في ظاهر الأمر، يبدو رد محمد أوزين على الإعلامي الغاضب مجرد انفجار جديد في مواجهة أصبحت تعرف طريقها إلى السجال الحاد. لكن قراءة الرد من داخله تكشف شيئاً آخر تماماً. أوزين لا يتصرف هنا كسياسي وجد نفسه مضطراً إلى تفنيد اتهام جديد أو الرد على إساءة شخصية، بل كسياسي أدرك أن استمرار المعركة بالطريقة التي فُرضت عليه سيبقيه دائماً في الموقع الخطأ: موقع من يشرح نفسه، بينما يحتفظ الطرف الآخر بحق السؤال والاتهام وتحديد زاوية النظر. لذلك اختار أن يغيّر قواعد المواجهة. لم يعد السؤال عنده: ماذا قيل عن أوزين؟ بل: من الذي يقول، وبأي سلطة، ولماذا الآن، ولأي غرض؟ وهذه النقلة هي أهم ما في الرد كله، لأنها تنقل أوزين من خانة الشخص الذي تتم محاصرته إعلامياً إلى خانة السياسي الذي يريد مساءلة الجهة التي نصبت نفسها مساءِلاً له. ومن هنا يمكن فهم القسوة غير المعتادة في عباراته؛ فهي ليست مجرد غضب، وإنما جزء من محاولة واعية لكسر ميزان كان مختلاً في نظره منذ البداية.
ولذلك لم يختر أوزين أن يناقش كل اتهام على حدة. كان يستطيع أن يدخل في تفاصيل الشقة والقرض والمرآب والاستقبالات والصور وغيرها، وأن يتحول إلى محامٍ عن نفسه يلاحق كل تهمة بجواب. لكنه فعل العكس تقريباً: جمع هذه التفاصيل كلها في سلة واحدة، ثم دفعها إلى خارج مركز النقاش. الرسالة هنا واضحة لمن يقرأ بين السطور: لن أقبل أن تختاروا أنتم الملفات التي يجب أن أُحاكم فيها. لأن قبول هذه اللعبة يعني أن يظل السياسي مطارداً وراء كل صورة وكل منشور وكل رواية، بينما يظل صاحب المنبر خارج دائرة المساءلة. أوزين يريد كسر هذه المعادلة تحديداً؛ يريد أن يقول إن الملف لا يبدأ عند ما نشر عنه، بل عند اليد التي اختارت أن تنشره، والتوقيت الذي اختارته، والطريقة التي قدمت بها المعلومة، وما إذا كان الهدف إخبار المواطن أم صناعة انطباع مسبق لديه. وهذه نقطة شديدة الأهمية في سياق انتخابي، لأن الخبر في السياسة لا يعيش منفصلاً عن توقيته، والصورة لا تكون بريئة دائماً من السياق الذي توضع فيه، والانتقائية قد تكون أحياناً أقوى من الكذب نفسه.
هنا أيضاً يمكن فهم سبب انتقال أوزين من الدفاع عن شخصه إلى مهاجمة ما يسميه «فراقشي الإعلام». فهو لا يريد أن يبقى الخصم شخصاً محدداً يمكن اختزال المعركة فيه، وإنما يريد أن يحوله إلى نموذج. وهذا التحويل يخدمه سياسياً أكثر مما يخدمه الهجوم الشخصي المباشر، لأنه يسمح له بأن يقول للناخب إن القضية ليست خلافاً بين رجلين، وإنما خلاف حول نوع الإعلام الذي يريد أن يكون له تأثير في السياسة. هل هو إعلام يراقب ويحقق ويسأل ويضع الوقائع أمام الناس، أم إعلام يصبح، بفعل امتلاكه المنبر والقدرة على صناعة الانتشار، طرفاً في المنافسة السياسية نفسها؟ أوزين لا يقدم جواباً نظرياً على السؤال، لكنه يضعه في قلب المعركة. وحين يفعل ذلك فإنه يفتح على نفسه أيضاً باباً للمساءلة، لكنه في الوقت نفسه يسحب خصمه من منطقة الراحة؛ فالإعلامي الذي كان يتحدث من موقع من يسأل السياسي يجد نفسه فجأة أمام سياسي يقول له: وأنا أيضاً أسألك. وهذه هي لحظة قلب الطاولة التي تجعل الرد أعمق من مجرد هجاء متبادل.
