حين يخرج الخلاف من الندوة الصحفية: واقعة سعيد ولد الحوات تفتح سؤال كرامة الصحفي ومسؤولية المنظم

0
107

انتهت الندوة الصحفية لموسم مولاي عبد الله أمغار، المنظم بمدينة الجديدة، إلى واقعة دفعت الجمعية المغربية للصحافة الجهوية إلى إصدار بلاغ في اليوم الموالي، معلنة رفضها لما وصفته بسلوك مسيء إلى صحفيين كانوا يؤدون مهامهم المهنية، فيما كان الفنان سعيد ولد الحوات طرفاً في الواقعة. وبين رواية الجمعية وما يمكن أن تقدمه الأطراف الأخرى من توضيحات، انتقل النقاش من برنامج الموسم وفقراته الفنية إلى سؤال أكثر حساسية: أين تنتهي حرية الفنان في الاعتراض على الصحافة، وأين تبدأ الحدود التي تحمي كرامة الصحفي أثناء ممارسة مهنته؟

وبحسب البلاغ الصادر عن الجمعية المغربية للصحافة الجهوية يوم 15 غشت، فإن الواقعة شهدت مواجهة أو سلوكاً اعتبره عدد من الصحفيين الحاضرين مسيئاً إليهم، وكان الفنان سعيد ولد الحوات طرفاً فيها. الجمعية لم تدخل في تفاصيل دقيقة لما قيل أو فُعل، ولم تنصب نفسها جهة قضائية للحسم في المسؤوليات، وإنما اختارت لغة محسوبة تتحدث عن «تصرفات» اعتبرها الصحفيون مسيئة، ثم دعت إلى معالجة الواقعة بالحكمة والاحتكام إلى القواعد القانونية والمؤسساتية عند الاقتضاء.

وهنا بالضبط تبدأ أهمية البلاغ. فهو ليس مجرد تضامن مهني مع صحفيين يقولون إنهم تعرضوا للإساءة، وإنما محاولة لوضع الواقعة داخل سياق أوسع: من يملك حق السؤال؟ ومن يملك حق الاعتراض على السؤال؟ وأين ينتهي انفعال الفنان أو ضيف الندوة، وأين تبدأ الحدود التي لا يجوز تجاوزها تجاه الصحفي وهو يؤدي عمله؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بسعيد ولد الحوات وحده، ولا بالصحفيين الذين كانوا في المكان وحدهم، بل تتعلق بثقافة كاملة تحكم أحياناً العلاقة بين الإعلام والوسط الفني. وهي ثقافة تتوتر عندما يتحول الصحفي، في نظر بعض الفنانين والمنظمين، من شريك في صناعة الصورة إلى شخص يُفترض أن يكتفي بتقديم الصورة التي يرغب فيها الضيف.

لكن الصحافة ليست جهاز علاقات عامة.

الصحفي الذي يحضر ندوة صحفية لا يأتي فقط ليستمع إلى ما يريد المتحدث قوله، بل يأتي أيضاً ليسأل عما لا يريد المتحدث قوله. وهذه هي طبيعة المهنة. وإذا كان للفنان حق مشروع في الدفاع عن صورته، وفي الاعتراض على سؤال يراه غير مناسب، فإن ذلك لا يمنحه تلقائياً حق تحويل الاعتراض إلى إهانة أو ضغط أو سلوك يمس كرامة الصحفي.

وفي المقابل، فإن الدفاع عن كرامة الصحفي لا يعني أن كل صحفي معصوم من الخطأ، ولا أن كل سؤال مهني بمجرد صدوره يصبح فوق النقد. وهنا تبدو النقطة الأكثر أهمية في بلاغ الجمعية: فهي لم تكتف بإدانة ما اعتبرته إساءة، بل وجهت أيضاً رسالة إلى المؤسسات الإعلامية نفسها، مطالبة إياها بالحرص على اختيار وتمثيل الطواقم الصحفية، واحترام قواعد العمل داخل الندوات والمؤتمرات، والالتزام بأخلاقيات المهنة.

وهذه الفقرة تحديداً تمنح البلاغ قدراً من التوازن كان يمكن أن يفقده لو تحول إلى بيان تضامن مغلق على نفسه.

فالصحافة التي تطالب الآخرين باحترامها مطالبة أيضاً بأن تمنح هذا الاحترام لنفسها من خلال المهنية. السؤال الصحفي ليس استفزازاً، والنقد ليس إهانة، لكن كذلك لا ينبغي أن يتحول الصحفي إلى طرف في مشادة شخصية، ولا أن تصبح الندوة الصحفية فضاءً لتصفية الحسابات أو تسجيل المواقف.

المسألة إذن ليست من «انتصر» في تلك اللحظة، ولا من رفع صوته أكثر، ولا من كان له جمهور أكبر. المسألة هي ماذا يحدث عندما تنهار قواعد الحوار داخل فضاء يفترض أنه مخصص أصلاً للحوار.

