«الأسرة والدولة تقرران»… وهبي يفتح السؤال الأصعب في ملف قاصري سبتة: أين موافقة الأسر ومن فَوَّض المغرب؟

0
93

قال وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، في حديثه إلى «سكاي نيوز عربية»، جملة تبدو في ظاهرها جزءاً من الشرح القانوني المعقد لملف القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة، لكنها تفتح في العمق سؤالاً سياسياً وقانونياً أكبر من مجرد الخلاف حول آليات إعادتهم. فحين سئل عن سبب تعذر استعادتهم، أوضح أن الأمر لا يتم بهذه البساطة، وأنه يجب أولاً التثبت من هوية القاصر، ومن عائلته، ومكان وجودها، ثم الانتقال إلى الإجراءات اللازمة. وبعد ذلك قال عبارة تستحق التوقف عندها: «حينما تقرر العائلة والدولة أن نقرر نحن». هنا تدخل الأسرة، للمرة الأولى بهذا الوضوح في رواية الوزير، باعتبارها طرفاً في المعادلة التي تسبق قرار العودة.

المسألة لا تتعلق بتأويل كلمة عابرة. فالاتفاق المغربي الإسباني الموقع في الرباط في 6 مارس 2007 بشأن القاصرين غير المصحوبين، والذي دخل حيز التنفيذ في 2012، ينص على التعاون من أجل حماية هؤلاء الأطفال وتيسير عودتهم إلى أسرهم أو إلى مؤسسة الرعاية في بلد الأصل. كما يحدد مساراً للتثبت من هوية القاصر وأسرته وجنسيته، وينص على أن يتوصل الطرفان مسبقاً إلى اتفاق بشأن الحالات التي يمكن أن تشملها العودة وعدد القاصرين المعنيين. أي أن إعادة القاصر ليست عملية تسليم جماعي، وإنما مسار يفترض تحديد الشخص وتحديد أسرته والاتفاق على الحالة التي يمكن إعادتها.

لكن كلام وهبي يفتح سؤالاً لا تجيب عنه التصريحات السياسية وحدها: إذا كانت الأسرة، وفق الصياغة التي استخدمها الوزير، جزءاً من القرار، فأين هي هذه الأسر في الملف الحالي؟ هل توجد أسر مغربية محددة أعلنت رسمياً مطالبتها باسترجاع أبنائها الموجودين في سبتة؟ وهل قدمت هذه الأسر طلبات رسمية إلى السلطات المغربية؟ وهل فوضت الدولة المغربية، بشكل صريح أو بإجراء قانوني واضح، بتمثيلها في المطالبة بعودة أبنائها؟ أم أن الدولة تتحرك باعتبارها دولة الأصل والمسؤولة عن مواطنيها، من دون أن يكون طلب الأسرة شرطاً مستقلاً للتحرك؟

هذا التفريق مهم لأن الأسرة والدولة ليستا جهة واحدة. الدولة تملك صلاحية التحرك باسم مصالحها الوطنية وباسم حماية مواطنيها، لكن الأسرة تملك، في المقابل، علاقة مباشرة بالقاصر ومسؤولية أسرية لا يمكن اختزالها في منشور على موقع اجتماعي أو نداء مصور. ولذلك فإن السؤال عن «موافقة الأسرة» لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام أو استنتاج جاهز، بل إلى سؤال وثائقي: هل هناك ملفات أسرية موثقة؟ وهل توجد طلبات محددة بأسماء القاصرين وأسرهم؟ ومن يمثل هؤلاء الآباء والأمهات أمام السلطات الإسبانية؟

وتزداد أهمية السؤال لأن المشهد الحالي في سبتة لا يتعلق بمجموعة متجانسة من الأطفال. السلطات الإسبانية تتعامل مع قاصرين غير مصحوبين، لكل واحد منهم وضع قانوني وأسري مختلف، بينما تشير المعطيات الأخيرة إلى بقاء نحو 1,100 قاصر غير مصحوب في سبتة بعد موجة العبور الأخيرة. مدريد تقول إن وضع القاصرين يقتضي دراسة فردية، وإن نقلهم إلى البر الإسباني مطروح، في الوقت الذي أبدى فيه المغرب استعداده للتعاون من أجل عودتهم.

وهنا تظهر المفارقة التي تجعل كلام وهبي أكثر أهمية: المغرب يقول إنه مستعد لاستقبال القاصرين، والوزير يرفض التعامل معهم كمجرمين أو كمهاجرين مخالفين للقانون، بل يصفهم بأنهم ضحايا لشبكات الإغراء والتحريض. لكن الاستعداد لاستقبالهم شيء، وتنفيذ العودة قانونياً شيء آخر. فحتى الاتفاق المغربي الإسباني نفسه يفترض التثبت من الهوية والأسرة، ويجعل التوافق بين السلطتين المغربية والإسبانية سابقاً على إعادة الحالات المعنية.

