لم يعد فوزي لقجع مجرد مسؤول رياضي نجح في نقل كرة القدم المغربية إلى مرحلة غير مسبوقة، ولا مجرد وزير منتدب يقف خلف أرقام الميزانية وتوازناتها. منذ دخوله الرسمي إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أصبح الرجل نفسه جزءاً من سؤال سياسي أكبر: ماذا يحدث عندما يجتمع في شخصية واحدة نفوذ كرة القدم، بما تحمله من شعبية ورمزية وطنية، مع موقع القرار المالي، بما يحمله من مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن توزيع الموارد العمومية؟ هنا لا يعود النقاش متعلقاً بشخص لقجع وحده، بل بالنموذج الذي أصبح يمثله، وبالطريقة التي يمكن أن تتقاطع بها الرياضة والاقتصاد والسياسة في لحظة مغربية شديدة الحساسية.
فالكرة المغربية لم تعد مجرد لعبة. منذ بلوغ المنتخب الوطني نصف نهائي كأس العالم 2022، ثم احتضان كأس إفريقيا 2025، والاستعداد المشترك لتنظيم كأس العالم 2030، تحولت كرة القدم إلى واحدة من أقوى أدوات الصورة الوطنية. الانتصار الرياضي أصبح مناسبة للاحتفال الجماعي، والملعب تحول إلى فضاء للهوية والفخر، والبنية التحتية الرياضية أصبحت جزءاً من مشروع وطني أكبر يتجاوز حدود المنافسة الكروية. وهذه حقيقة يصعب إنكارها: الاستثمار في الملاعب والطرق والمطارات والفنادق وشبكات النقل لا يختفي بانتهاء المباراة، بل يمكن أن يتحول إلى بنية اقتصادية وسياحية تستمر بعد انتهاء البطولات.
لكن قوة الصورة تحمل معها سؤالاً آخر لا يقل أهمية: متى يتحول الاستثمار في الصورة الوطنية إلى أولوية تنافس الأولويات الاجتماعية؟
هذا السؤال هو الذي يمنح تجربة لقجع معناها السياسي الحقيقي.
فالذين ينظرون إلى النموذج بعين نقدية يرون أن كرة القدم أصبحت أكثر من رياضة: إنها “كرة قدم استعراضية” قادرة على إنتاج لحظات جماعية من الفرح، وفي الوقت نفسه على نقل مركز اهتمام الرأي العام من الأسئلة اليومية الثقيلة إلى الأسئلة الرمزية الأكثر إثارة. انتصار المنتخب يمنح ملايين المغاربة لحظة وحدة وطنية حقيقية؛ بطولة قارية تمنح البلاد صورة دولية قوية؛ وملعب جديد يختصر في الصورة معنى التحديث والقدرة على الإنجاز. وفي السياسة، للصورة وزنها، لأنها تستطيع أن تقول للمواطن إن بلده يتحرك إلى الأمام حتى عندما تكون حياته اليومية أقل احتفالاً بهذا التقدم.
غير أن اختزال المسألة في فكرة “إلهاء الشعب بالكرة” سيكون تبسيطاً مخلاً. فالاستثمارات الرياضية ليست بالضرورة أموالاً ضائعة، وليست كل نفقات الملاعب نفقات استعراضية. البنك الدولي نفسه ربط الطفرة الاستثمارية العمومية في المغرب خلال 2025، والتي ساهمت في وصول النمو إلى نحو 4.9 في المائة، بالاستثمارات الكبرى المرتبطة بالتحضير لكأس العالم 2030، إلى جانب تعافي النشاط الفلاحي. أي أن البنية التحتية الرياضية دخلت بالفعل في دينامية اقتصادية أوسع.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا ينهي السؤال، بل يجعله أكثر تعقيداً.
لأن الاستثمار يمكن أن يكون منتجاً، ومع ذلك يمكن أن يكون توقيته أو حجمه أو ترتيب أولوياته موضع نقاش. الدولة تستطيع أن تربح ملعباً جديداً، وطريقاً سريعاً، وفندقاً، وسياحاً إضافيين، ومناصب شغل مرتبطة بالأوراش؛ لكنها مطالبة في الوقت نفسه بأن تجيب عن المواطن الذي يرى أن دخله لم يرتفع بالسرعة نفسها التي ارتفعت بها كلفة حياته. هنا يظهر الفرق بين النمو الذي تقيسه المؤشرات والرفاه الذي يقيسه المواطن داخل بيته.
