

0
29
نتنياهو يطلب إعداد خطط لزعزعة استقرار النظام الإيراني وفق تقارير إسرائيلية، وسط غموض الموقف الأمريكي ومستقبل المواجهة بين واشنطن وطهران.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - مصدر الصورة: رويترز

في الغرف التي لا تصل إليها الكاميرات، لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ فقط. أحيانًا تبدأ الحرب الحقيقية عندما يدرك طرف ما أن الخطة التي راهن عليها لم تعد تسير بالطريقة التي أرادها.

وهذا تحديدًا هو السؤال الذي تطرحه التقارير المنسوبة إلى مصادر أمنية إسرائيلية: ماذا تفعل إسرائيل إذا قررت واشنطن التهدئة مع طهران، أو خفض وجودها العسكري في المنطقة، بينما ترى تل أبيب أن الخطر الإيراني لم ينتهِ؟

بحسب ما نقله موقع المونيتور عن مصادر أمنية إسرائيلية، طلب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من الأجهزة الأمنية إعداد خطط تستهدف زعزعة استقرار النظام الإيراني، في ظل حالة إحباط إسرائيلية من انتظار القرار الأمريكي بشأن المرحلة المقبلة من التعامل مع طهران.

ولا يمكن التعامل مع هذه الرواية باعتبارها إعلانًا رسميًا عن سياسة إسرائيلية جديدة، لكنها تنسجم مع اتجاه ظهر في تصريحات وتحليلات إسرائيلية خلال الأشهر الماضية: تل أبيب لا تريد أن تكون نهاية الحرب الإيرانية مرهونة بالكامل بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

من الحرب المشتركة إلى أزمة القرار

المفارقة أن إسرائيل دخلت الحرب الأخيرة مع إيران وهي أقرب من أي وقت مضى إلى واشنطن في تحديد الخطر الإيراني، لكنها وجدت نفسها لاحقًا أمام مشكلة مختلفة: من يقرر متى تنتهي الحرب؟

فقد كشفت تقارير سابقة لـ رويترز أن نتنياهو أقر في محادثات خاصة بأن قدرة إسرائيل على التأثير في قرارات ترامب بشأن إيران أصبحت محدودة، بينما كانت واشنطن وطهران تتفاوضان على ترتيبات لإنهاء الحرب. وأوضحت المصادر أن نتنياهو كان يشعر بأن إسرائيل لا تملك في تلك اللحظة هامشًا حقيقيًا للتأثير في الرئيس الأمريكي.

وهنا تكمن العقدة.

إسرائيل تستطيع أن تبدأ عمليات عسكرية، وتستطيع تنفيذ ضربات نوعية، وتستطيع استهداف منشآت وشخصيات إيرانية، لكنها لا تستطيع بسهولة التحكم في القرار الأمريكي المتعلق بالحرب والسلام.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تكون واشنطن هي الطرف الذي يمتلك الموارد الأكبر لإدارة حرب طويلة، بينما تحتاج إسرائيل إلى الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة.

تغيير النظام.. الهدف الذي لم يكن متطابقًا تمامًا بين واشنطن وتل أبيب

منذ الأيام الأولى للحرب، ظهر اختلاف جوهري بين خطاب نتنياهو وخطاب الإدارة الأمريكية.

فقد تحدث نتنياهو بوضوح عن خلق الظروف التي تسمح للشعب الإيراني بإسقاط النظام، بينما ركزت واشنطن في مراحل مختلفة على أهداف عسكرية أكثر تحديدًا، مثل البرنامج النووي والصواريخ والقدرات البحرية الإيرانية.

وفي مارس (آذار)، نقلت رويترز أن الهدف الإسرائيلي شمل الدفع باتجاه انهيار النظام الإيراني، في حين أوضح مسؤول أمريكي أن تغيير النظام يمثل هدفًا إسرائيليًا وليس بالضرورة الهدف الأساسي للولايات المتحدة.

والفارق ليس لغويًا.

فالولايات المتحدة تستطيع أن تعتبر تدمير القدرات العسكرية الإيرانية إنجازًا يسمح لها بالانسحاب. أما إسرائيل، إذا كانت تعتقد أن بقاء النظام يعني إعادة بناء تلك القدرات مستقبلاً، فقد ترى أن الحرب لم تحقق هدفها النهائي.