وهذا يعني أن المعركة الحقيقية لا تقع فقط عند بوابة الحدود، وإنما داخل الملف الإداري والقضائي لكل قاصر. من هو؟ من والداه؟ أين أسرته؟ هل الأسرة موجودة في المغرب؟ هل ترغب فعلاً في استقباله؟ وهل العودة تحقق مصلحته الفضلى؟ ثم من يقرر ذلك، الدولة المغربية أم السلطات الإسبانية أم القضاء أم منظومة حماية الطفل؟ هذه الأسئلة هي التي تفسر لماذا لا يمكن تحويل استعداد المغرب السياسي إلى عملية إعادة جماعية فورية.

لكن هناك سؤالاً آخر أكثر حساسية، يتعلق بالنداءات التي ظهرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي. إذا كانت أسر مغربية قد ظهرت بالفعل وهي تطالب باسترجاع أبنائها، فإن هذه النداءات تحمل قيمة إنسانية وسياسية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود تفويض قانوني للدولة. ينبغي الانتقال من الصورة إلى الوثيقة: من هي الأسرة؟ هل ثبتت صلتها بالقاصر؟ هل قدمت طلباً رسمياً؟ هل سجل الطلب لدى جهة مغربية؟ وهل أحيل إلى الجانب الإسباني ضمن المسار الذي تتحدث عنه الاتفاقية؟

والعكس صحيح أيضاً: إذا لم تكن هناك طلبات أسرية فردية، فإن الدولة المغربية لا تصبح عاجزة عن التحرك، لكنها تصبح مطالبة بتوضيح الصفة التي تتحرك بها. هل تطالب باستعادة مواطنين مغاربة؟ أم تطالب بتنفيذ اتفاق ثنائي؟ أم تتصرف استناداً إلى مسؤوليتها في حماية القاصرين؟ أم تجمع بين هذه الأدوار؟ الوضوح هنا ليس تفصيلاً إدارياً، لأن طبيعة الصفة التي تتحرك بها الرباط تحدد طبيعة الطلب الذي تستطيع تقديمه إلى مدريد.

وتكشف تصريحات وهبي نفسها أن الحكومة المغربية تدرك هذا التعقيد. فهو لا يتحدث عن استرجاع الأطفال كما لو كانوا أشخاصاً يمكن تسليمهم على الحدود، بل يصف سلسلة من الإجراءات تبدأ بالتعرف إلى الهوية والأسرة، ثم التواصل بين الدول، ثم تحديد إمكانية العودة. وهذا في جوهره يتطابق مع منطق الاتفاق الثنائي الذي يجعل حماية القاصر والتعاون بين السلطات جزءاً من العملية.

المشكلة أن هذا التعقيد القانوني قد يتحول بسهولة إلى منطقة رمادية سياسية. مدريد تستطيع أن تقول إن القانون يمنعها من إعادة القاصرين بصورة جماعية، والرباط تستطيع أن تقول إنها مستعدة لاستقبالهم، فيما يبقى الطفل في المنتصف. وقد سبق للقضاء الإسباني أن شدد على أن الاتفاق مع المغرب لا يمكن أن يتجاوز الضمانات التي تفرضها القوانين الإسبانية وحقوق الطفل، وهو ما يجعل أي عودة بحاجة إلى مسار فردي يراعي وضع كل قاصر.

لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن ينتقل من التصريحات إلى طاولة التفاوض هو سؤال بسيط في صياغته، لكنه عميق في تبعاته: إذا كان المغرب يريد أبناءه، فأين ملفاتهم؟ وإذا كانت الأسر تريد أبناءها، فأين طلباتها؟ وإذا كانت الدولة تتحدث باسم الأسر، فأين السند الذي يثبت هذه النيابة؟

هذا السؤال لا يعني التشكيك في رغبة الأسر في استعادة أبنائها، ولا ينتقص من حق المغرب في حماية مواطنيه، ولا يمنح إسبانيا ذريعة للتملص من مسؤولياتها تجاه الأطفال. بل على العكس، إنه يضع الجميع أمام المسؤولية نفسها: الطفل ليس رقماً في أزمة حدودية، والأسرة ليست تفصيلاً في بيان سياسي، والدولة لا تستطيع أن تكتفي بإعلان استعدادها للاستقبال إذا كان المطلوب منها أيضاً أن تقدم للجانب الآخر ملفات واضحة يمكن أن تتحول إلى قرارات قابلة للتنفيذ.

في النهاية، ربما تكون أكثر جملة كاشفة في مقابلة وهبي ليست حديثه عن «الصداقة» بين المغرب وإسبانيا، ولا تحذيره من العصابات، ولا حتى رفضه أن يتحول المغرب إلى مركز لترحيل المهاجرين. إنها تلك الجملة التي جعل فيها «العائلة والدولة» قبل القرار. لأنها تنقل القضية من سؤال: «لماذا لا تعيد مدريد الأطفال؟» إلى سؤال أكثر دقة: من يطلب العودة، وبأي صفة، ولمن تعود مسؤولية إثبات أن هذا الطفل ينتمي إلى تلك الأسرة، وأن إعادته إليها هي بالفعل القرار الذي يحقق مصلحته؟

وهنا فقط يمكن أن تتحول قضية القاصرين من سجال سياسي بين الرباط ومدريد إلى ملف شفاف يمكن مساءلة الطرفين فيه بالوثائق، حالة بحالة، وأسرة بأسرة، وطفل بطفل.