من جغرافيا المكان إلى شعرية الذاكرة: قراءة جمالية في الديوان الشعري -التشكيلي “أصوات المدينة” للشاعرة الإيطالية آنا ماريا غالو والفنان المغربي محمد نجاحي

0
110
غلاف الديوان الشعري التشكيلي (أصوات المدينة) للشاعرة الإيطالية آنا ماريا غالو
غلاف الديوان الشعري التشكيلي (أصوات المدينة) للشاعرة الإيطالية آنا ماريا غالو

حين يتحول الوطن إلى قصيدة، وتصبح القصيدة وطناً:

لا يكتب الشعر الأمكنة كما تكتبها كتب الجغرافيا، ولا كما ترسمها الخرائط أو تلتقطها عدسات المصورين. فالمكان، حين يدخل فضاء القصيدة، يفقد حدوده الفيزيائية ليغدو حالة وجدانية، وذاكرةً حيّة، ونظاماً من الرموز والصور والانفعالات التي تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم. ولهذا فإن المدن العظيمة لا تعيش في التاريخ وحده، بل تعيش أيضاً في الشعر؛ لأن القصيدة هي الذاكرة الأكثر قدرة على إنقاذ الأمكنة من زوالها، وهي التي تمنحها حياة ثانية داخل الوجدان الإنساني. ومنذ هوميروس، مروراً بدانتي، ولوركا، ونيرودا، وحتى شعراء الحداثة، ظل المكان أحد أهم الأنساق المؤسسة للكتابة الشعرية، لأنه ليس مجرد إطار للأحداث، بل أحد أبطالها الحقيقيين.

ضمن هذا الأفق الجمالي تنبثق تجربة الشاعرة الإيطالية آنا ماريا غالو Anna Maria Gallo في ديوانها “أصوات المدينة”، الذي لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد مجموعة من القصائد المستوحاة من رحلاتها إلى المغرب، ولا بوصفه نصا سياحيا يصف المدن والأسواق والمناظر الطبيعية، بل باعتباره تجربة شعرية وإنسانية عميقة، تنبني على إعادة اكتشاف المغرب بوصفه فضاءً للمعنى، ومجالاً للحوار بين الثقافات، ومرآة ترى فيها الذات الأوروبية وجهاً آخر لإنسانيتها. فالشاعرة لا تدخل المغرب من بوابة الغرائبية أو الانبهار السطحي، وإنما من باب الإصغاء إلى تفاصيل الحياة اليومية، والإنصات إلى نبض الإنسان البسيط، والاحتفاء بما هو هامشي وعابر، حتى يتحول العادي إلى شعر، واليومي إلى ذاكرة، والمشهد البصري إلى رؤية وجودية.

وإذا كانت معظم الكتابات الأوروبية عن المغرب، منذ القرن التاسع عشر، قد خضعت بدرجات متفاوتة لما سماه إدوارد سعيد بـ”التمثيل الاستشراقي”، حيث يُقدَّم الشرق بوصفه فضاءً للغرابة والإثارة والاختلاف، فإن “أصوات المدينة” تنتمي إلى أفق مغاير تماما. نحن هنا أمام كتابة لا تنظر إلى المغرب باعتباره ذلك “الاخَر Exotic”، وإنما باعتباره شريكا في التجربة الإنسانية. ولذلك لا تكتب الشاعرة ما يثير العين بقدر ما تكتب ما يمس القلب. لا تتوقف طويلاً عند فخامة القصور أو فرادة المعالم السياحية، بل تقترب من الناس، والأسواق، ورائحة الشاي، وصمت الصحراء، ووجوه الحرفيين، ونساء ينسجن الصوف في قرية جبلية، ورجل عجوز يجلس أمام دكانه، وطفلة تحمل الماء من بئر في عمق الصحراء، وحتى من قطط المدينة العتيقة التي تجد في امرأة بسيطة ملاذا ورحمة. هكذا تتحول القصيدة إلى شكل من أشكال العدالة الرمزية، تمنح الصوت لمن لا يسمعهم التاريخ الرسمي.

إن أول ما يلفت الانتباه في هذا الديوان هو أن المغرب لا يظهر فيه باعتباره موضوعاً خارجياً، بل باعتباره تجربة داخلية. فالشاعرة لا تصف ما رأته، وإنما تعيد كتابة ما عاشته. وبين الرؤية والعيش مسافة جمالية هائلة؛ لأن الرؤية قد تظل سطحية وعابرة، بينما العيش يفترض التورط الوجداني والانخراط في تفاصيل المكان. ولذلك تبدو القصائد وكأنها لا تستعيد مشاهد محفوظة في الذاكرة، بل تستدعي حياة كاملة ما تزال تنبض في أعماق الشاعرة، حتى بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على رحلتها الأولى إلى المغرب. فالزمن، في هذا الديوان، لا يمحو التجربة، وإنما يرسخها، والذاكرة لا تعمل بوصفها أرشيفا للماضي، بل باعتبارها طاقة خلاقة تعيد إنتاج الماضي داخل الحاضر، وتمنحه دلالة جديدة.

ومن هنا يكتسب عنوان الديوان (أصوات المدينة)، أهميته الرمزية. فالشاعرة لا تختار كلمة “المدينة” لأنها تحيل إلى فضاء عمراني، بل لأنها تشير إلى كيان ثقافي وإنساني تتقاطع داخله الأصوات والروائح والألوان واللغات والحكايات. أما “الأصوات” فلا تعني الضجيج، وإنما تعني الذاكرة. إنها أصوات الأشخاص الذين التقَتهم، وأصوات الأسواق، ونداء المؤذن، وحفيف النخيل، وخطوات العابرين، وضربات مطرقة صانع الزليج، وحتى الصمت العميق الذي يسكن الصحراء. المدينة هنا لا تُرى فقط، بل تُسمع أيضاً، وكأن الشاعرة تريد أن تؤكد أن معرفة الأمكنة لا تتحقق بالبصر وحده، وإنما بجميع الحواس.

إن المدن الكبرى لا تصنعها الحجارة وحدها، وإنما تصنعها الأصوات التي تسكنها. صوت المؤذن وهو يشق سكون الليل، صوت النساجات في قرية آسني وهن يحولن الصوف إلى ذاكرة، صوت الأطفال الذين يلعبون في الأزقة الضيقة، صوت الخطى فوق حجارة المدينة العتيقة، صوت الباعة في الأسواق، صوت الريح وهي تعبر الصحراء، وحتى صوت الصمت نفسه وهو يستقر بين جدران الرياضات القديمة. وهكذا تتحول المدينة في هذا الديوان إلى كائن يتنفس، ويتذكر، ويحلم، ويحزن، ويمنح ساكنيه جزءا من روحه.

