أوزين يقلب الطاولة: من معركة الدفاع عن النفس إلى مساءلة من يصنع الرواية

0
64

لم يكن رد محمد أوزين الأخير مجرد محاولة للرد على ما نُشر عنه، ولا مجرد انفعال سياسي أمام هجوم إعلامي جديد. من يقرأ النص كاملاً، لا يلتقط فقط حجم الغضب الذي يحمله، وإنما يلاحظ أن الرجل اختار هذه المرة أن يغيّر اتجاه المعركة نفسها: بدل أن يبقى في موقع السياسي الذي يُسأل عن شقته وقرضه ومرآبه وصوره وعلاقاته، قرر أن يضع صاحب المنبر الذي يوجه إليه هذه الأسئلة تحت الضوء، وأن ينقل النقاش إلى مساحة أخرى تتعلق بالإعلام والمال والنفوذ والدعم العمومي والانتخابات، قبل أن يعود إلى التفاصيل الشخصية التي يقول إنها استُعملت ضده. بهذا المعنى، لا يقدم أوزين نفسه في هذا الرد باعتباره شخصاً يريد فقط دفع التهمة عنه، وإنما باعتباره طرفاً قرر أن يقول لخصمه، وبصورة مباشرة: إذا كانت المساءلة حقاً مهنياً، فهي ليست طريقاً في اتجاه واحد.

هذه النقلة هي أهم ما في النص، وربما أهم من اللغة الحادة التي اختارها أوزين في أجزاء منه. فهو يبدأ من اتهام خصمه بأنه فقد البوصلة، وأنه جعل من محمد أوزين شماعة يعلق عليها ما يعتبره فشل مخططاته في الهيمنة والاستحواذ على مقدرات الحقل الإعلامي الوطني، ثم يربط ذلك بما يسميه «الريع» و«الابتزاز» و«المساومة»، قبل أن يذهب إلى المؤسسة المهنية نفسها، أي المجلس الوطني للصحافة، ويضع خصمه في موقع من يقول إنه لم يعد منسجماً مع ما يفترض أن تكون عليه المهنة، بل ينتظر أن تلفظه المؤسسات المهنية التي، في نظره، تسلل إليها على حساب الكفاءات والأقلام الصحافية. قد تبدو هذه اللغة، للوهلة الأولى، جزءاً من قاموس السجالات الشخصية، لكنها تحمل في عمقها سؤالاً أكبر: من يملك حق تمثيل الصحافة، ومن يملك حق تعريف من هو الصحافي المهني ومن هو خارج المهنة، ومن يراقب هذا المجال عندما يصبح هو نفسه موضع خلاف حول النفوذ والتمثيلية والمال؟

وهذا السؤال لم يأت في فراغ. فالمشهد الصحافي المغربي يعيش بالفعل منذ فترة على وقع صراع مؤسساتي وتشريعي حول المجلس الوطني للصحافة، وحول تمثيلية الصحافيين والناشرين، وحول حدود التنظيم الذاتي للمهنة. وقد دخل هذا النقاش مراحل قانونية وسياسية متتالية، بما فيها قرار المحكمة الدستورية بشأن القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس، ثم العودة إلى المسار التشريعي. ولذلك فإن إدخال أوزين للمجلس الوطني للصحافة في رده لا يمكن اعتباره تفصيلاً عرضياً؛ فهو يحاول أن يضع خصومته الشخصية داخل سياق أوسع، وكأنه يقول إن القضية ليست خلافاً بين شخصين بقدر ما هي جزء من معركة حول من يملك سلطة التأثير داخل الحقل الإعلامي ومن يستفيد من هذه السلطة. لكن هنا ينبغي أن يبقى الفرق واضحاً بين ما يقوله أوزين وبين ما تثبته الوثائق: وجود أزمة أو نقاش مؤسساتي حول الصحافة لا يثبت تلقائياً كل الاتهامات التي يوجهها إلى شخص بعينه، كما أن استعمال مصطلحات مثل «الهيمنة» و«الاستحواذ» يحتاج إلى أدلة مستقلة إذا أريد تحويله من توصيف سياسي إلى حقيقة صحافية.

