يرى المفكر المصري الدكتور مصطفى الفقي أن الحرب الدائرة في غرب آسيا لم تعد مجرد مواجهة محدودة بين أطراف بعينها، وإنما تحولت إلى صراع قابل للتمدد جغرافيًا وسياسيًا، مع سعي أطراف إقليمية ودولية إلى توسيع ساحاته بما يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر صعوبة.
في قراءة سياسية نشرها الدكتور مصطفى الفقي على صفحته بموقع «فيسبوك»، يضع الصراع الراهن في الشرق الأوسط ضمن سياق أوسع من المواجهة العسكرية المباشرة، معتبرًا أن استمرار الحرب وتعدد ساحاتها قد يخدم أطرافًا ترى في الفوضى الإقليمية فرصة لتحقيق مكاسب سياسية أو أمنية أو جغرافية.
وينطلق الفقي من فرضية أساسية مفادها أن الدول والقوى التي تخوض حروبًا ذات أهداف استراتيجية لا تكتفي بالضرورة بميدان المواجهة الأصلي، بل قد تسعى إلى نقل الصراع إلى ساحات جديدة وإدخال أطراف إضافية فيه، بما يؤدي إلى زيادة تعقيد المشهد ورفع كلفة التسوية.
ويستشهد المفكر المصري، في هذا السياق، بحادثة استهداف سفينتين في ميناء دمياط المصرية بواسطة طائرة مسيّرة، معتبرًا أن مثل هذه الوقائع يمكن قراءتها، من وجهة نظره، باعتبارها جزءًا من نمط أوسع يستهدف توسيع نطاق الحرب وجر دول جديدة إلى دائرة المواجهة.
إيران.. صراع يتجاوز حدود المواجهة المباشرة
يضع الفقي إيران في مقدمة القوى التي يرى أنها تنظر إلى المواجهة الحالية من منظور إقليمي واسع، وليس باعتبارها حربًا محصورة في حدود جغرافية محددة.
ويعتقد أن طبيعة الاستراتيجية الإيرانية، كما يراها، تقوم على امتلاك شبكة واسعة من أدوات النفوذ والضغط في المنطقة، وهو ما يجعل أي مواجهة مع طهران قابلة للامتداد إلى ساحات أخرى.
ويربط الفقي هذه الرؤية بما يعتبره امتدادًا تاريخيًا للتنافس الإيراني-العربي، مستحضرًا قضية البحرين والعلاقة التاريخية بين إيران والمنطقة الخليجية، إضافة إلى قضايا أخرى مرتبطة بالنفوذ الإيراني في الإقليم.
غير أن أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في البعد التاريخي، وإنما في السؤال الذي يطرحه بشأن طبيعة الأمن الإقليمي: هل تنظر إيران إلى أمنها باعتباره منفصلًا عن أمن جوارها العربي، أم أن تصورها للأمن يقوم على امتلاك عمق استراتيجي يتجاوز حدود الدولة؟
وهنا يبرز أحد أكثر عناصر المشهد تعقيدًا؛ فكلما اتسعت دائرة النفوذ المتبادل بين القوى الإقليمية، أصبح من الصعب الفصل بين الحرب المباشرة والحرب بالوكالة، وبين الأمن القومي للدولة والتنافس على النفوذ الإقليمي.
إسرائيل.. بين الأمن القومي وحسابات التوسع
في الجانب الآخر من المعادلة، يرى الفقي أن إسرائيل تتحرك وفق تصور يتجاوز الدفاع عن حدودها المباشرة، ويصف ذلك بأنه استمرار لوهم «الدولة اليهودية الكبرى».
ويعتبر أن أحداث الـ 7 من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وما تبعها من حرب في غزة أوجدت، من وجهة نظر القيادة الإسرائيلية، فرصة لإعادة ترتيب البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل.
ويضع الفقي مصر في موقع خاص ضمن هذه الحسابات، معتبرًا أن القاهرة تمثل، بحكم وزنها السكاني والعسكري والجغرافي والسياسي، الطرف العربي الأكثر أهمية في أي محاولة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
لكن اللافت في قراءة الفقي أنه يتحدث عن الهيمنة الإقليمية والفكرية والسياسية، وهي فكرة تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة الصراع المقبل في المنطقة: هل سيكون صراعًا على الأراضي فقط، أم على قواعد النفوذ والتحالفات وموازين القوة؟
واشنطن وإسرائيل.. تحالف أم علاقة استخدام متبادل؟
لا يتعامل الفقي مع العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية باعتبارها علاقة أحادية الاتجاه، بل يقدم قراءة تقوم على فكرة «الاستخدام المتبادل».
فبينما تستخدم إسرائيل الدعم الأمريكي لتعزيز قدراتها العسكرية والسياسية، يرى الفقي أن الولايات المتحدة تستفيد بدورها من إسرائيل باعتبارها قوة عسكرية متقدمة وقادرة على لعب أدوار أمنية في منطقة شديدة الحساسية للمصالح الأمريكية.
ويربط الفقي هذه الاستراتيجية الأمريكية بموقع الشرق الأوسط في منظومة الطاقة والتجارة الدولية، وبأهمية الممرات البحرية الكبرى، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، إلى جانب المضائق والممرات التي تتحكم في حركة التجارة بين القارات.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل الحرب الحالية أكبر من مجرد صراع إسرائيلي-إيراني؛ إذ إن أمن الممرات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية يحول أي تصعيد كبير إلى قضية دولية.