وليست مصادفة أن تتكرر في قصائد الديوان مفردات من قبيل الريح، الصحراء، الغبار، الضوء، الغروب، النخيل، الزليج، الكسكس، الشاي، الأذان، الأسواق، الأزقة، الجبال، الأطلس، القطط، الأطفال، النساء الناسجات… فهذه المفردات لا تؤدي وظيفة زخرفية، وإنما تشكل معجماً رمزياً متكاملاً، تتحول داخله الأشياء اليومية إلى علامات ثقافية وروحية. فالكسكس، على سبيل المثال، لا يظهر باعتباره طبقا شعبيا، وإنما باعتباره طقسا اجتماعيا يعيد ترميم العلاقات الإنسانية كل يوم جمعة. والصحراء ليست فراغاً جغرافيا، وإنما صورة للروح وهي تبحث عن ذاتها. والمدينة القديمة ليست مجرد عمران أثري، بل كتاب مفتوح على قرون من الذاكرة. وهذا التحول من الوصف إلى الرمز هو الذي يمنح القصائد بعدها الإنساني، ويحررها من خطر التسجيل الفولكلوري.

ولعل هذه النزعة الحسية لدى الشاعرة هي إحدى السمات الأساسية لهذا الديوان. فالنصوص لا تبني عالمها بواسطة الوصف الخارجي، وإنما من خلال شبكة كثيفة من الإحالات الحسية: رائحة زيت الأركان، عبير الياسمين، طعم التين الشوكي، حرارة الشاي بالنعناع، خشونة الطين، نعومة الصوف، زرقة الزليج، احمرار تراب مراكش، بياض ثلوج الأطلس، وصمت الكثبان الرملية. وهكذا يصبح الجسد، بكل حواسه، وسيطا معرفيا، ويتحول الشعر إلى ممارسة إدراكية تتيح للإنسان أن يعيد اكتشاف العالم عبر اللمس والشم والذوق والإنصات، لا عبر الرؤية وحدها. وهو ما يذكرنا بما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو-بونتي حين اعتبر أن “الجسد ليس مجرد أداة للإدراك، بل هو الشرط الأول لكل علاقة بالعالم”.

غير أن ما يمنح هذا الديوان فرادته لا يكمن في القصائد وحدها، بل أيضا في الحوار العميق الذي يقيمه مع الأعمال التشكيلية للفنان المغربي محمد نجاحي. فالكتاب لا يجمع بين الشعر والرسم على نحو اعتباطي، بل يؤسس لما يمكن تسميته بـ”النص المركب”، حيث تتجاور الكلمة واللون، ويتحول كل منهما إلى امتداد للآخر. ثم إن لوحات نجاحي لا تشرح القصائد، كما أن القصائد لا تصف اللوحات؛ وإنما يدخل الطرفان في علاقة تفاعلية، يضيء فيها كل خطاب ما يعجز الخطاب الآخر عن قوله. فحين تصمت اللغة، يتكلم اللون، وحين يتوارى اللون خلف التجريد، تستعيده القصيدة بالكلمات.

ثم إن ما يثير الانتباه أيضاً في هذا الديوان هو أن الشاعرة تنجح في تجاوز الثنائية التقليدية بين “الأنا” و”الآخر”. فهي لا تتعامل مع المغرب بوصفه “آخر” مختلفاً، بل بوصفه امتداداً لذاتها. ولذلك فإن القصائد لا تتحدث عن المغاربة بضمير الغائب، وإنما تجعلهم شركاء في التجربة الشعرية. فحين تتحدث عن النساجات في آسني، لا تصف حركة أيديهن فحسب، بل ترى في كل عقدة من السجاد حكاية إنسانية، وفي كل خيط امتدادا للزمن. وحين تكتب عن “كريمة”، لا تقدم شخصية عابرة من المدينة، بل تجعل منها رمزا للعطاء الصامت، وللقدرة على تحويل الرحمة إلى أسلوب في الحياة. وحتى الطفل الذي يهديها “وردة الصحراء” لا يبقى طفلاً عاديا، وإنما يتحول إلى استعارة للنقاء الذي لا يزال يقاوم قسوة العالم. تلك كتابة تؤمن بأن الإنسان هو أجمل ما في المكان.

شعرية الضيافة، المغرب بوصفه أخلاقاً جمالية في ديوان (أصوات المدينة):

هناك أمكنة تستقبل الزائر، وهناك أمكنة تستقبله الحياة التي تنبض داخلها. والفرق بين الاستقبالين كبير؛ ففي الأول يشعر الإنسان بأنه عابر سبيل، أما في الثاني فيحس أنه يعود إلى مكان كان يعرفه منذ زمن بعيد، حتى لو لم تطأه قدماه من قبل. وهذا هو الإحساس الذي يتولد لدى قارئ ديوان (أصوات المدينة) للشاعرة آنا ماريا غالو، فالمغرب الذي تكتبه آنا ماريا ليس بلدا يثير الفضول، ولا مشهدا سياحيا مدهشا، بل هو فضاء للضيافة، بالمعنى الثقافي والروحي للكلمة.

والضيافة هنا لا تُختزل في تقديم كأس من الشاي بالنعناع، أو في استقبال الضيف داخل البيت، وإنما تتحول إلى رؤية للعالم، حيث يصبح الآخر امتداداً للذات، لا نقيضاً لها. وهذه الفكرة تتردد، بصورة غير مباشرة، في معظم القصائد. ففي كل نص تقريباً، نجد باباً مفتوحاً، أو يداً ممدودة، أو ابتسامة، أو مائدة، أو كلمة ترحيب، أو فعلاً صغيراً من أفعال الكرم الإنساني. إن الشاعرة لا تصف الضيافة المغربية باعتبارها عادة اجتماعية، وإنما باعتبارها فلسفة عيش. وهي بذلك تلتقط أحد أعمق عناصر الثقافة المغربية، حيث لم يكن الكرم، عبر التاريخ، مجرد سلوك فردي، بل كان تعبيرا عن تصور كامل للعلاقة بالإنسان، سواء جاء من الجوار القريب أو من أقاصي الكوكب.