واللافت أن أوزين لا يكتفي بالطعن في النوايا، بل يكرر الحديث عن المال والريع والدعم العمومي ومصادر التمويل. وهذه ليست تفصيلة عابرة في خطابه، لأن إدخال المال يغيّر طبيعة المعركة كلها. عندما يتحدث سياسي عن مضمون مقال، يمكن أن يقال إنه يرفض النقد. أما عندما يفتح سؤال المال، فهو يريد أن ينقل النقاش إلى أرض مختلفة: إذا كان الإعلام يملك سلطة على الحياة العامة، فمن أين تأتي هذه السلطة، ومن يمولها، ومن يستفيد منها، وهل تنطبق قواعد الشفافية على الإعلام كما تنطبق على السياسي؟ هنا يصبح أوزين أكثر ذكاءً مما توحي به حدة عباراته، لأنه يعرف أن السؤال المالي لا يُحسم بالصراخ وإنما بالوثائق. وبذلك يحاول جر المعركة إلى ملعب يمكنه أن ينافس فيه خصمه بشروط أكثر تكافؤاً، بدلاً من أن يبقى أسيراً لمعادلة «الصحافي يسأل والسياسي يجيب».
وهذه النقطة بالذات تجعل دعوته إلى المناظرة ذات معنى يتجاوز الاستفزاز. فالمناظرة ليست مجرد فرصة لرفع الصوت أمام الكاميرا، وإنما إلغاء للامتياز الذي يمنحه المنبر لصاحبه. في المقال أو المنشور، يستطيع أحد الطرفين أن يضع روايته كاملة ثم يتركها تتداول دون أن يكون ملزماً بالرد الفوري على الأسئلة المضادة. أما في المواجهة المباشرة، فإن كل اتهام يصبح قابلاً للسؤال، وكل ادعاء قابلاً للتفنيد، وكل رواية قابلة للاختبار. لذلك عندما يقول أوزين، في جوهر رده، «اخرج لننهي النقاش»، فهو لا يتحدى خصمه فقط؛ بل يطلب نقل المعركة إلى مساحة يكون فيها الجمهور حاضراً بوصفه حكماً. وهذا ينسجم مع البناء الذي يحاول أوزين ترسيخه لنفسه في المرحلة الحالية: سياسي لا يريد أن يختبئ خلف موقعه الحزبي، ولا يريد أن يترك الآخرين يتحدثون باسمه، بل يريد أن يواجه مباشرة. وقد سبق له أن قدم الانتخابات المقبلة باعتبارها «معركة ثقة»، وهي عبارة تصبح أكثر دلالة عندما نضع الرد الحالي بجانبها؛ لأن استعادة الثقة لا تتم فقط عبر تقديم برنامج انتخابي، وإنما أيضاً عبر كسر الصورة التي يريد الخصوم تثبيتها عنك قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع.