وهذا هو المكان الذي تدخل فيه الميزانية إلى قلب الحكاية.
فوزي لقجع، بصفته الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، ليس وزيراً للرياضة، لكنه يوجد في نقطة حساسة من منظومة القرار المالي للدولة. الميزانية ليست مجرد جدول أرقام، وإنما هي التعبير العملي عن سؤال سياسي بالغ الحساسية: أين نضع أموال الدولة أولاً؟ كم نخصص للاستثمار؟ كم للحماية الاجتماعية؟ كم للصحة والتعليم؟ كم للدعم؟ كم للأجور؟ وكم نحتفظ به لضمان قدرة الدولة على مواجهة الصدمات المقبلة؟
ومن هنا فإن الجمع بين صورة لقجع الرياضي وصورته المالية ينتج مفارقة يصعب تجاهلها.
في الجهة الأولى، هناك المغرب الذي يريد أن يبني ملاعب حديثة، ويستعد لكأس العالم، ويعيد تأهيل المدن، ويطور النقل والمطارات والفنادق، ويجعل من البطولات الرياضية رافعة للسياحة والاستثمار. وفي الجهة الثانية، هناك المغرب اليومي: الأسرة التي تحسب ثمن الغذاء، والشاب الذي يبحث عن عمل، والأب الذي يدفع كلفة النقل، والمريض الذي ينتظر العلاج، والأسرة التي تقارن بين دخلها ونفقاتها في نهاية كل شهر.
بين المغربين توجد الميزانية.
وهنا يصبح السؤال أكثر جرأة: هل تستطيع الدولة أن تمول المستقبل من دون أن تجعل الحاضر يدفع ثمنه؟
الرواية الرسمية تقدم جواباً واضحاً: لا يوجد تعارض بين الأمرين. فالاستثمار في البنية التحتية الكبرى ليس بديلاً عن الإنفاق الاجتماعي، بل جزء من استراتيجية للنمو تخلق القيمة وفرص العمل وتحسن التنافسية. وقد أكد لقجع نفسه أن مشاريع البنية التحتية والاستثمارات والمنشآت المرتبطة بكأس إفريقيا 2025 تندرج ضمن مسار متواصل للتحضير لكأس العالم 2030، مع الحديث عن إرث دائم وتطوير المجالات الرياضية والاقتصادية والترابية.
وهذه حجة قوية من الناحية الاقتصادية.
فملعب حديث لا يخدم فقط مباراة دولية. وقد تخدمه أندية محلية، وتستفيد منه المدينة، ويمكن أن يصبح جزءاً من صناعة الترفيه والسياحة، فيما تحتاج البطولات الكبرى إلى النقل والإيواء والمطاعم والخدمات والأمن والاتصالات. وبالتالي فإن السؤال الصحيح ليس: هل نبني الملاعب أم لا؟ بل: ما العائد الاقتصادي والاجتماعي الصافي لهذه الاستثمارات، ومن سيستفيد منه، ومتى سيظهر؟
هذه هي النقطة التي ينبغي أن ينتقل إليها النقاش العمومي.
لأن الدفاع عن الاستثمار الرياضي لا ينبغي أن يكون دفاعاً عاطفياً عن الكرة، كما أن انتقاده لا ينبغي أن يكون رفضاً أيديولوجياً للملاعب. المطلوب هو الحساب: كم أنفقنا؟ ماذا خلق الإنفاق؟ كم وظيفة دائمة نتجت عنه؟ ما نسبة الاستعمال بعد البطولات؟ ماذا استفادت منه المدن؟ ما حجم العائد السياحي؟ وهل البنية التحتية الجديدة ستصبح أصولاً اقتصادية مستدامة أم ستتحول بعد انتهاء المنافسات إلى منشآت مرتفعة الكلفة محدودة الاستعمال؟
هناك تحديداً يصبح شعار “الإرث” أكثر من كلمة جميلة في الخطاب.