الشاي طقسٌ ثقافي لا مشروبٌ يومي:

قد يبدو غريبا أن يحضر الشاي في هذا الديوان بهذه الكثافة، لكنه في الحقيقة لا يؤدي وظيفة وصفية، بل وظيفة رمزية. فكلما ظهر كأس الشاي، بدا وكأنه يوقف الزمن، ويؤسس فضاءً للحوار، ويعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم. لا يُقدَّم الشاي ففي الثقافة المغربية لإرواء العطش، بل لإعلان بداية اللقاء. إنه زمن خارج الزمن العملي؛ زمن الحديث، والإنصات، والانتظار، والمشاركة. ولهذا تلتقطه الشاعرة بوصفه علامة على حضارة تؤمن بأن العلاقات الإنسانية لا تُبنى بالعجلة، وإنما بالتؤدة. والشاعرة هنا لا تصف طعم الشاي فقط، بل تصف الإيقاع الذي يخلقه. فالبخار الصاعد من الكأس يتحول إلى استعارة للصعود الهادئ للذاكرة، ورائحة النعناع تصبح رائحة المكان نفسه، حتى ليبدو أن المغرب كله يمكن أن يُختصر، في لحظة شعرية واحدة، في كأس شاي يتصاعد منه الضوء والمذاقات الجارفة.

الخبز والطاجين والكسكس حين تتحول المائدة إلى نص ثقافي:

إذا كان الشاي هو طقس اللقاء، فإن الطعام، في هذا الديوان، يصبح طقس الجماعة. فالطاجين، والكسكس، والخبز، ليست أطعمة فحسب، وإنما علامات على ثقافة تؤمن بأن المشاركة تبدأ حول المائدة. ومن اللافت أن الشاعرة لا تتحدث عن المطبخ المغربي بوصفه غرابة فلكلورية، بل بوصفه لغة للعائلة. فالطاجين الذي ينضج ببطء يشبه العلاقات الإنسانية التي تحتاج إلى زمن كي تنضج، والكسكس الذي يجمع الجميع حول طبق واحد يصبح استعارة للوحدة داخل التنوع. وهنا يتقاطع النص الشعري مع الأنثروبولوجيا الثقافية؛ إذ تتحول المائدة إلى فضاء لإنتاج المعنى، لا إلى فضاء للاستهلاك. إن الطعام هنا يحمل ذاكرة الأمهات والجدات، ويحمل أيضاً استمرارية الطقوس التي تربط الأجيال بعضها ببعض.

الحِرَفي المغربي فنان وفيلسوف يعمل بيديه:

من أكثر الشخصيات حضورا في الديوان شخصية الحِرَفي. لكنه لا يظهر بوصفه صانعا لسلعة أو إحدى المشغولات اليدوية التقليدية، بل بوصفه حافظا للزمن. ثم هناك النساجات في أسني، وصانع الزليج، والباعة في السوق، وصانع الحقائب، كلهم لا يؤدون وظيفة اقتصادية فحسب، بل يؤدون وظيفة حضارية. إنهم ينقلون المعرفة من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل، حتى تبدو الحرفة نفسها شكلاً من أشكال الذاكرة. وقد التقط محمد نجاحي، من خلال أعماله التشكيلية المصاحِبة للقصائد في الديوان، هذا البعد بذكاء بصري واضح. فلوحاته لا تمجد المنتج النهائي بقدر ما تمجد أثر اليد. إن آثار الفرشاة، وخشونة السطح، وتراكب الطبقات اللونية، كلها تجعل اللوحة تبدو هي أيضا عملا حرفيا، لا منتجا صناعيا. وكأن الفنان، مثل الشاعرة، يريد أن يقول إن قيمة الفن لا تكمن في الكمال التقني وحده، بل في الأثر الإنساني الذي تتركه اليد في المادة.

المرأة المغربية من صورة فولكلورية إلى رمز للخلق والاستمرارية:

تُعد صورة المرأة من أكثر الصور تكرارا في الديوان، لكنها لا تُقدَّم بوصفها موضوعا للجمال الخارجي، ولا باعتبارها شخصية ثانوية تدور حول الرجل، بل بوصفها مركزاً للحياة. فحين تخيط أمل قفطانها من بقايا الأقمشة، فهي تحول الفقر إلى إبداع. وحين تحرس أمينة البئر، فهي تحول الماء إلى ذاكرة. وحين تطعم كريمة القطط، فإنها تحول الرعاية إلى رسالة. وحين تقوم النسّاجات ينسج الصوف، فهن ينسجن معه الزمن نفسه. المرأة، في هذه القصائد، ليست رمزا للزينة، وإنما رمز للخلق. فهي التي تحفظ الطقوس، وتنقل الذاكرة، وتعيد إنتاج الحياة اليومية بصبر لا يراه أحد. ومن هنا يكتسب حضورها بعدا حضاريا، لأن الشاعرة تنظر إليها بوصفها إحدى الدعائم الصامتة التي يقوم عليها المجتمع.

ولا تنطلق هذه المقاربة من قراءة أدبية خالصة، ولا من مقاربة تشكيلية منفصلة، وإنما من تصور نقدي يرى أن هذا الديوان مشروع جمالي واحد، يتداخل فيه الشعر بالفن التشكيلي، والذاكرة بالمكان، والثقافة المغربية بالوجدان الإنساني الكوني. ولذلك كان الهدف هنا هو تحليل البنيات الشعرية والجمالية التي يقوم عليها الديوان، والكشف عن الكيفية التي يتحول بها المغرب، في تجربة آنا ماريا غالو، من فضاء جغرافي إلى فضاء رمزي، ومن موضوع للكتابة إلى ذاتٍ فاعلة داخلها. كما كان الضروري التوقف عند الأعمال التشكيلية لمحمد نجاحي، بوصفها خطابا بصريا يوازي القصيدة ويعمق أفقها الدلالي، لنخلص في النهاية إلى أن “أصوات المدينة” ليس مجرد ديوان عن المغرب، بل هو قصيدة طويلة في مديح الإنسان، واحتفاء نادر بقيم الجمال، والضيافة، والذاكرة، والحوار بين الثقافات.

ديوان (أصوات المدينة)، من الحوار الفني إلى الحوار الحضاري:

لا يقف هذا المشروع المشترك بين الشعري والتشكيلي حول المدينة عند حدود العلاقة بين الشعر والرسم، بل يتجاوزها ليصبح نموذجاً لما يمكن أن ينجزه الفن حين يتحرر من الحدود الجغرافية. فها هي شاعرة إيطالية تكتب المغرب بوصفه تجربة وجدانية، ويأتي فنان مغربي ليترجم هذه التجربة بلغة اللون، من دون أن يذوب أحدهما في الآخر أو يفقد خصوصيته.

إن ما يجمعهما ليس الانتماء الوطني، ولا اللغة، ولا المرجعية الثقافية الواحدة، بل الإيمان بأن الجمال قادر على أن يصنع لغة مشتركة بين البشر. ومن هنا يغدو هذا الكتاب مثالاً حياً للدبلوماسية الثقافية التي لا تقوم على الخطابات الرسمية، وإنما على قوة الإبداع في بناء جسور التفاهم والاعتراف المتبادل. ولعل القيمة الكبرى لهذا التلاقي تكمن في أنه يقدّم المغرب لا باعتباره موضوعاً للتمثيل، بل باعتباره فضاءً للإلهام، ومختبراً تتجاور فيه الحرفية التقليدية مع الحساسية المعاصرة، والذاكرة مع الابتكار، والمحلي مع الكوني.