ولهذا فإن السؤال الإسرائيلي يصبح: ماذا لو توقفت الطائرات الأمريكية، بينما بقي النظام الإيراني؟

نتنياهو لا يثق في نهاية مؤقتة

تبدو هذه النقطة أساسية لفهم الحديث عن إعداد خطط لزعزعة النظام.

فالضربات العسكرية قد تدمر منشآت، وتقتل قيادات، وتؤخر برامج عسكرية، لكنها لا تضمن وحدها تغيير البنية السياسية التي تحكم إيران منذ عام 1979.

وقد حذرت تحليلات إسرائيلية وأمريكية من هذه المعضلة تحديدًا. ففي مارس (آذار)، نقلت واشنطن بوست عن مسؤول إسرائيلي أن إسقاط النظام الإيراني ليس بالضرورة النهاية الوحيدة التي تريدها إسرائيل، وأن بعض المسؤولين داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية كانوا قلقين من تحول الحرب إلى مواجهة بلا نهاية واضحة.

وفي المقابل، كان نتنياهو أكثر وضوحًا في رغبته في استثمار الضربات العسكرية لإضعاف النظام من الداخل.

وهنا تتحول فكرة زعزعة الاستقرار إلى خطة ما بعد القصف.

ماذا تعني زعزعة النظام عمليًا؟

لا يعني ذلك بالضرورة أن إسرائيل تستطيع إسقاط النظام الإيراني بعملية واحدة.

بل إن مفهوم زعزعة الاستقرار يمكن أن يشمل مجموعة واسعة من الأدوات: إضعاف المؤسسات الأمنية، استهداف القيادات، تعطيل القدرات العسكرية، الضغط الاقتصادي، العمليات السرية، دعم شبكات المعارضة، واستثمار أي احتجاجات داخلية.

وقد ظهر جزء من هذا التفكير علنًا بالفعل.

ففي مارس (آذار)، أعلن نتنياهو أن إسرائيل تعمل على زعزعة استقرار النظام الإيراني، وقال إن تل أبيب تساعد في خلق الظروف التي يمكن أن تتيح للإيرانيين تغيير نظامهم.

كما كشفت أكسيوس في الشهر نفسه عن خلاف أمريكي-إسرائيلي بشأن فكرة دفع الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع؛ إذ نقلت عن مصادر أمريكية وإسرائيلية أن نتنياهو اقترح دعوة مشتركة للإيرانيين إلى الانتفاض، بينما حذر ترامب من أن مثل هذه الدعوة قد تنتهي بمذبحة.

وهذا يكشف حدود الرؤية الإسرائيلية.

تل أبيب ترى فرصة، وواشنطن ترى مخاطرة.

لماذا يخشى نتنياهو من القرار الأمريكي؟

القضية لا تتعلق بإيران وحدها، بل بمستقبل العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة.

فالتقارير الأخيرة عن إعادة انتشار القوات والمعدات الأمريكية في الشرق الأوسط تضع إسرائيل أمام احتمالين متناقضين: إما أن واشنطن تعيد ترتيب وجودها العسكري مع الاحتفاظ بقدرة هجومية كبيرة، أو أنها تهيئ نفسها لمرحلة تفاوضية جديدة مع طهران.

وفي الحالتين تصبح إسرائيل أمام معادلة صعبة.

إذا خفضت الولايات المتحدة وجودها العسكري، فإن هامش الحركة الإسرائيلي يتقلص؛ لأن إسرائيل ستجد نفسها مضطرة إلى تحمل قدر أكبر من المخاطر وحدها.

أما إذا اتجهت واشنطن إلى اتفاق مع إيران، فإن إسرائيل ستواجه مشكلة أشد تعقيدًا: اتفاق أمريكي قد لا يتطابق مع شروطها للأمن.

وقد ظهر هذا الخلاف سابقًا بصورة واضحة. ففي يونيو (حزيران)، خلص تحليل لـ رويترز نشره المونيتور إلى أن اتفاق واشنطن وطهران وضع نتنياهو في مواجهة مباشرة مع توجه ترامب لإنهاء الحرب، بينما كانت إسرائيل تريد استمرار الضغط على إيران وحلفائها.