بعد ذلك يأخذ الرد منحى أكثر حساسية عندما يستحضر أوزين واقعة الحكم القضائي المتعلق بنشر أخبار زائفة حول صحة جلالة الملك، ويستخدمها للتشكيك في أهلية خصمه الأخلاقية لتقديم نفسه باعتباره حارساً للحقيقة والوطن والمؤسسات. وهنا أيضاً تظهر الطريقة التي يبني بها أوزين حجته: هو لا يناقش المنشور الذي أغضبه فقط، وإنما يبحث عن سجل سابق لدى صاحبه يريد من خلاله أن يقول إن من يمارس المساءلة يجب أن يكون هو نفسه قابلاً للمساءلة. غير أن هذه النقطة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة؛ فوجود حكم قضائي، إذا كان ثابتاً، واقعة مستقلة يمكن الإشارة إليها، لكن لا يجوز أن تتحول تلك الواقعة وحدها إلى دليل على صحة كل الاتهامات الأخرى التي يوجهها أوزين إلى خصمه. هذه الحدود مهمة، ليس حماية للخصم، وإنما لأن أوزين نفسه يضع في قلب رده قاعدة يمكن أن تنقلب عليه إن لم يلتزم بها: لا يكفي أن تقول، بل يجب أن تثبت.

ثم تأتي الصورة القديمة لولي العهد الأمير مولاي الحسن، التي يقول أوزين إنها استُعملت في سياق الحديث عن هجرة الشباب إلى المدينتين المحتلتين بطريقة توحي بأنها مرتبطة بالحدث. وهنا يفتح الرد، من حيث لا يبدو، باباً مهماً حول صناعة السياق في الإعلام الرقمي. فالصورة القديمة ليست بالضرورة صورة كاذبة، لكن الصورة الحقيقية يمكن أن تصبح مضللة إذا وُضعت في سياق يجعل القارئ يعتقد أنها التُقطت في لحظة أخرى أو مرتبطة بحدث لم تكن جزءاً منه. ولهذا فالسؤال الصحافي الحقيقي ليس فقط: هل الصورة حقيقية؟ وإنما: متى التقطت؟ في أي مناسبة؟ كيف قدمت؟ وما النص الذي رافقها؟ وما الانطباع الذي يمكن أن يخرج به المتلقي؟ هنا يصبح السياق جزءاً من الحقيقة نفسها، ويصبح استعمال صورة صحيحة في سياق خاطئ أحد أشكال التلاعب التي لا تقل خطورة عن اختلاق صورة من الأصل.

ومن الصورة ينتقل أوزين إلى الانتخابات، وهذه النقلة ليست اعتباطية. فهو يتهم خصمه بتصعيد الهجوم على السياسيين والتشكيك في الانتخابات في وقت يقترب فيه الاستحقاق الانتخابي، وباستعمال صور قديمة وجديدة لاستقبالات سياسية بطريقة يقول إنها توحي بأن المشهد السياسي كله مجرد فرجة أو مسرحية. لا يمكن، بالطبع، أن نستنتج من التزامن وحده وجود أجندة منظمة أو نية مسبقة لتقويض المؤسسات، لكن التوقيت يظل عنصراً مشروعاً في القراءة الصحافية عندما يتكرر ويتقاطع مع طبيعة المحتوى. فأوزين ليس مواطناً عادياً يدافع عن حياته الخاصة، وإنما أمين عام حزب سياسي يوجد داخل معركة انتخابية، وصورته الشخصية مرتبطة، شئنا أم أبينا، بصورة حزبه وحضوره السياسي. ولذلك فإن أي حملة مستمرة تستهدف صورته في هذه المرحلة تحمل أثراً انتخابياً محتملاً، حتى لو لم يكن ذلك هو الهدف المقصود. وهنا تحديداً يبدأ السؤال الذي يتركه الرد مفتوحاً: هل نحن أمام ممارسة صحافية صدامية ترى أن دورها هو التشكيك وكشف ما تعتبره اختلالات، أم أمام خطاب يمكن أن يتحول، عن قصد أو من دون قصد، إلى جزء من عملية أوسع لإضعاف الثقة في السياسيين والمؤسسات والانتخابات؟ لا يمكن حسم هذا السؤال بالانطباع، وإنما بالنمط والوقائع والمصادر والتوقيت.