ومن هذا المنظور، تصبح السيطرة على الممرات البحرية أو تهديدها وسيلة ضغط استراتيجية، حتى عندما لا يكون الهدف المعلن لأي طرف هو السيطرة المباشرة عليها.
الحرب الطويلة.. من المستفيد؟
من أكثر أفكار الفقي إثارة في مقاله حديثه عن الأطراف التي قد تستفيد من استمرار الحرب، حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا فيها.
فالحرب الطويلة تعيد ترتيب التحالفات، وتضعف بعض القوى، وتفتح المجال أمام قوى أخرى لزيادة نفوذها، كما تؤدي إلى إعادة تشكيل أسواق الطاقة والممرات التجارية والإنفاق العسكري.
وفي هذا السياق، يرى الفقي أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يتحول إلى جزء من صراع دولي أكبر، خصوصًا في ظل المنافسة الأمريكية-الصينية والتنافس الروسي-الغربي.
وبحسب هذا المنظور، فإن كل جولة تصعيد لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية المباشرة، وإنما بما تتركه خلفها من تغييرات في موازين القوى.
روسيا والصين والهند.. اللاعبون الذين يراقبون من خارج الميدان
يذهب الفقي إلى أن إطالة أمد الصراع قد تكون لها تداعيات على موقع القوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة.
فروسيا، التي تمتلك مصالح استراتيجية في الشرق الأوسط، يمكن أن تجد نفسها أمام بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا، بينما تنظر الصين إلى المنطقة من زاوية مختلفة تقوم أساسًا على الطاقة والتجارة والاستقرار.
أما الهند، فتحتفظ بعلاقات مهمة مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات ومصالح مع دول الخليج وإيران، الأمر الذي يجعلها لاعبًا حذرًا في أي إعادة تشكيل للتحالفات الإقليمية.
ومن هنا، فإن الشرق الأوسط لا يتحرك في فراغ؛ فكل تغير في موازين القوة الإقليمية ينعكس على المنافسة الدولية الأوسع.
الخلاف العربي-الإيراني.. التاريخ لا يفسر الحاضر وحده
يتوقف الفقي أيضًا عند ما يعتبره جذورًا تاريخية للتوتر بين العرب والإيرانيين، مؤكدًا أن هذا الخلاف لا ينبغي اختزاله في الانقسام المذهبي بين السنة والشيعة.
ويشير إلى أن الشيعة العرب، في رؤيته، جزء أصيل من المجتمعات والدول العربية، وأن التوتر الذي يتحدث عنه يتعلق أساسًا بالعلاقة بين المشاريع السياسية والقومية للدول، وليس بالانتماء المذهبي.
وهذه نقطة مهمة في قراءة الصراع، لأن اختزاله في صراع سني-شيعي قد يحجب عوامل أخرى أكثر تأثيرًا، مثل التنافس على النفوذ، وأمن الخليج، والحدود، والطاقة، والممرات البحرية، والتحالفات العسكرية.
هل تتجه المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة؟
في المحصلة، يقدم مصطفى الفقي قراءة ترى أن الحرب الحالية تحمل مخاطر تتجاوز أطرافها المباشرة، وأن أخطر ما فيها ليس فقط قوة الضربات العسكرية، وإنما قابلية الصراع للانتقال من ساحة إلى أخرى.
فاستهداف الممرات البحرية قد يوسع دائرة التدخل الدولي، والضغط على دول الجوار قد يدفعها إلى اتخاذ إجراءات أمنية جديدة، بينما يؤدي استمرار العمليات إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
لكن تحويل هذه المخاوف إلى حرب إقليمية شاملة ليس أمرًا حتميًا. فهناك مصالح قوية لدى معظم القوى الإقليمية والدولية في منع الانفلات الكامل، خصوصًا أن حربًا واسعة قد تهدد أسواق الطاقة والتجارة العالمية وتفتح أبوابًا يصعب على أي طرف التحكم في نتائجها.
وتكمن المفارقة الأساسية في أن الأطراف التي قد تعتقد أنها تستطيع استخدام الفوضى لتحقيق مكاسب محددة قد تكتشف لاحقًا أن الفوضى نفسها أصبحت أقوى من قدرة الجميع على إدارتها.
وهنا تبدو خلاصة قراءة الفقي أقرب إلى تحذير استراتيجي: كلما اتسعت ساحات الحرب، لم يعد السؤال متعلقًا بمن يربح المعركة، وإنما بمن يستطيع منع المعركة من التحول إلى نظام إقليمي جديد تحكمه القوة وحدها.
فالشرق الأوسط لا يواجه فقط حربًا بين إيران وإسرائيل، وإنما يواجه اختبارًا لمستقبل التوازن الإقليمي بأكمله؛ اختبارًا ستكون نتيجته مرتبطة بقدرة الدول العربية وتركيا وإيران وإسرائيل والقوى الكبرى على رسم حدود للصراع قبل أن تتحول الحدود نفسها إلى وقود لجولة جديدة من الحرب.