لذلك فإن (أصوات المدينة) ليس ديواناً عن المغرب فحسب، بل هو مشروع جمالي وإنساني تتقاطع فيه الشعرية، والفنون البصرية، والذاكرة، والدبلوماسية الثقافية، وأن هذا العمل يستحق أن يُقرأ بوصفه أحد أجمل النصوص الأوروبية التي كتبت عن المغرب خلال العقود الأخيرة. كما سأضيف في النهاية قائمة مراجع عربية وأجنبية تُضفي على الورقة طابعاً أكاديمياً متكاملاً.

“أصوات المدينة”… حين يصبح الشعر جسراً بين الحضارات:

في نهاية هذه الرحلة النقدية الطويلة داخل ديوان «أصوات المدينة»، يبدو واضحاً أننا لسنا أمام تجربة شعرية عابرة كتبتها شاعرة أوروبية عن بلد زرته في رحلات متكررة، وإنما أمام مشروع جمالي وإنساني شديد العمق، استطاع أن يحول المغرب من موضوع للكتابة إلى شريك في إنتاجها، ومن فضاء جغرافي إلى فضاء رمزي يسكن الذاكرة، ويعيد تشكيل رؤية الإنسان للعالم.

لقد كشفت قراءة هذا الديوان أن آنا ماريا غالو لم تكتب المغرب بعين السائحة التي تلتقط الصور، ولا بعين الرحالة الذي يسجل الملاحظات، ولا حتى بعين الشاعرة التي تكتفي بالانفعال الجمالي، وإنما كتبته بعين الإنسان الذي سمح للمكان بأن يغيره من الداخل. ومن هنا جاءت قصائدها مشبعة بذلك الصدق الوجداني الذي لا يمكن أن ينتجه الانبهار العابر، بل تصنعه المعايشة الطويلة، والإصغاء العميق، والقدرة على تحويل التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية قابلة للمشاركة.

إن ما يلفت الانتباه في هذا الديوان هو أن المغرب لا يحضر بوصفه صورة سياحية تستجيب لمخيلة استشراقية قديمة، بل يحضر بوصفه فضاءً أخلاقياً وجمالياً، يكتشف فيه الإنسان معنى الضيافة، والعمل، والصبر، والحرفة، والبساطة، والكرامة، والذاكرة. ولذلك فإن القصائد لا تنشغل بالاستثناء، وإنما تحتفي بالعادي، ولا تبحث عن البطولة في الشخصيات الكبرى، وإنما تعثر عليها في النساجة، وبائعة الحقائب، وصانع الزليج، والعجوز الجالس أمام متجره، والطفلة التي تخيط قفطانها من بقايا الأقمشة، والمرأة التي تحمل الماء في عمق الصحراء، والرجل الذي ظل كرسيه شاهداً على حضوره بعد رحيله.

وهكذا يتحول الإنسان المغربي، داخل هذا الديوان، إلى حامل لقيم كونية، لا لأنه يمثل ثقافة بعينها، بل لأنه يجسد في حياته اليومية ما أصبح العالم المعاصر يفتقده شيئا فشيئا: البطء، والدفء الإنساني، والكرم، والوفاء للمكان، واحترام الزمن، والإيمان بالعمل اليدوي، وبالجمال الذي يولد من البساطة. ومن جهة أخرى، يمكننا القول بأن المكان، في (أصوات المدينة)، لا يؤدي وظيفة خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى بطل شعري حقيقي. فالمدينة العتيقة، والصحراء، وجبال الأطلس، ووادي أوريكة، والصويرة، وساحة جامع الفنا، لا تظهر بوصفها معالم سياحية، وإنما باعتبارها كائنات حية تمتلك ذاكرتها الخاصة، وتشارك الإنسان في صناعة هويته. ومن هنا استطاعت آنا ماريا غالو أن تحقق ما نادراً ما يتحقق في شعر الرحلة، وهو الانتقال من وصف المكان إلى كتابة روح المكان.

لقد أصبح المغرب، في هذه القصائد، مكاناً يُشم قبل أن يُرى، ويُسمع قبل أن يُوصف، ويُحس قبل أن يُفسَّر. فالروائح، والألوان، والأصوات، والمذاقات، والملامس، كلها تتحول إلى لغة شعرية كاملة، تجعل القارئ يعيش التجربة، لا يقرأ عنها فقط. وهذا ما يمنح الديوان تلك الكثافة الحسية التي تجعل القصيدة أقرب إلى التجربة الوجودية منها إلى النص الأدبي. ومن أبرز النتائج التي تقود إليها هذه القراءة أن المشروع الشعري لآنا ماريا غالو يتجاوز حدود الأدب، ليصبح مشروعاً في الدبلوماسية الثقافية بالمعنى العميق للكلمة. فالشاعرة لا تمثل ثقافتها وهي تنظر إلى المغرب من علٍ، ولا تتخلى عن هويتها كي تذوب في هوية أخرى، وإنما تنجح في إقامة حوار متوازن بين ضفتين، حيث تظل كل ثقافة محتفظة بفرادتها، لكنها تنفتح، في الوقت نفسه، على إمكانية التعلم من الأخرى. وهنا تتجلى القوة الحقيقية للفن؛ فهو لا يفرض خطاباً، بل يبني جسوراً، ولا ينتصر لهوية على حساب أخرى، بل يجعل الاختلاف نفسه مصدراً للإثراء.

حوار الكلمة واللون، قراءة جمالية في الأعمال التشكيلية لمحمد نجاحي المصاحبة لديوان “أصوات المدينة:

إذا كانت القصيدة هي الفن الذي يجعل اللغة مسموعة ومرئية في الوقت نفسه، فإن اللوحة هي الفن الذي يجعل اللون يتكلم. وعندما يجتمع الشعر والتشكيل داخل كتاب واحد، لا يكون الأمر مجرد تجاور بين وسيطين فنيين، وإنما يصبح حواراً بين نظامين مختلفين لإنتاج المعنى. ولذلك فإن الأعمال التشكيلية التي أنجزها الفنان المغربي محمد نجاحي لهذا الديوان لا ينبغي النظر إليها بوصفها رسوما توضيحية للنصوص، لأن وظيفة الرسم التوضيحي تنتهي عند ترجمة المعنى الظاهر للقصيدة، بينما تذهب هذه الأعمال إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إنها تؤسس لخطاب بصري مستقل، يمتلك منطقه الجمالي الخاص، لكنه يدخل في الوقت نفسه في حوار عميق مع العالم الشعري الذي تبنيه آنا ماريا غالو.