لكن أوزين لا يتوقف عند الصورة والانتخابات. الجزء الأكثر أهمية في رده ربما يبدأ عندما يضع المال في قلب المعركة. فهو يسأل، بصراحة شديدة، عن الأموال التي يقول إن خصمه كان يتلقاها من أموال دافعي الضرائب، ويتحدث عن رقم يقارب المليار، ثم يطرح السؤال الذي يبدو أنه يريد أن يجعل منه محور المواجهة المقبلة: إذا كان هذا الريع قد جف، فمن أين جاءت الإمكانات التي سمحت بالانتقال إلى إنتاج الأفلام والمسلسلات؟ ومن أين جاءت الموارد التي صنعت هذه المقاولة الإعلامية؟ وما هو المسار الذي قاد إلى هذا الموقع؟ هنا ينتقل السجال من الصحافة إلى الاقتصاد السياسي للإعلام، ومن سؤال «ماذا يقول الصحافي؟» إلى سؤال «كيف يعمل الصحافي ومن أين يأتي المال الذي يتحرك في محيطه؟».

وهذه في حد ذاتها أسئلة مشروعة، بل يمكن أن تكون مادة تحقيق مستقلة لا علاقة لها بأوزين ولا بخصمه، إذا وضعت على أساس الوثائق والأرقام والسجلات. أما الرقم الذي ذكره أوزين والاتهامات المتعلقة بالدعم والريع، فلا ينبغي التعامل معها كحقائق مثبتة لمجرد ورودها في الرد؛ تحتاج إلى وثائق رسمية ومسارات مالية قابلة للتحقق. لكن قيمة هذه الفقرة في رد أوزين لا تتوقف على إثبات الاتهام من عدمه، لأنها تكشف بوضوح استراتيجية الرجل: هو يريد أن يجعل السؤال عن المال متبادلاً. إذا كان من حق الإعلام أن يسأل السياسي عن مصادر ثروته وقروضه وممتلكاته، فمن حق المجتمع أيضاً أن يعرف كيف تمول المؤسسات الإعلامية، ومن يستفيد من المال العمومي، وما هي قواعد الاستفادة، وكيف تتوزع الموارد، ومن يملك النفوذ داخل هذا المجال. وبعبارة أخرى، فإن أوزين يحاول أن ينقل السؤال من «من أين لك هذا؟» إلى «من أين لكم أنتم هذا؟».

ومن هنا يمكن فهم واحدة من أكثر الجمل دلالة في الرد: دعوته خصمه إلى الخروج في مناظرة «لننهي النقاش وتنجلي الحقيقة»، وترك الحكم للمغاربة. قد تبدو العبارة مجرد تحدٍ في خضم الغضب، لكنها في الحقيقة محاولة لتغيير قواعد اللعبة. في المنشورات، يستطيع كل طرف اختيار الصورة والجملة والعنوان والواقعة التي يريد إبرازها، بينما تفرض المناظرة شكلاً من أشكال التكافؤ: سؤال مقابل سؤال، جواب مقابل جواب، ودليل في مواجهة دليل. إذا كان لدى خصم أوزين ملف يتعلق به، فليضعه أمامه، وإذا كان لدى أوزين ما يقوله عن خصمه، فليضعه أمامه، وليترك الطرفان للجمهور مهمة الحكم. غير أن المناظرة تضع أوزين نفسه أمام التزام لا يقل عن التزام خصمه؛ فمن يطلب المواجهة العلنية يصبح مطالباً بأن يأتي بما وعد به، وأن يحول التلميح إلى وثيقة والاتهام إلى دليل. ولذلك فإن قوة هذه الدعوة ليست في التحدي اللفظي، وإنما في قدرتها المحتملة على نقل المواجهة من حرب منشورات إلى مواجهة حول الوقائع.