الخلاف ليس جديدًا.. لكنه أصبح أكثر خطورة

هذه ليست أول مرة يشعر فيها نتنياهو بأن واشنطن تتحرك في اتجاه مختلف.

لكن الجديد هو أن الخلاف بات مرتبطًا بنتائج حرب فعلية، وليس فقط بمفاوضات أو برنامج نووي.

في السابق كان الخلاف يدور حول: هل تضرب إسرائيل إيران؟ وهل توافق واشنطن؟ وهل يتم التفاوض؟

أما الآن فأصبح السؤال: ماذا بعد الحرب؟

وهذا هو السؤال الأصعب.

فإذا انتهت الحرب دون سقوط النظام الإيراني، ودون ضمانات طويلة الأمد بشأن البرنامج النووي والصواريخ، ودون إنهاء شبكة النفوذ الإقليمي لطهران، فقد تعتبر إسرائيل أن المشكلة لم تُحل، وإنما تأجلت.

وفي المقابل، ترى واشنطن أن استمرار الحرب إلى أجل غير محدد يحمل كلفة اقتصادية وسياسية وعسكرية هائلة.

وتشير رويترز إلى أن ترامب واجه بالفعل معضلة استراتيجية بسبب طول الحرب، وارتفاع كلفتها، وتأثيراتها على الطاقة والملاحة، بينما لم تتحقق جميع الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأمريكية في البداية.

الخطة ب قد تكون أخطر من الحرب نفسها

إذا صحت رواية إعداد خطط لزعزعة النظام الإيراني، فإن أهم ما فيها ليس مجرد احتمال تنفيذ عمليات جديدة.

الأهم أنها تكشف أن إسرائيل تفكر في مرحلة ما بعد الحرب حتى لو كانت واشنطن تريد إغلاقها.

وهذا فارق استراتيجي كبير.

فالضربة العسكرية يمكن التفاوض على وقفها. أما العمليات السرية والحرب الاستخبارية ومحاولات التأثير في الداخل الإيراني، فمن الصعب ضبطها عبر اتفاق سياسي.

وقد يعني ذلك انتقال الصراع من حرب معلنة إلى حرب ظل طويلة.

وهذه الحرب قد لا تحتاج إلى طائرات أمريكية أو حاملات طائرات كي تستمر.

إيران نفسها أصبحت أكثر صعوبة من السابق

لكن الرهان على تغيير النظام ليس مضمونًا.

فالنظام الإيراني يمتلك خبرة طويلة في مواجهة العقوبات والاحتجاجات والعمليات السرية والحروب.

والأهم أن الضربات الخارجية قد تؤدي أحيانًا إلى نتيجة عكسية: بدل تفكيك النظام، قد تدفع قطاعات من المجتمع إلى الالتفاف حوله أمام ما يُقدَّم باعتباره تهديدًا خارجيًا.

ولهذا فإن إسقاط النظام من الخارج يظل أكثر تعقيدًا من إضعاف قدراته العسكرية.

حتى المونيتور نفسه نشر في وقت سابق تحليلات تشير إلى أن الطريق نحو تغيير النظام الإيراني قد يكون طويلًا، وأن الحرس الثوري قادر على لعب دور مركزي في الحفاظ على النظام رغم الضربات الكبيرة التي تعرضت لها القيادة الإيرانية.

نتنياهو بين إيران وترامب والانتخابات

هناك أيضًا عامل داخلي لا يمكن تجاهله: مستقبل نتنياهو السياسي.

فالحرب مع إيران أصبحت جزءًا من روايته السياسية حول الأمن والقيادة والقدرة على مواجهة التهديد الوجودي.

وقد أشارت رويترز في يونيو (حزيران) إلى أن الحرب والاتفاق الأمريكي-الإيراني وضعا نتنياهو أمام مشكلة سياسية، بعدما راهن على إضعاف القيادة الإيرانية وتوسيع نفوذ إسرائيل الإقليمي، بينما لم تتحقق هذه الأهداف بصورة كاملة.

كما أشار المونيتور في يوليوز (يوليو/ تموز) إلى أن نتنياهو كان يحاول تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لاحتمال عودة إسرائيل إلى الحرب على إيران، في وقت كانت فيه الانتخابات الإسرائيلية تقترب، وكانت استطلاعات الرأي تضغط على موقعه السياسي.