وهنا تبرز مسؤولية الجهة المنظمة.

فموسم مولاي عبد الله أمغار ليس مجرد سهرة فنية عابرة. منظمو دورة 2026 قدموها باعتبارها محطة تجمع بين صون الموروث الثقافي وتطوير التنظيم والانفتاح على المحيط الدولي، كما أن البرنامج الرسمي يضع الإعلام ضمن منظومة التظاهرة التي تتواصل مع الجمهور والضيوف والشركاء.

ومن ثم، فإن الندوة الصحفية ليست هامشاً في الموسم. إنها جزء من إدارة صورته العامة.

ولهذا فإن دعوة الجمعية إدارة الموسم إلى تقديم توضيحات حول ملابسات الواقعة ليست تفصيلاً ثانوياً. إنها في جوهرها مطالبة الجهة التي دعت الصحفيين إلى فضاء مهني بأن تشرح ماذا حدث داخل ذلك الفضاء، وكيف جرى التعامل معه، وما إذا كانت هناك إجراءات تنظيمية كافية لضمان أن يظل النقاش في حدود المهنية.

فحين تقع مشكلة بين فنان وصحفي داخل ندوة، لا يكفي دائماً أن يقال إن الأمر «خلاف شخصي». لأن المكان ليس مجلساً خاصاً، واللقاء ليس مناسبة عائلية. إنه نشاط إعلامي مرتبط بتظاهرة عامة، وبالتالي فإن للمنظمين مسؤولية في توفير شروط العمل، وتنظيم الحوار، والتدخل عندما يتحول الاختلاف إلى توتر يتجاوز حدود النقاش.

وهنا يظهر جانب آخر من القضية ربما يكون أهم من الواقعة نفسها: تنظيم المؤتمرات والندوات الصحفية في التظاهرات الفنية أصبح في حاجة إلى قواعد أكثر وضوحاً.

من يحدد طريقة طرح الأسئلة؟ كم من الوقت يمنح لكل صحفي؟ من يتدخل عندما يقع خلاف؟ هل توجد جهة مكلفة بتنظيم العلاقة بين الفنانين والإعلاميين؟ وهل يعرف الضيوف مسبقاً أن الصحافة ليست امتداداً لفريق العلاقات العامة؟ وهل يعرف الصحفيون بدورهم أن حضورهم المهني يفرض عليهم احترام قواعد اللقاء وعدم تحويل السؤال إلى مواجهة شخصية؟

هذه الأسئلة تبدو إجرائية، لكنها في الحقيقة تتصل بجوهر العلاقة بين الإعلام والثقافة.

فالمهرجان أو الموسم يحتاج إلى الإعلام لأنه يريد الوصول إلى الجمهور، والفنان يحتاج إلى الإعلام لأنه يريد أن تصل أعماله إلى الناس، والمنظم يحتاج إليه لأنه يريد بناء صورة التظاهرة وإشعاعها. لكن هذه العلاقة لا يمكن أن تقوم على قاعدة «أنت مفيد لي ما دمت تقول ما أريد». الصحافة تصبح بلا معنى إذا تحولت إلى مكبر صوت للمنظم أو الفنان.

وفي الاتجاه الآخر، لا يمكن للصحفي أن يتعامل مع الفنان باعتباره مجرد مادة للاستهلاك الإعلامي، أو أن يستعمل السؤال لإثارة الصدام بدلاً من البحث عن المعلومة. فالمهنية ليست امتيازاً يطالب به الصحفي الآخرين فقط، وإنما مسؤولية يتحملها هو أيضاً.

وهذا هو السبب في أن بلاغ الجمعية، رغم نبرته التضامنية، يذهب أبعد من الدفاع عن طرف واحد. فهو يقول ضمنياً إن حماية المهنة تبدأ من داخلها أيضاً. وهذا موقف مهم، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الوقائع هو أن تتحول إلى معركة «صحافة ضد الفن»، أو «فنان ضد الصحافة»، بينما الحقيقة أن الطرفين يحتاج أحدهما إلى الآخر، لكنهما لا يؤديان الوظيفة نفسها.

الفنان يملك حق التعبير والإبداع والدفاع عن تجربته، والصحفي يملك حق السؤال والنقد والتغطية. وبين الحقين توجد منطقة لا ينبغي أن يدخلها أحد: الإهانة.

وهذا ليس مجرد عرف مهني، بل إن المغرب يتوفر على إطار قانوني خاص بالصحافة والنشر، من خلال القانون رقم 88.13 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.122 بتاريخ 10 غشت 2016.

لكن القانون وحده لا يحل كل شيء.

لأن كثيراً من الأزمات التي تقع في الندوات والمؤتمرات لا تبدأ من مخالفة قانونية واضحة، وإنما من سوء تقدير، أو انفعال، أو سؤال صيغ بطريقة مستفزة، أو جواب خرج عن السيطرة، أو تدخل تنظيمي جاء متأخراً. ولذلك فإن بناء ثقافة مهنية للحوار قد يكون أكثر فاعلية من انتظار وصول كل خلاف إلى مرحلة الشكايات والمساطر.