بعد ذلك يدخل الرد منطقة أكثر حساسية، حين ينتقل أوزين من الإعلام والمال والانتخابات إلى تفاصيل شخصية تتعلق بالشقة والقرض والمرآب وحماة أوزين، ثم يسخر من إدخال أسماء مثل «كاتي» و«فاتي» و«نانسي» في السجال، قبل أن يلوح بفتح ملفات أشد حساسية تتعلق بفيلا بوسكورة وفيلا أنفا، ويتساءل عن موقف سهام مكوار مما جرى. هنا ترتفع حرارة النص بوضوح، لكن هنا أيضاً يجب أن يكون الصحافي أكثر حذراً لا أقل. فهناك فرق بين أن تكون للمعلومة الخاصة علاقة مباشرة بالمصلحة العامة، وبين أن تتحول الحياة الخاصة إلى وسيلة لإنتاج التشهير. إذا كان الحديث عن شقة أو قرض أو مرآب يستهدف إثبات تضارب مصالح أو مخالفة قانونية، فالملف مشروع ويجب أن يقدم بالدليل؛ أما إذا كان الهدف مجرد الإيحاء، فإن التفاصيل الشخصية لا تصبح حقائق لمجرد تكرارها. والأمر نفسه ينطبق على الاتهامات التي وجهها أوزين إلى خصمه بشأن حياته الخاصة؛ ما لم تكن مدعومة بوثائق أو أحكام أو مصادر مستقلة قابلة للتحقق، فإنها تبقى في إطار ما يقوله أوزين عن خصمه، لا في إطار الوقائع التي يمكن للصحافة أن تتبناها.

وهنا تحديداً تظهر مفارقة في رد أوزين تستحق التوقف عندها: الرجل ينتقد خصمه لأنه، بحسب روايته، يحول حياة الآخرين إلى مادة للفرجة والتشهير، لكنه يقترب في بعض فقرات رده من اللغة نفسها التي ينتقدها. وهذا لا يلغي حقه في الدفاع عن نفسه، ولا يلغي احتمال أن تكون لديه معلومات حقيقية، لكنه يجعل أفضل دفاع سياسي له هو أن يلتزم بالقاعدة التي يطالب بها خصمه: الدليل قبل الاتهام. فإذا كان لديه ما يثبت أن ما قيل عنه كاذب، فليقدمه؛ وإذا كانت هناك وثائق تكشف تلاعباً أو تضليلاً، فلتظهر؛ أما الانتقال من «سأفضحك» إلى «لدي ملفات أخطر عليك» فيبقي المواجهة داخل دائرة الحرب النفسية، ولا ينقلها بعد إلى مستوى الحقيقة.

ومع ذلك، فإن هذه الفقرة تكشف شيئاً مهماً عن درجة التوتر التي بلغتها المواجهة. لم يعد أوزين يرد على مقال أو منشور؛ لقد قرر أن يقول لخصمه، عملياً، إن فتح الملفات يمكن أن يكون متبادلاً، وإن ما لدى أحد الطرفين عن الآخر قد يكون أكثر مما ظهر حتى الآن. ولذلك فإن كلمة «يتبع» التي ختم بها النص ليست مجرد خاتمة شكلية. إنها وعد، ولكنها أيضاً ورقة ضغط. تقول للخصم إن الجولة لم تنته، وتقول للجمهور إن هناك شيئاً آخر سيأتي، وتقول ضمنياً إن أوزين لا يعتبر ما نشره سوى بداية. لكن هذه الكلمة نفسها ترفع سقف التزامه؛ فإذا جاء الجزء الثاني بوثائق وأرقام ومسارات مالية ومهنية قابلة للتحقق، فإن «يتبع» ستتحول إلى بداية فصل جديد في المواجهة، أما إذا جاء بجولة أخرى من الشتائم والتلميحات، فقد تنقلب على صاحبها، لأن من يرفع سقف المعركة يرفع معه سقف الإثبات.