الإرث الحقيقي لكأس العالم لا يقاس بعدد الملاعب التي ستظهر على شاشات التلفزيون، وإنما بما ستتركه تلك الملاعب في الاقتصاد المحلي بعد انطفاء الأضواء. وإذا كان الملعب سيخلق نشاطاً دائماً، فذلك استثمار. وإذا كان سيحتاج إلى ميزانية عمومية مستمرة لتغطية كلفة تشغيله وصيانته من دون مردود واضح، فإن السؤال المالي يصبح مشروعاً.
لكن في المقابل، هناك خطأ آخر يجب تجنبه: تصوير كل درهم ينفق على الرياضة باعتباره درهماً مسروقاً من الصحة أو التعليم. الميزانية ليست صندوقاً مغلقاً له خانة واحدة؛ الاقتصاد نفسه يحتاج إلى الاستثمار، والبنية التحتية يمكن أن تولد النمو، والنمو يمكن أن يوسع الموارد المتاحة للإنفاق الاجتماعي. ولهذا فإن المقارنة المباشرة بين “ملعب” و”مستشفى” قد تكون جذابة إعلامياً لكنها لا تكفي اقتصادياً.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود الاستثمار الرياضي، وإنما في ترتيب الأولويات، وقياس العائد، وعدالة توزيع ثمار النمو.
وهنا نصل إلى الحلقة الأكثر حساسية: القدرة الشرائية.
الحكومة لا تستطيع أن تقول إنها تجاهلتها. فقد أطلقت منظومة الدعم الاجتماعي المباشر، ورفعت مخصصاتها تدريجياً، كما ارتبطت إجراءات زيادة الأجور بالحوار الاجتماعي. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن الغلاف المرتبط بالدعم الاجتماعي المباشر بلغ 26.5 مليار درهم في 2025 وكان متوقعاً أن يصل إلى 29 ملياراً في 2026. كما تظهر معطيات تنفيذ الميزانية ارتفاع نفقات الموظفين نتيجة إجراءات الحوار الاجتماعي، في حين تراجعت نفقات المقاصة في بداية 2026.
إذن، الصورة ليست حكومة تنفق على الملاعب وتترك المواطن وحيداً أمام السوق.
لكنها أيضاً ليست صورة أزمة انتهت.
فحتى مع انخفاض التضخم إلى مستويات محدودة في 2025، عادت ضغوط الأسعار في 2026 مع ارتفاع كلفة الطاقة؛ وقد سجل التضخم السنوي 1.7 في المائة في أبريل 2026 وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط نقلتها رويترز، بينما حذرت منظمة التعاون والتنمية من أن صدمة الطاقة قد ترفع التضخم خلال السنة.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات دلالة.
يمكن للدولة أن تقول إن التضخم انخفض، ويكون كلامها صحيحاً من الناحية الإحصائية. لكن المواطن يستطيع في الوقت نفسه أن يقول إن الأسعار التي ارتفعت خلال السنوات الماضية لم تعد إلى مستوياتها القديمة، ويكون هو أيضاً محقاً في تجربته اليومية.
فانخفاض معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى ما كانت عليه.
وهذا الفرق بين معدل ارتفاع الأسعار ومستوى الأسعار هو أحد أسباب استمرار الشعور بضغط القدرة الشرائية حتى عندما تصبح مؤشرات التضخم أكثر اعتدالاً.
ومن هنا تصبح مسؤولية لقجع السياسية الجديدة أكثر تعقيداً.
لقد كان بإمكانه، عندما كان يُقرأ أساساً باعتباره تقنياً في المالية، أن يدافع عن الأرقام بلغة الاقتصاد الكلي. أما بعد دخوله إلى السياسة، فإن السؤال سيتغير. لن يكفي أن يقول إن العجز تحت السيطرة، أو إن النمو يتحسن، أو إن الاستثمارات الكبرى تدفع الاقتصاد إلى الأمام. سيُطلب منه أن يشرح كيف يتحول هذا النمو إلى حياة أفضل للمواطن.