إن القارئ، منذ الوهلة الأولى، يشعر بأن الكتاب لم يُنجز بمنطق الإضافة، بل بمنطق الوحدة. فالكلمات لا تستدعي اللوحات بعد انتهائها، كما أن اللوحات لا تأتي لتشرح القصائد، وإنما يبدو الطرفان وكأنهما ولدا معاً من رحم تجربة واحدة، هي تجربة العشق العميق للمغرب. ولهذا فإن العلاقة بين النص والصورة ليست علاقة تفسير، وإنما علاقة تواشج، حيث يفتح كل خطاب أفقاً جديداً للخطاب الآخر، ويقترح عليه إمكانات جديدة للتأويل. وهنا تبرز قدرة محمد نجاحي على اختياره لغة تشكيلية لا تخضع للإيهام الواقعي، ولا تستسلم للنقل الفوتوغرافي، بل تعتمد على الاختزال، وعلى تفكيك الكتلة المعمارية، وإعادة تركيبها داخل فضاء تجريدي تغلب عليه الإيقاعات اللونية والعلاقات الهندسية. إن الفنان لا يرسم مراكش كما تبدو للعين، وإنما كما تستقر في الذاكرة، وكما تتحول إلى طاقة بصرية داخل المخيلة والعين.

اللون الترابي… حين تتحول الذاكرة إلى مادة تشكيلية:

أول ما يستوقف المتأمل في اللوحات هو هيمنة اللون الترابي بدرجاته المختلفة؛ الأحمر القاني، والأوكر Ocre، والبنّي، والبرتقالي المحروق، وهي الألوان التي تشكل الهوية البصرية لمراكش، حتى أنها استحقت لقب “المدينة الحمراء” بامتياز. غير أن نجاحي لا يوظف هذه الألوان بوصفها إحالة مباشرة إلى عمران المدينة، وإنما يجعلها تتحول إلى مادة شعورية. فاللون الأحمر في هذه الأعمال ليس لون التراب فقط، بل لون الزمن الذي تراكم فوقه، ولون الشمس التي مرّت عليه آلاف المرات، ولون الأيدي التي صنعت الطين، ثم بنت به البيوت والأسوار والأقواس. إنه لون الذاكرة الجماعية، أكثر منه لون العمارة.

وهذا ما يجعل اللوحة لا تقدم المدينة باعتبارها مشهدا معماريا، بل باعتبارها كائنا حيا، ينبض بحرارة الأرض المغربية. فالجدران لا تبدو صامتة، وإنما تشع بطاقة داخلية، وكأنها تحتفظ بأصوات الذين مروا منها، وبخطوات الحرفيين، وبصدى الأسواق، وبحكايات النساء اللواتي عبرن هذه الأزقة منذ قرون. ومن هنا يلتقي اللون، في اللوحة، مع اللغة، في القصيدة. فكما تجعل آنا ماريا غالو من المكان ذاكرة حسية، يجعل محمد نجاحي من اللون ذاكرة بصرية. كلاهما لا يمثل الواقع، بل يمثل أثره في الوجدان.

عمل فني لمحمد نجاحي
عمل فني لمحمد نجاحي

العمارة… من البناء إلى الإيقاع:

تبدو العمارة المغربية، في هذه الأعمال، وكأنها فقدت حدودها الواقعية لتتحول إلى بنية موسيقية. فالنوافذ، والأبواب، والأقواس، والأسطح، والسلالم، لا تؤدي وظيفة معمارية، بل تدخل في شبكة من العلاقات الإيقاعية التي تمنح اللوحة حركتها الداخلية. لا يهتم محمد نجاحي برسم الواجهة كما هي، وإنما يبحث عن إيقاعها الخفي؛ عن العلاقة بين الكتلة والفراغ، وبين الضوء والظل، وبين الامتلاء والانفتاح. ولهذا تغيب المنظورات التقليدية، لتحل محلها رؤية أقرب إلى التجريد البنائي، حيث تصبح المدينة نظاما من العلامات البصرية، لا مجرد مجموعة من الأبنية.

وهذا الاختزال يقودنا إلى فكرة جوهرية مفادها أنّ الفنان لا يرسم ما تراه العين، وإنما ما تبقى في الذاكرة بعد أن غادرت العين المكان. إن اللوحة، بهذا المعنى، ليست تمثيلاً للمدينة، بل هي ذاكرة المدينة نفسها. ومن هنا نفهم لماذا تبدو الأعمال جميعها وكأنها معلقة بين الواقع والحلم؛ فهي لا تنتمي إلى التجريد الخالص، كما لا تنتمي إلى التشخيص الواقعي، وإنما تقيم في تلك المنطقة الوسطى التي تتحول فيها الأشياء إلى رموز.

الضوء… العنصر الغائب الحاضر:

من الناحية التقنية، تكاد جميع اللوحات تُبنى على حضور الضوء أكثر من حضور الشكل. فالضوء ليس مصدرا خارجيا يضيء الكتل، وإنما ينبعث من داخل اللون نفسه. وهذه الخاصية تذكرنا مباشرة بقصائد الديوان، حيث لا يأتي الضوء من الشمس وحدها، بل من الإنسان أيضاً. فإذا كانت “أمل” تضيء بقفطانها البسيط. وكريمة تضيء برحمتها. وأمينة تضيء بالماء. فإن لوحات الفنان محمد نجاحي تضيء بصمتها، وكذلك المدينة في لوحات نجاحي؛ فهي لا تحتاج إلى شمس كي تتوهج، لأن الضوء يسكن طينها نفسه. ولذلك فاللون عند نجاحي ليس سطحا، بل مصدر إشعاع. إنه ضوء داخلي، يجعل المدينة تبدو كما لو كانت تستيقظ من ذاكرتها الطينية والعضوية الخاصة.