وإذا وضعنا كل هذه الخيوط جنباً إلى جنب، تظهر الصورة الأكثر وضوحاً: أوزين لا يقول فقط «أنا بريء مما تقولون»، بل يقول لخصمه: «إذا كنتم تريدون مساءلتي، فسأمساءلكم أيضاً». هذه ليست مجرد مناورة لغوية، وإنما محاولة لاستعادة المبادرة. فالسياسي الذي يبقى دائماً في موقع المدافع يسمح لخصمه بتحديد الأسئلة والموضوعات والزوايا، أما السياسي الذي يجعل صاحب المنبر نفسه مضطراً إلى الإجابة عن الأسئلة التي كان يوجهها إليه، فإنه يعيد توزيع الأدوار. هكذا تحول السؤال من «من أين لأوزين شقة؟» إلى «من أين جاء هذا النفوذ الإعلامي؟»، ومن «من أين جاء قرض أوزين؟» إلى «من أين جاءت الموارد التي بنت هذه المؤسسة؟»، ومن «ما علاقة أوزين بهذه الصورة؟» إلى «ما علاقة الصورة بسياقها الحقيقي؟»، ومن «لماذا يرد أوزين؟» إلى «لماذا يهاجم الإعلام السياسيين والمؤسسات والانتخابات في هذه اللحظة؟». بهذه الطريقة لا يجيب أوزين فقط عن أسئلة موجهة إليه؛ إنه يحاول إعادة صياغة أجندة النقاش نفسها.

وهذا هو التحول السياسي الأهم في الرد. لكن لا ينبغي أن يقودنا ذلك إلى المبالغة في الدفاع عنه. فأوزين سياسي وأمين عام حزب، والانتخابات تقترب، ومن الطبيعي أن يكون دفاعه عن صورته جزءاً من معركته السياسية. كما أن خصمه، إذا كان يطرح أسئلة حول السياسيين، يملك الحق في طرحها. لكن الحق في السؤال لا يعني الحق في إصدار الحكم، والحق في الرد لا يعني الحق في إطلاق اتهام بلا دليل. ولذلك فإن أقوى دفاع يمكن أن نقدمه لأوزين ليس القول إن كل ما قيل عنه كذب، وإنما المطالبة بقاعدة واحدة على الجميع: افتحوا الملفات كاملة. إذا كانت هناك وثائق حول ممتلكاته أو قروضه أو علاقاته أو قراراته، فلتنشر؛ وإذا كانت هناك مخالفات، فلتثبت؛ وإذا كانت هناك أموال عمومية، فلتكشف مساراتها؛ وإذا كانت هناك اتهامات باطلة، فلتسقط بالوثيقة. وبالمقابل، إذا كان أوزين يتحدث عن الدعم والتمويل والريع والنفوذ الإعلامي، فعليه هو أيضاً أن يقدم ما يثبت ما يقول. عندها فقط يمكن أن تتحول هذه المواجهة من حرب كلام إلى نقاش عمومي.

ولعل هذا هو الجانب الذي يتجاوز أوزين وخصمه معاً. فالمعركة، في ظاهرها، بين سياسي وصاحب منبر إعلامي، لكنها في عمقها تضع أمامنا أربعة ملفات متداخلة: السياسة، والإعلام، والمال، والانتخابات. وعندما تدخل هذه العناصر الأربعة في لحظة واحدة، يصبح من الصعب اختزال كل ما يجري في خلاف شخصي. فالسؤال عن استقلال الإعلام مشروع، والسؤال عن المال العمومي مشروع، والسؤال عن تضارب المصالح مشروع، والسؤال عن استعمال الصور والسياقات مشروع، كما أن مساءلة السياسيين حق لا يمكن مصادرته. لكن الحقوق نفسها تصبح أكثر قيمة عندما تكون متبادلة، وعندما تخضع القاعدة ذاتها للجميع: السياسي يُساءل، والصحافي يُساءل عن أدواته ومصادره عندما يكون ذلك متعلقاً بالمصلحة العامة، والمال العمومي يخضع للشفافية أينما ذهب، والصورة توضع في سياقها، والاتهام يحمل دليله.