وهذه ليست مسألة تقنية.
إنها جوهر السياسة.
لأن المواطن لا يستهلك الناتج الداخلي الخام، ولا يأكل معدل النمو، ولا يسدد فاتورة الكهرباء بمؤشر العجز. المواطن يريد أن يعرف ماذا بقي في جيبه بعد أن دفع ثمن الغذاء والسكن والنقل والتعليم والصحة.
وهنا تحديداً تصطدم لغة التكنوقراط بلغة الشارع.
التكنوقراط يقول: علينا حماية التوازنات المالية حتى لا ندفع الثمن غداً.
والمواطن يقول: أنا أدفع الثمن اليوم.
كلاهما قد يكون محقاً.
لكن السياسة تبدأ عندما يتعين على المسؤول أن يجد نقطة الالتقاء بينهما.
ومن هذه الزاوية، يصبح دخول لقجع إلى السياسة أكبر من مجرد انتقال مهني. إنه اختبار لنموذج كامل يقوم على فكرة أن الكفاءة التقنية والإنجاز العملي يمكن أن يتحولا إلى شرعية سياسية. نجاحه الرياضي يمنحه شعبية؛ وخبرته المالية تمنحه صورة الرجل الذي يعرف كيف تدار الدولة؛ لكن السياسة ستطالبه بشيء ثالث لا تمنحه إياه كرة القدم ولا الميزانية: القدرة على إقناع المواطن بأن اختيارات الدولة تخدمه هو أيضاً، وليس فقط المستقبل الذي يقال له إنه سيأتي.
وهنا تظهر الزاوية الأكثر حساسية في تجربة لقجع.
فالرجل الذي ارتبط اسمه بأحد أكبر مشاريع تطوير كرة القدم المغربية يجد نفسه الآن في موقع سياسي يمكن أن يُسأل فيه عن كلفة هذا المشروع. والرجل الذي يدافع عن الاستثمار والبنية التحتية سيُسأل عن العائد. والرجل الذي يقف في قلب منظومة الميزانية سيُسأل عن توزيع الأولويات. والرجل الذي يدخل إلى الانتخابات سيُسأل في النهاية عن المواطن، لا عن الملعب.
لقد كان من السهل نسبياً أن تصنع كرة القدم صورة المغرب الجديد.
الأصعب هو أن تجعل المواطن يرى هذا المغرب الجديد في راتبه، وفي مستشفى حيه، وفي مدرسة أبنائه، وفي فرصة عمل شاب من أسرته.
وهنا لا يعود السؤال: هل الكرة تُلهي الناس عن السياسة؟
السؤال الأكثر جدية هو: هل تستطيع السياسة أن تجعل نجاح الكرة جزءاً من تحسين حياة الناس؟
إذا كان الجواب نعم، فإن الملاعب تصبح استثماراً، والبطولات تصبح رافعة، والشعبية الرياضية تتحول إلى قوة اقتصادية وسياسية ناعمة. أما إذا بقيت المكاسب الرمزية منفصلة عن الحياة اليومية، فإن الفجوة بين صورة المغرب الذي يربح في الملاعب وصورة المواطن الذي يكافح في السوق ستظل قائمة، مهما ارتفع عدد الكؤوس ومهما لمعَت الملاعب.
ومن هنا فإن النقد الحقيقي لا ينبغي أن يستهدف كرة القدم، بل أن يستهدف غياب الحساب السياسي والاجتماعي للعائد.
لا أحد يعترض من حيث المبدأ على أن يصبح المغرب قوة رياضية وقوة سياحية وقوة استثمارية. لكن المواطن يريد أن يعرف نصيبه من هذه القوة. يريد أن يفهم لماذا تنفق الدولة اليوم، وماذا سيعود عليه غداً، ومن سيتحمل الكلفة إذا لم يتحقق العائد المنتظر.
وهذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً لأن المغرب لا يتحرك في ظرف مالي عادي. فصندوق النقد الدولي يرى أن النمو ظل قوياً، وأن الاستثمارات الكبرى تدعم الاقتصاد، وأن العجز يتجه تدريجياً نحو الانخفاض، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى استمرار الحاجة إلى معالجة البطالة، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحقيق نمو أكثر شمولاً.