الهندسة المغربية… حين تتحول الزخرفة إلى شعر بصري:

من أكثر العناصر حضورا في هذه الأعمال تلك البنية الهندسية المستمدة من العمارة المغربية التقليدية. فالفنان يستعيد الأقواس، والمربعات، والمستطيلات، والإيقاعات العمودية والأفقية، لكنه لا يقدمها بوصفها عناصر زخرفية، وإنما يجعلها أساسا لبناء اللوحة. وهنا يبرز التأثير العميق لفن الزليج المغربي. غير أن نجاحي لا ينقل الزليج كما هو، بل يعيد تفكيكه. فالزليج في العمارة يقوم على التكرار الهندسي المنضبط، بينما يتحول في اللوحة إلى إيقاع حر، يسمح للعين بأن تنتقل بين الكتل كما تنتقل بين أبيات قصيدة. ولذلك تبدو اللوحات، في كثير من الأحيان، وكأنها قصائد هندسية. وهذا ما يجعلها تلتقي مباشرة مع إحدى أجمل قصائد الديوان، وهي قصيدة (الزليج)، مما يمنح للإجراء التشكيلي في اللوحات نوعا من الشعرية الهادئة، بعيدا عن صراخ الألوان والمادة.  وإذا كانت الشاعرة آنا ماريا غالو ترى أن الزليج يحول الرياضيات إلى شعر. فمحمد نجاحي يحول الشعر نفسه إلى هندسة لونية. إنهما يلتقيان عند الفكرة نفسها، لكن كل واحد منهما يعبر عنها بلغته الخاصة.

عمل فني لمحمد نجاحي
عمل فني لمحمد نجاحي

الفراغ… العنصر الأكثر حضوراً في أعمال محمد نجاحي:

من يطيل النظر في هذه الأعمال الفنية يلاحظ أن الفنان لا يملأ سطح اللوحة بالكامل، بل يترك مساحات صامتة، تبدو للوهلة الأولى فارغة. غير أن هذا الفراغ ليس نقصا، بل هو جزء من التكوين. إنه الصمت داخل الموسيقى. والبياض داخل القصيدة. والتوقف داخل الإيقاع. ومن هنا يكتسب الفراغ وظيفة شعرية؛ فهو يمنح العين فرصة للتنفس، كما تمنح الوقفات الموسيقية للأذن فرصة لاستيعاب اللحن. وهذه التقنية نفسها نجدها في قصائد الديوان، حيث تكثر الجمل القصيرة، والتوقفات التأملية، والبياضات الشعورية التي تترك للقارئ حرية المشاركة في بناء المعنى.

اللوحة بوصفها مرآة للقصيدة:

حين نضع القصائد إلى جانب اللوحات، ندرك أن هناك بنية عميقة مشتركة بين الطرفين. فالقصيدة لا تبدأ من الحدث، وإنما من الإحساس. واللوحة لا تبدأ من الموضوع، وإنما من اللون حيث القصيدة تختزل اللغة. واللوحة تختزل الشكل. فيما تبحث القصيدة عن الجوهر. واللوحة عن الإيقاع. ومن هنا يمكن القول إن محمد نجاحي لم يرسم القصائد، كما أن آنا ماريا غالو لم تكتب اللوحات أو تقوم بقراءتها وتحليلها، وإنما التقيا معا (الشاعرة والرسام) عند نقطة ثالثة، هي الذاكرة الجمالية للمغرب. ولهذا فإن القارئ، بعد أن ينتهي من الكتاب، لا يستطيع أن يفصل بين الكلمة واللون، لأنهما أصبحا جزءا من التجربة الجمالية نفسها.

المغرب بوصفه وطنا جماليا، حين يصبح اللون عند محمد نجاحي ترجمة ثانية للقصيدة:

في هذا السياق يكتسب حضور الفنان محمد نجاحي في الديوان بعدا إضافيا. لكونه لا يرافق القصائد، بل يترجمها إلى لغة أخرى. فالقصيدة عند آنا ماريا غالو تبدأ بالكلمة وتنتهي بالصورة. أما اللوحة عند نجاحي فتبدأ باللون وتنتهي بالشعر. ولهذا فإن الحوار بينهما ليس حوارا بين وسيطين مختلفين، بل بين شكلين من أشكال الحساسية الجمالية. وهكذا يقوم اللون في لوحاته بالدور نفسه الذي تقوم به الاستعارة في القصيدة. حيث تؤدي الكتلة وظيفة الإيقاع. والفراغ يؤدي وظيفة الصمت. والضوء يؤدي وظيفة الكشف. إنها بنية شعرية كاملة، لكنها مكتوبة بالأصباغ والمواد بدلا من الكلمات.

كذلك لا يمكن الحديث عن هذا المشروع المشترك بين شاعرة وفنان دون التوقف عند الأعمال التشكيلية للفنان المغربي محمد نجاحي، هي التي لم تكن مجرد عنصر إخراجي يزين صفحات الديوان، وإنما كانت خطابا بصريا موازيا للخطاب الشعري، يوسع كل منهما الآخر ويعمقه ويقترح عليه أبعادا جديدة للتأويل. لقد نجح الفنان في بناء لغة تشكيلية تستلهم الذاكرة البصرية لمراكش، لكنها تتحرر من النقل الواقعي، لتعيد تركيب العمارة، واللون، والفراغ، والإيقاع، داخل فضاء تجريدي شديد الشعرية والتعبيرية. فاللون الأحمر الطيني، والأقواس، والكتل الهندسية، ومساحات الضوء، والإيقاعات البنائية، كلها لا تحيل إلى المدينة بوصفها موضوعا للرسم، وإنما إلى روحها. وهكذا التقت القصيدة واللوحة عند هدف واحد؛ كلاهما لا يسعى إلى تمثيل المغرب، بل إلى استحضاره، ولا إلى وصفه، بل إلى إعادة خلقه جمالياً.

ومن هنا يمكن القول إن (أصوات المدينة) يقدم نموذجا نادرا لما يمكن أن نسميه الكتاب متعدد الأصوات والفنون والتعبيرات؛ ذلك الكتاب الذي لا تكتمل قراءته عبر اللغة وحدها، ولا عبر الصورة وحدها، وإنما عبر الحوار المستمر بين الكلمة واللون، وبين الإيقاع البصري والإيقاع الشعري، بحيث يصبح القارئ مطالباً بأن يرى القصيدة، وأن يقرأ اللوحة، في الوقت نفسه. وإذا كان لكل كتاب سؤال مركزي يوجه بنيته العميقة، فإن السؤال الذي يحكم هذا الديوان، في تقديري، هو: كيف يمكن للفن أن يحفظ ذاكرة الأمكنة؟ والإجابة التي تقدمها آنا ماريا غالو ومحمد نجاحي معا هي أن المكان لا يخلده التاريخ وحده، بل تخلده الصداقة والحب كذلك، فالحب هو الذي يحول المدينة إلى قصيدة، والحِرَفي إلى رمز، والزليج إلى هندسة شعرية، والطاجين إلى ذاكرة، والشاي إلى لغة ضيافة، والصحراء إلى تأمل وجودي، واللون إلى صوت، والصوت إلى ذاكرة.