لهذا يبدو رد أوزين مختلفاً عن رد سياسي تقليدي يكتفي بالنفي أو التبرير. هو لم يقل فقط «لا تصدقوا ما يقال عني»، وإنما حاول أن يقول: «اسألوا أيضاً عن الجهة التي تصنع هذه الرواية، وعن المال الذي يتحرك خلفها، وعن النفوذ الذي يمنحها القدرة على التأثير». قد تكون بعض فرضياته بحاجة إلى إثبات، وقد تكون بعض عباراته جزءاً من حرارة المواجهة، لكن الحركة السياسية داخل النص واضحة: أوزين يريد الانتقال من موقع المتهم إلى موقع السائل، ومن الدفاع عن الصورة إلى مساءلة من يصنع الصورة، ومن الرد على الأجندة التي يفرضها خصمه إلى محاولة فرض أجندة مضادة. وهذا في حد ذاته تغيير في قواعد اللعبة.

لكن نجاح هذه المناورة لن يتحدد بقوة العبارات، ولا بحدة الشتائم، ولا بحجم التهديدات. سيتحدد بما سيأتي بعدها. فإذا كان لدى أوزين فعلاً ما يثبت ما قاله عن التمويل والدعم والريع والنفوذ، فالمكان الطبيعي لهذه المعطيات هو الوثيقة لا التلميح. وإذا كان لدى خصمه ما يثبت ما قاله عن أوزين، فالمكان الطبيعي له هو أيضاً الوثيقة لا الإيحاء. أما إذا استمر الطرفان في تبادل الملفات الشخصية والتهديد بفتح المزيد من الأسرار، فإن الجمهور لن يحصل في النهاية إلا على المزيد من الضجيج، وستتحول المعركة من مساءلة سياسية وإعلامية إلى سوق مفتوحة للاتهامات المتبادلة.

وفي هذا السياق تحديداً تكتسب دعوة أوزين إلى المناظرة معناها الحقيقي. فإذا كان مستعداً لأن يجلس وجهاً لوجه مع خصمه، وأن يجيب عن الأسئلة التي يطرحها، وأن يطالبه في المقابل بالإجابة عن الأسئلة التي طرحها هو، فإن المناظرة يمكن أن تصبح فرصة لإعادة النقاش إلى مكانه الطبيعي: الحقيقة. أما إذا بقيت مجرد تحدٍّ لفظي، فإنها لن تضيف شيئاً إلى حرب المنشورات. لذلك فإن الكرة، بعد هذا الرد، لم تعد في ملعب أوزين وحده. لقد وضعها في ملعب خصمه أيضاً.

وهنا نصل إلى السؤال الذي تركه أوزين مفتوحاً بكلمة واحدة: «يتبع».

هل سيكون الجزء المقبل بداية كشف حساب فعلي، أم مجرد جولة أخرى من حرب الأعصاب؟ هل ستظهر الوثائق التي يلوح بها؟ هل ستتحول دعوة المناظرة إلى مواجهة حقيقية؟ وهل سيرد خصمه على الأسئلة الجديدة بالطريقة نفسها التي كان يطالب بها أوزين بالرد على أسئلته؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد قيمة الجولة الحالية، لأن السياسي الذي يقرر قلب الطاولة يجب أن يكون مستعداً للجلوس في وسطها، ومن يطالب بالشفافية يجب أن يقبل أن تشمل الشفافية الجميع، ومن يقول «بالمكشوف» يجب أن يكون مستعداً لأن يكون كل ما يقوله قابلاً للفحص.

في النهاية، لا تكمن أهمية هذا الرد في أنه أشد قسوة من الردود السابقة، وإنما في أنه نقل المعركة من سؤال «ماذا يملك أوزين ليبرر؟» إلى سؤال أوسع: من يملك حق صناعة الرواية، ومن يراقب من يراقب، ومن يملك المال والنفوذ والقدرة على التأثير في الرأي العام؟ هنا بالضبط خرج أوزين من خانة الدفاع إلى الهجوم، ومن موقع المتلقي للأسئلة إلى موقع من يطرحها. وقد يكون هذا مجرد رد غاضب في لحظة مواجهة، وقد يكون بداية استراتيجية سياسية وإعلامية أوسع. وحدها الخطوة التالية ستكشف ذلك. أما الآن، فقد حدث شيء واحد لا يمكن تجاهله: أوزين لم يعد يقبل أن تكون المعركة حوله وحده. لقد قرر أن يجعلها معركة على من يصنع الرواية نفسها.