ومن هذه الزاوية، تبدو دعوة الجمعية إلى عدم توسيع دائرة التوتر ذات دلالة. فهي تحتفظ بحقها في سلوك المساطر التي يتيحها القانون عند الضرورة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول الواقعة إلى حرب مفتوحة بين الصحافة والفنان أو بين الإعلام والمنظمين.

وهذا ربما هو التصرف الأكثر عقلانية في هذه المرحلة.

فالمطلوب ليس محاكمة الفنان في وسائل الإعلام، كما لا ينبغي محاكمة الصحفيين في مواقع التواصل الاجتماعي. المطلوب هو معرفة ما حدث بدقة، والاستماع إلى الأطراف، وتحديد المسؤوليات، ثم استخلاص الدرس التنظيمي والمهني.

أما أن يتحول كل خلاف إلى حملة مضادة، فذلك لا يخدم أحداً.

سعيد ولد الحوات، بوصفه فناناً له جمهوره وحضوره، يستطيع أن يوضح روايته للرأي العام. وإذا كانت لديه ملاحظات على أداء صحفي أو على طريقة طرح سؤال أو على مضمون تغطية، فإن حقه في الرد محفوظ. بل إن الرد المهني قد يكون أقوى من أي مواجهة. وفي المقابل، فإن الصحفي الذي يرى أنه تعرض للإساءة يستطيع أن يقدم روايته وأن يسلك المساطر التي يتيحها القانون، من دون الحاجة إلى تحويل الواقعة إلى خصومة شخصية.

أما الجهة المنظمة، فهي الطرف الذي يستطيع أن يحول هذه الحادثة من أزمة إلى فرصة إصلاح.

فإذا كان موسم مولاي عبد الله أمغار يريد بالفعل أن يرتقي من موسم تراثي كبير إلى تظاهرة ذات إشعاع وطني ودولي، كما أعلن منظمو دورة 2026، فإن احترام الصحافة لا ينبغي أن يكون مجرد فقرة في بروتوكول الاستقبال أو اعتماد صحفيين لتغطية السهرات. يجب أن يصبح جزءاً من هندسة التظاهرة نفسها.

التظاهرة الكبيرة لا تقاس فقط بعدد الخيام والسربات والجماهير والفنانين، بل أيضاً بقدرتها على إدارة الاختلاف.

وهنا تكمن المفارقة: موسم مولاي عبد الله أمغار يقوم في جزء من رمزيته على الذاكرة والتقاليد والتواصل بين الناس، بينما انتهت مناسبة إعلامية مرتبطة به إلى خلاف حول الاحترام المتبادل. وهذه المفارقة تستحق التوقف، لا لأنها تدين الموسم في ذاته، وإنما لأنها تذكر بأن قيمة التظاهرات الثقافية لا تُقاس فقط بما تقدمه على المنصة، وإنما أيضاً بما يحدث خلف المنصة.

لقد كان من الممكن أن تمر الندوة الصحفية كما تمر عشرات الندوات: أسئلة وأجوبة، اختلافات في التقدير، تصريحات، صور، ثم تغطيات إعلامية. لكن الواقعة، كما يرويها بلاغ الجمعية، نقلت النقاش إلى مستوى آخر: مستوى العلاقة بين من يصنع الحدث ومن ينقله إلى الجمهور.

وهذا بالضبط هو السؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط تفاصيل الواقعة: هل نريد إعلاماً يصفق للتظاهرات، أم إعلاماً يراقبها ويسأل عنها وينقلها كما يراها؟

الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد مستقبل العلاقة بين الفن والصحافة أكثر من أي بيان تضامني أو رد غاضب.

فالصحافة ليست خصماً للفن، والفنان ليس خصماً للصحافة. لكن كلاً منهما يفقد شيئاً من قيمته عندما يطلب من الآخر أن يتنازل عن وظيفته. الصحفي الذي يتوقف عن السؤال يفقد جوهر مهنته، والفنان الذي يرفض السؤال يفقد فرصة الدفاع عن تجربته بالحجة، والمنظم الذي لا يحسن إدارة الاختلاف يخاطر بأن يتحول حدثه الثقافي إلى خبر عن أزمة تنظيمية بدلاً من أن يكون خبراً عن الثقافة والفن.

ولذلك، فإن أفضل مخرج من واقعة 14 غشت ليس البحث عن منتصر ومهزوم، وإنما إعادة بناء قواعد العلاقة: الصحفي يسأل بمهنية، الفنان يجيب أو يرفض الإجابة بمهنية، والمنظم يضمن أن يبقى اللقاء داخل إطار الحوار.

أما الكرامة، فهي ليست جائزة يمنحها طرف للآخر.

إنها الحد الأدنى الذي يبدأ منه الحوار، وينبغي أن ينتهي إليه أيضاً.