ولعل أجمل ما يخرج به القارئ من هذا العمل أنه لا يشعر بأنه أنهى قراءة ديوان عن المغرب، بل يشعر أنه أنهى رحلة داخل ذاته. فالمغرب، في نهاية المطاف، ليس سوى الاسم الذي اختارته الشاعرة لتسمي به تلك المساحة الإنسانية التي يلتقي فيها الجمال بالحكمة، والذاكرة بالأمل، والإنسان بالإنسان. ولذلك فإن (أصوات المدينة) لا ينتمي إلى أدب الرحلة بالمعنى التقليدي، ولا إلى الشعر الوصفي، ولا إلى الكتابة السياحية، وإنما ينتمي إلى ذلك الأدب الإنساني الكبير الذي يجعل من اللقاء بين الثقافات مناسبة لإعادة اكتشاف الذات. إنه ديوان يؤكد أن الشعر، مهما تغيرت الأزمنة، يظل قادرا على أن يكون بيتا للإنسانية، وأن الفن، حين يتحرر من الحدود واللغات والهويات المغلقة، يستطيع أن يبني ما تعجز السياسة عن بنائه: الثقة، والصداقة، والمحبة، والاعتراف المتبادل، والذاكرة المشتركة. وفي ذلك تكمن القيمة الحقيقية لهذا العمل، وفي هذا أيضاً تكمن أهميته داخل المشهد الأدبي الأوروبي المعاصر؛ فهو لا يضيف قصائد جديدة عن المغرب، بل يضيف رؤية جديدة وصورة جديدة للمغرب، رؤية تكتشف فيه ليس موضوعا للكتابة، بل شريكا في صناعة الجمال، ووطنا ثانيا لبهجة العين والروح.

عمل فني لمحمد نجاحي
عمل فني لمحمد نجاحي

كتاب شعري – تشكيلي بوسعه أن يصبح مرجعا لدبلوماسية ثقافية:

إذا تجاوزنا القراءة الأدبية أو الفنية الصرفة، بوسعنا النظر إلى هذا العمل الشعري – التشكيلي (أصوات المدينة) بوصفه وثيقة ثقافية بالغة الأهمية. فنحن نعيش زمنا أصبحت فيه صورة البلدان تُصنع، في كثير من الأحيان، عبر الأخبار السريعة أو الصور النمطية أو الخطابات السياسية، بينما يذكّرنا هذا الديوان بأن الأدب والفن يملكان قدرة أعمق على بناء صورة الشعوب، لأنهما يقدمان الإنسان قبل الحدث، والذاكرة قبل الخبر، والتجربة قبل الحكم.

ومن هنا فإن هذا العمل يؤدي، من حيث لا يدّعي، وظيفة من وظائف القوة الناعمة؛ فهو يقدّم المغرب للعالم من خلال قيمه الإنسانية والجمالية، لا عبر شعارات أو خطابات دعائية، بل عبر قصائد ولوحات تتيح للقارئ أن يكوّن علاقته الخاصة بالمكان. وهذا ما يجعل الديوان قابلاً للقراءة في سياقات متعددة: بوصفه شعرا، وأدب رحلة، وشهادة وجدانية، وحوارا بين الثقافات، ومثالاً على التفاعل الخلاق بين الكلمة والصورة.

لماذا يستحق هذا الديوان الاحتفاء؟

لأن آنا ماريا غالو لم تكتب عن المغرب من خارجه، بل كتبت من داخل كيمياءاته ونسيجه الثقافي. ولأن محمد نجاحي لم يرسم القصائد، بل فتح لها فضاءً بصريا جديدا، ولأن القارئ، وهو يغلق صفحات الكتاب، لا يشعر بأنه أنهى كتابا، بل يشعر بأنه خرج من مدينة ما تزال أصواتها تتردد في داخله. إن المدينة، في هذا الديوان، ليست مراكش وحدها، ولا الصويرة، ولا أوريكة، ولا الأطلس، ولا الصحراء. هي مدينة الإنسان نفسه؛ المدينة التي تتشكل كلما التقت ذاكرة بمكان، وكلما استطاع الفن أن يحوّل الاختلاف إلى لغة مشتركة.

ولذلك لا نرى أن الكتاب لا يمثل مجرد إضافة إلى الشعر الإيطالي المعاصر، بل يشكل إحدى أجمل التجارب الشعرية الأوروبية التي جعلت من المغرب فضاءً للإبداع، ومن التبادل الثقافي تجربة جمالية وإنسانية عميقة، تؤكد أن الشعر والفن يظلان، مهما تبدلت الأزمنة، أكثر اللغات قدرة على بناء الجسور بين الشعوب، وحفظ الذاكرة، وصناعة الأمل.

 “أصوات المدينة”… قصيدةٌ في مديح الإنسان:

وبما أنّ كل كتاب شعري حقيقي يطرح، في نهاية المطاف، سؤالاً واحدا: ماذا بقي في الإنسان بعد أن أغلق الصفحة الأخيرة؟ فالشعر لا يُقاس بعدد قصائده، ولا بمهارة صوره البلاغية، ولا بثراء معجمه اللغوي، وإنما يقاس بالأثر الذي يتركه في وجدان قارئه، وبالطريقة التي يعيد بها ترتيب علاقته بالعالم. وإذا كان هذا هو المعيار، فإن ديوان (أصوات المدينة) لا ينتهي عند آخر قصيدة، بل يبدأ منها. ذلك أن الشاعرة الإيطالية آنا ماريا غالو لا تقدم للقارئ تجربة سفر انتهت، بل تتركه داخل رحلة لا تزال مستمرة؛ رحلة لا تقود إلى المغرب وحده، وإنما إلى الإنسان الكامن في أعماقنا جميعا.

لقد استطاعت هذه التجربة الشعرية أن تتجاوز الإغراء السهل للوصف الخارجي، وأن تتجنب غواية الفولكلور، وأن تبتعد عن الصور النمطية التي كثيرا ما هيمنت على الكتابات الأجنبية عن المغرب. فلم يكن همّ الشاعرة أن تصنع من المغرب فضاءً غرائبيا يثير الدهشة، ولا أن تعيد إنتاج المخيال الاستشراقي الذي اختزل الشرق في زخارفه وألوانه وعاداته. بل اختارت، منذ القصيدة الأولى، طريقا أكثر صعوبة وأكثر صدقا؛ أن تنصت إلى نبض الحياة اليومية، وأن تمنح الكلمة لأولئك الذين لا يظهرون في كتب التاريخ: الحِرَفي، والمرأة، والطفل، والناسجة، وصاحب الدكان، ومربي القطط، وعابر السبيل، والمهاجر، والمؤذن، والبحر، والريح، والصحراء، والثلج، وحتى الكرسي الذي ظل ينتظر صاحبه بعد الرحيل.