وهذا يجعل إيران في الوقت نفسه ملفًا أمنيًا وورقة سياسية.

لكن الخطر يكمن في أن المصالح السياسية قصيرة الأجل قد تتقاطع مع حسابات أمنية طويلة الأجل.

هل تستطيع إسرائيل تغيير النظام الإيراني وحدها؟

الجواب الأقرب إلى الواقعية: إسرائيل تستطيع إضعاف إيران، لكنها لا تستطيع ضمان إسقاط النظام وحدها.

قدرتها العسكرية والاستخبارية تسمح لها بتوجيه ضربات مؤلمة، لكن تغيير نظام سياسي بهذا الحجم يحتاج إلى عوامل داخلية لا تستطيع إسرائيل التحكم بها.

فالمعارضة الإيرانية ليست كتلة واحدة، ولا توجد قوة سياسية داخلية واضحة تستطيع تلقائيًا ملء الفراغ إذا انهارت السلطة.

كما أن انهيار النظام في دولة بحجم إيران قد يفتح بابًا أمام سيناريوهات لا تريدها إسرائيل نفسها: الفوضى، الانقسامات، صراع مراكز القوى، أو صعود قيادة أكثر تشددًا.

وهنا تكمن المفارقة.

قد تكون إسرائيل قادرة على إضعاف النظام الإيراني، لكنها ليست بالضرورة قادرة على اختيار النظام الذي سيأتي بعده.

المعركة الحقيقية الآن في واشنطن

لهذا فإن مستقبل الخطة الإسرائيلية لن يُحسم في طهران وحدها.

سيُحسم جزء كبير منه في واشنطن.

إذا قرر ترامب أن الاتفاق مع إيران أكثر فائدة للمصالح الأمريكية من استمرار الحرب، فسيتعين على نتنياهو الاختيار بين مواجهة القرار الأمريكي أو التكيف معه.

أما إذا عادت واشنطن إلى خيار التصعيد، فإن إسرائيل ستجد فرصة لإعادة طرح أهدافها الأوسع بشأن النظام الإيراني.

وهذا يفسر لماذا أصبحت كل حركة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط موضع قراءة دقيقة في تل أبيب.

فالمسألة بالنسبة لإسرائيل لم تعد فقط: هل تضرب أمريكا إيران؟

بل أصبحت: ماذا تريد أمريكا من إيران بعد أن تضربها؟

وهنا تحديدًا يبدأ الخلاف الحقيقي.

إسرائيل تريد نهاية مختلفة للحرب

ما تكشفه الرواية المنسوبة إلى المصادر الأمنية الإسرائيلية، إذا صحت، هو أن تل أبيب لا تريد أن تخرج من الحرب الإيرانية بنتيجة تعيدها إلى نقطة الصفر.

إسرائيل تريد إيران أضعف، أقل قدرة على إعادة بناء برنامجها النووي والصاروخي، وأقل قدرة على دعم حلفائها الإقليميين.

أما واشنطن، فتبدو في المقابل أكثر اهتمامًا بإيجاد مخرج قابل للإدارة من الحرب.

وهذه الفجوة قد تكون أخطر من الخلاف حول الضربة نفسها.

فإذا نجح ترامب في إبرام تسوية مع طهران، فقد تتحول إسرائيل من شريك في الحرب إلى طرف يحاول التأثير في مرحلة ما بعد الحرب.

وإذا قرر نتنياهو المضي في استراتيجية زعزعة النظام بصورة مستقلة، فقد تدخل المنطقة في مرحلة جديدة: حرب لا تحتاج إلى إعلان رسمي، ولا إلى جبهة واحدة، ولا حتى إلى توافق أمريكي كامل.

وهنا يصبح السؤال الأكبر ليس ما إذا كانت إسرائيل ستواجه إيران مرة أخرى، بل ما إذا كانت المواجهة المقبلة ستكون حربًا أمريكية-إسرائيلية على إيران، أم حربًا إسرائيلية طويلة الأمد على النظام الإيراني بأدوات لا تتطلب موافقة واشنطن كل مرة.

وفي الحالتين، يبدو أن صفحة الصراع لم تُغلق بعد. بل ربما انتقلت فقط من سماء الصواريخ إلى غرف الاستخبارات، ومن الحرب المفتوحة إلى معركة أكثر هدوءًا وأشد غموضًا.