ومن هنا يصبح توقيت الرد جزءاً من معناه. نحن لسنا أمام سجال وقع في فراغ سياسي، وإنما أمام مرحلة يقترب فيها المغرب من انتخابات 23 شتنبر 2026، فيما يحاول حزب الحركة الشعبية أن يعيد تقديم نفسه من موقع المعارضة. وقد اختار الحزب لحملته شعار «جا الوقت»، وهي عبارة لا تعني فقط أن الانتخابات اقتربت، بل تحمل في داخلها ادعاء سياسياً: لقد حان وقت تغيير الموازين. وفي هذا السياق، فإن أوزين لا يستطيع أن يسمح بأن تتحول كل مواجهة إعلامية إلى معركة دفاعية تستنزف رصيده السياسي. لذلك يبدو رده الحالي جزءاً من استراتيجية أكبر: كلما حاول أحد أن يحاصره في ملف، يحاول هو أن يوسع الملف إلى سؤال عن المنظومة التي أنتجت الاتهام. وكلما حاول أحد أن يجعله موضوعاً، يحاول أن يصبح هو صاحب السؤال. وهذه ليست بالضرورة استراتيجية بلا مخاطر، لكنها بالتأكيد استراتيجية واعية.
ولعل أخطر ما يفعله أوزين في هذا الرد أنه يخاطب، في الوقت نفسه، أكثر من جمهور. فهو يخاطب خصمه بلغة التحدي، ويخاطب أنصاره بلغة الصمود، ويخاطب الناخب المتردد بلغة أخرى أكثر خفاءً: لا تسمحوا لأحد أن يفكر نيابة عنكم. حين يشكك في الصور القديمة، وفي إعادة تقديم الاستقبالات السياسية، وفي طريقة صناعة القصص حول الشخصيات العامة، فهو يريد أن يحرر المتلقي من سلطة المشهد الجاهز. يريد منه أن يسأل عن التاريخ والسياق والمصدر والغاية. وهذه في جوهرها معركة على وعي الناخب، وليست مجرد معركة على صورة أوزين. فالسياسي الذي ينجح في إقناع الناخب بأن بعض ما يراه ليس الحقيقة كاملة يكون قد بدأ بالفعل في استعادة مساحة من الثقة، حتى قبل أن يقدم نفسه بديلاً سياسياً.
ولهذا أيضاً لا ينبغي أن نقرأ هجوم أوزين على التشكيك في الانتخابات والمؤسسات باعتباره دفاعاً عن السياسيين من النقد. في العمق، هناك فرق كبير بين أن تنتقد مؤسسة وأن تجعل المواطن يفقد ثقته في فكرة المؤسسة نفسها. أوزين يلمح إلى أن هناك خطاباً إعلامياً لا يكتفي بفضح اختلالات السياسيين، وإنما يدفع باتجاه تحويل السياسة كلها إلى مادة للسخرية والاشمئزاز، والانتخابات إلى مسرح، والسياسيين إلى مجموعة من الأشخاص الذين لا يستحقون الثقة. هنا يشعر أوزين أن الخطر يتجاوز شخصه وحزبه؛ لأن انهيار الثقة في السياسيين لا يضر فقط بالحكومة أو بالأغلبية، وإنما يمكن أن يضر بالمعارضة أيضاً، ويضر بالانتخابات نفسها، ويترك المواطن أمام خيار أكثر خطورة: الانسحاب من المجال العام. ولذلك فإن دفاعه عن المؤسسات، حتى وهو يهاجم ممارسات إعلامية بعينها، يمكن قراءته بوصفه محاولة لاحتلال موقع سياسي جديد: معارضة شرسة، ولكن من داخل فكرة المؤسسات، لا من خارجها.
وفي هذا المعنى تحديداً، تصبح عباراته القاسية أكثر قابلية للفهم. هو لا يريد أن يبدو ضعيفاً في مواجهة خصم إعلامي يملك أدوات الانتشار والتأثير. بل يريد أن يقول إن زمن السياسي الذي يخشى الصحافي قد انتهى بالنسبة إليه. وقد يكون هذا هو أحد أهم التحولات في شخصية أوزين السياسية خلال المرحلة الأخيرة: لم يعد يطلب فقط أن يُسمح له بالكلام، وإنما أصبح يريد أن يفرض حقه في الرد والمساءلة والمواجهة. وهذه النقلة مهمة، لأن السياسي الذي يظل في موقع الدفاع يترك للآخرين مهمة تحديد إيقاع المعركة، بينما السياسي الذي يهاجم هو الذي يفرض الإيقاع. وفي انتخابات تقوم بدرجة كبيرة على الصورة والثقة والقدرة على جذب الانتباه، فإن السيطرة على الإيقاع ليست مسألة ثانوية.