وهنا يكمن، في تقديري، سر هذا الديوان؛ إنه لا يحتفي بالأمكنة لأنها جميلة، بل لأنها مأهولة بالناس. فالمدينة لا تصبح مدينة بجدرانها، وإنما بأصواتها؛ والصحراء لا تصبح صحراء برمالها، وإنما بصمتها؛ والجبال لا ترتفع بقممها، وإنما بما تمنحه للروح من اتساع. كل شيء، في هذا الكتاب، يستمد قيمته من الإنسان، حتى الطبيعة نفسها تبدو وكأنها تنحني أمام الكائن البشري حين يكون قادرا على أن يعيشها بمحبة وتأمل وامتنان.

ولعل أكثر ما يثير الإعجاب في تجربة آنا ماريا غالو أنها لم تكتب المغرب بعين السائحة، وإنما بعين المقيمة في الذاكرة. لقد زارت هذا البلد مرات عديدة، لكن الأهم من ذلك أنها سمحت له بأن يقيم فيها. ولذلك لا تبدو القصائد وكأنها تنقل مشاهد رأتها، بل كأنها تستعيد أجزاءً من سيرتها الذاتية وقد ذابت في تفاصيل الأمكنة. وهكذا يغدو المغرب، في هذا الديوان، ليس جغرافيا خارجية، بل جغرافيا داخلية؛ فضاءً تتقاطع فيه الذاكرة مع الحلم، والطفولة مع النضج، والرحلة مع العودة.

غير أن هذه التجربة الشعرية ما كانت لتبلغ اكتمالها لولا الحوار الخلاق الذي أقامته مع الأعمال التشكيلية للفنان المغربي محمد نجاحي. فاللوحات هنا لا تشرح القصائد، كما لا تزين صفحات الكتاب، وإنما تدخل معها في علاقة جدلية عميقة، حتى ليبدو أن اللون يواصل ما تبدأه الكلمة، وأن القصيدة تمنح اللوحة صوتها الداخلي. فمحمد نجاحي لا يرسم المدينة كما تُرى، بل كما تُتذكر؛ ولا يرسم الزليج بوصفه عنصرا زخرفيا، بل بوصفه نظاما بصريا يحمل فلسفة كاملة في الانسجام بين الوحدة والتعدد، بين الهندسة والروح، بين التراب والنور. ومن هنا يصبح الكتاب كله عملاً جماليا واحدا، تتكامل فيه الكتابة والرسم، وتتجاور فيه القصيدة واللوحة بوصفهما لغتين مختلفتين تنطقان بالحقيقة الإنسانية نفسها.

وليس من قبيل المصادفة أن يتقاطع هذا الديوان مع واحدة من أهم القيم التي تميز الثقافة المغربية، وهي الضيافة. فالضيافة هنا لا تُختزل في الطقوس الاجتماعية، ولا في تقديم الشاي أو الطعام، وإنما تتحول إلى أخلاق جمالية. إن المغرب، كما تصوره آنا ماريا غالو، لا يفتح أبواب بيوته فقط، بل يفتح أبواب ذاكرته وثقافته وإنسانيته. وهذا ما يجعل القصائد تمارس، من دون ادعاء، نوعا من الدبلوماسية الثقافية الهادئة، حيث تصبح الكلمة الشعرية وسيلة لبناء الجسور بين الشعوب، لا لتأكيد المسافات بينها.

لقد أثبت هذا الديوان أن الفن، حين يصدر عن معرفة صادقة ومحبة عميقة، يستطيع أن يكون أكثر قدرة على التقريب بين الثقافات من كثير من الخطابات السياسية والإعلامية. فالصورة التي ترسمها القصائد عن المغرب ليست صورة بلد بعيد، بل صورة بيت يمكن لكل إنسان أن يجد فيه شيئا من ذاته. ومن هنا فإن (أصوات المدينة) لا يقدم خدمة للشعر الإيطالي وحده، ولا للأدب المغربي وحده، بل يضيف إلى الأدب الإنساني نموذجا راقيا لما يمكن أن يكون عليه الحوار الثقافي حين يتحرر من الأحكام المسبقة، ومن نزعة الامتلاك، ومن غواية التمثيل الفولكلوري.

بعد قراءة هذا الديوان، لا نتذكر فقط الأزقة العتيقة لمراكش، ولا رائحة النعناع، ولا زرقة الصويرة، ولا بياض الأطلس، ولا اتساع الصحراء. إن ما يبقى في الذاكرة هو ذلك الإيمان العميق بأن العالم، رغم كل ما يمزقه من صراعات وحدود، ما يزال قادراً على أن يجتمع حول قصيدة، أو لوحة، أو كأس شاي، أو ابتسامة عابرة بين شخصين لا تجمعهما اللغة، لكن تجمعهما الإنسانية. وهنا تبلغ تجربة آنا ماريا غالو معناها الأعمق؛ فهي لا تكتب عن المغرب لأنه مختلف، بل لأنه يذكّرها، ويذكّرنا، بما فقده الإنسان المعاصر من بطء، وتأمل، ووفاء، ورحمة، وإصغاء. هكذا تعيد إلينا الشاعرة الثقة بأن الجمال ليس ترفا ثقافيا، وإنما ضرورة وجودية، وأن الشعر لا يغيّر العالم بالعنف، بل يغيّر الطريقة التي ننظر بها إليه.

ولذلك، فإن (أصوات المدينة) ليس مجرد ديوان شعري، ولا مجرد كتاب يجمع بين القصيدة واللوحة، بل هو وثيقة جمالية عن إمكانية اللقاء بين الحضارات؛ لقاء لا يقوم على الذوبان، ولا على الهيمنة، بل على الاعتراف المتبادل، وعلى الإيمان بأن الاختلاف لا يصبح ثراءً إلا حين يعبره الخيال، وتضيئه المعرفة، وتحتضنه المحبة. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن آنا ماريا غالو لم تكتب المغرب فحسب، بل كتبت صورة الإنسان حين يتصالح مع العالم، وكتب محمد نجاحي، بريشته، صورة المغرب حين يتحول إلى ضوء. وبين الكلمة واللون، وبين إيطاليا ومراكش، وبين الذاكرة والقصيدة، يولد هذا الكتاب بوصفه احتفالاً نادرا بالجمال، وإعلانا هادئا بأن الفن، مهما تعددت لغاته، لا يملك في النهاية سوى وطن واحد هو الإنسان.

الشاعرة الإيطالية آنا ماريا غالو
الشاعرة الإيطالية آنا ماريا غالو
الفنان التشكيلي المغربي محمد نجاحي
الفنان التشكيلي المغربي محمد نجاحي