أي أن المعادلة ليست بين “الرياضة” و”الفقر”، كما يحاول البعض أحياناً اختزالها.
المعادلة الحقيقية هي بين الاستثمار والنمو من جهة، وعدالة توزيع ثمار النمو من جهة أخرى.
وهذا فرق جوهري.
فإذا كانت الملاعب والطرق والمطارات والفنادق ستخلق اقتصاداً أكثر إنتاجية، فذلك مكسب. وإذا كان هذا الاقتصاد سيولد وظائف حقيقية، ويرفع السياحة، ويجذب الاستثمار، ويخلق شركات وخدمات جديدة، فإن الإنفاق الرياضي يصبح جزءاً من سياسة تنموية لا مجرد سياسة استعراضية.
لكن إذا كان المواطن لا يرى سوى الكلفة ولا يرى العائد، فإن الخطاب الاقتصادي مهما كان دقيقاً سيظل عاجزاً عن إنتاج الثقة.
ومن هنا يمكن فهم حساسية العبور السياسي للقجع.
لقد انتقل من فضاء كان يستطيع فيه أن يتحدث عن الإنجاز إلى فضاء سيُطلب منه أن يتحدث عن الاختيار.
الإنجاز يقول: انظروا ماذا بنينا.
أما السياسة فتسأل: لماذا بنيناه؟ وكم كلف؟ ومن استفاد؟ وما الذي كان يمكن أن نبنيه بدلاً منه؟ وما الذي سنفعل به بعد عشر سنوات؟
وهذا هو السؤال الذي سيلاحق لقجع أكثر من أي سؤال آخر.
فالرجل يقف اليوم عند تقاطع ثلاث سلطات رمزية: سلطة الكرة التي تمنح الفرح، وسلطة الميزانية التي تحدد الأولويات، وسلطة السياسة التي تطلب الشرعية. وإذا استطاع أن يوحد هذه السلطات حول مشروع يجعل الاستثمار الرياضي منتجاً، والنمو شاملاً، والقدرة الشرائية محمية، فقد يكون قد صنع نموذجاً جديداً للفاعل السياسي المغربي.
أما إذا انفصلت هذه الدوائر عن بعضها، فقد تتحول قوته نفسها إلى نقطة ضعف: نجاح رياضي يرفع سقف التوقعات، ومسؤولية مالية تجعل كل درهم موضع مساءلة، ودخول سياسي يضعه مباشرة أمام المواطن.
لهذا فإن المعركة المقبلة لن تكون بين لقجع وخصومه فقط.
والتحدي الحقيقي ليس اختيار أحدهما وإلغاء الآخر، لأن الدولة التي تريد أن تصبح قوة اقتصادية ورياضية لا تستطيع أن تعيش من دون الاستثمار، كما لا تستطيع أن تستمر من دون شرعية اجتماعية.
التحدي هو أن تثبت أن المغرب الذي يملأ المدرجات بالفرح قادر أيضاً على أن يملأ حياة المواطن بالثقة.
وهنا، بالضبط، تبدأ السياسة.
لأن فوزي لقجع لم يعد مطالباً فقط بأن يشرح للمغاربة لماذا يحتاج المغرب إلى ملاعب كبيرة.
إنه مطالب، بعد عبوره إلى السياسة، بأن يشرح لهم ماذا سيكسبون هم من كل ذلك.
وهذا السؤال، مهما كانت الإجابة، لن تحسمه الأرقام وحدها، ولن تحسمه الكؤوس وحدها.
سيحسمه المواطن عندما يضع يده في جيبه، وينظر إلى ما تبقى فيه، ثم يقارن بين المغرب الذي يراه في الملعب والمغرب الذي يعيشه في البيت.
هناك فقط ستعرف الدولة إن كان الاستثمار في الصورة قد أصبح استثماراً في الإنسان.
وهناك أيضاً سيعرف لقجع، لأول مرة، أن إدارة الميزانية شيء… وإدارة الشرعية شيء آخر.