لكن أوزين، في الوقت نفسه، يترك خلف رده اختباراً لا يمكن الهروب منه. فرفع سقف المواجهة يعني أن عليه أن يكون مستعداً لما بعد الكلام. إذا كان هناك ريع، فليظهر الدليل. وإذا كانت هناك أموال عمومية، فلتظهر الوثائق. وإذا كان هناك ابتزاز، فليُكشف ما يثبته. وإذا كانت هناك روايات ملفقة، فلتوضع أمام الجمهور الوقائع التي تفككها. لأن السياسي الذي يرفع السقف بهذه القوة لا يستطيع بعد ذلك أن يعود إلى اللغة العامة. لقد وضع نفسه في منطقة الوثيقة، وهذه منطقة أكثر صعوبة لكنها أيضاً أكثر قوة. وهنا يمكن أن يتحول الرد من مجرد لحظة سجالية إلى لحظة سياسية حقيقية إذا استطاع أوزين أن يترجم ما يلوح به إلى ملفات وأدلة، لا إلى جولة جديدة من التراشق.
وهذا بالضبط ما يجعل خاتمة الرد، باستدعاء بيت عمرو بن كلثوم، أكثر من مجرد اقتباس شعري. «أبا وائل فلا تعجل علينا… وأنظرنا نخبرك اليقينا» ليست خاتمة شخص يريد إنهاء المعركة، بل خاتمة شخص يقول إن المعركة لم تصل بعد إلى مرحلتها الأخيرة. أوزين يترك الباب مفتوحاً، ويترك خصمه أمام سؤال بسيط: هل أنت مستعد لما سيأتي إذا انتقلت المواجهة من الكلام إلى الكشف؟ وفي السياسة، مجرد خلق هذا الانتظار قد يكون جزءاً من المعركة نفسها، لأنه ينقل التوتر من الطرف الذي كان يهاجم إلى الطرف الذي أصبح ينتظر ما إذا كان أوزين سيكشف فعلاً ما يلمح إليه.
لذلك، فإن الانتصار الحقيقي لأوزين في هذا الرد لا يكمن في أنه استخدم كلمات أقسى من خصمه، ولا في أنه استطاع أن يملأ مساحة إعلامية أكبر. الانتصار الحقيقي يكمن في أنه حاول أن يغيّر السؤال الذي سيحاكم من خلاله. لم يعد يريد أن يُسأل فقط: ماذا فعل أوزين؟ وإنما يريد أن يُسأل أيضاً: من يحاكم أوزين، ولماذا، وبأي أدوات، ومن يراقب من يراقب؟ وهذه نقلة سياسية كبيرة، لأنها تعيد للسياسي جزءاً من المبادرة التي يفقدها عندما يصبح الإعلام هو الذي يحدد كل يوم موضوع النقاش.
ومن هنا يمكن فهم جوهر الرد كله في جملة واحدة لم يقلها أوزين بهذه الصيغة، لكنها تسكن بين سطوره: لن أقبل أن تكونوا أنتم من يكتبون القصة وأنا مطالب فقط بالدفاع عن الشخصية التي رسمتموها لي.
إنه يريد أن يكتب قصته بنفسه، ثم يضعها أمام المغاربة.
وهنا فقط تصبح المواجهة أكثر من معركة بين أوزين وإعلامي.
إنها معركة على من يملك حق صناعة الرواية السياسية في لحظة انتخابية حاسمة.
وأوزين، من خلال هذا الرد، يقول بوضوح إنه يريد أن يكون واحداً من الذين يصنعونها، لا واحداً من الذين ينتظرون ما سيقال عنهم في صباح اليوم التالي.