الغاز مقابل المعارضين؟ إسبانيا تضع أيوب عيسيو أمام اختبار جديد بين طلب الجزائر والتزامات حقوق الإنسان

0
95

اعتقال رجل الأعمال والإعلامي الجزائري أيوب عيسيو في مطار برشلونة أعاد إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز شخصه وملفه القضائي، لأن الرجل أصبح الآن أمام القضاء الإسباني في مسطرة تسليم تطلبها الجزائر، في وقت تحمل فيه العلاقات بين مدريد والجزائر وزناً اقتصادياً وطاقياً يجعل كل ملف من هذا النوع قابلاً للقراءة بأكثر من مستوى. فقد أوقفت السلطات الإسبانية عيسيو في مطار برشلونة ـ إل برات في يوليوز 2026، بعد وصوله من المغرب، ووُضع رهن الاعتقال في انتظار نظر القضاء الإسباني في الطلب الجزائري. وتقول مصادر إعلامية جزائرية إن الطلب يستند إلى أحكام قضائية صدرت في الجزائر، من بينها حكم غيابي بالسجن عشرين سنة، بينما تنظر السلطات الإسبانية في المسألة باعتبارها إجراء تسليم يخضع للقانون وليس قراراً سياسياً معلناً.

عيسيو ليس اسماً عادياً في المشهد الجزائري. فقد ارتبط اسمه بملكية قناة «الجزائرية وان»، التي أغلقتها السلطات الجزائرية في غشت 2021، في سياق إجراءات قالت السلطات آنذاك إنها مرتبطة بمخالفات لقواعد النشاط السمعي البصري، فيما كان عيسيو وإخوته مرتبطين أيضاً بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية. وتظهر وثائق رسمية بريطانية أن عيسيو كان صاحب السيطرة على شركة تحمل اسم القناة في بريطانيا، كما تشير مصادر إعلامية إلى أنه عاش خلال السنوات الأخيرة خارج الجزائر، متنقلاً بين فرنسا وإيطاليا والإمارات. لذلك فإن تقديم القضية باعتبارها مجرد ملف مالي سيكون تبسيطاً لملف رجل تقاطعت حوله السياسة والإعلام والاقتصاد منذ سنوات، حتى لو كانت التهم التي تستند إليها الجزائر في طلب التسليم ذات طبيعة جنائية ومالية.

وتزداد أهمية الملف لأن القضاء الجزائري أصدر في ديسمبر 2025 حكماً غيابياً على عيسيو بالسجن عشرين سنة، وهو الحكم الذي أُيّد في مرحلة الاستئناف خلال مارس 2026، بحسب تقارير صحافية جزائرية. وتناولت القضية أيضاً أفراداً من عائلته وشبكة من الشركات والممتلكات، ما يعني أن الجزائر تستطيع تقديم الملف أمام مدريد باعتباره قضية فساد وجرائم مالية لا قضية رأي سياسي. وهذه النقطة تحديداً ستكون من أهم مفاتيح المعركة القضائية، لأن مجرد كون الشخص معارضاً أو كانت له مواقف سياسية لا يحوّل تلقائياً كل ملاحقة جنائية إلى قضية سياسية، بينما يصبح الأمر مختلفاً إذا تمكن الدفاع من إثبات أن الاتهامات الجنائية تُستخدم غطاءً لمعاقبته بسبب مواقفه أو نشاطه الإعلامي.

القانون الإسباني نفسه يضع حدوداً واضحة أمام التسليم. فقانون تسليم المطلوبين ينص على عدم جواز التسليم في الجرائم السياسية، كما يسمح برفضه إذا وجدت أسباب جدية للاعتقاد بأن طلب التسليم، وإن صيغ على أساس جريمة عادية، يستهدف في الحقيقة ملاحقة الشخص أو معاقبته بسبب آرائه السياسية. والأهم أن القانون يشترط ضمانات تحول دون تنفيذ عقوبة الإعدام أو إخضاع الشخص لعقوبات أو معاملات تمس سلامته الجسدية أو تنطوي على معاملة لا إنسانية أو مهينة.

وهذا هو المكان الذي يصبح فيه ملف أيوب عيسيو أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة بين مذكرة توقيف جزائرية وقرار قضائي إسباني. فالمحكمة لا تنظر فقط إلى وجود حكم جزائري أو إلى طبيعة الاتهامات، وإنما يتعين عليها أيضاً أن تنظر في طبيعة الخطر الذي يمكن أن يواجهه الشخص إذا أعيد إلى الدولة الطالبة. ويؤكد الإطار الأوروبي لحقوق الإنسان أن التسليم أو الإبعاد يمكن أن يثير مسألة قانونية بموجب حظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية عندما توجد أدلة جدية على وجود خطر حقيقي من مثل هذه المعاملة. كما أن قانون الاتحاد الأوروبي يمنع نقل شخص إلى دولة يوجد فيها خطر جدي من التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو عقوبة الإعدام.

لكن حساسية قضية عيسيو لا تأتي من القانون وحده، وإنما من الذاكرة القريبة لملفات جزائريين آخرين انتهوا في الجزائر بعد وجودهم في إسبانيا. وأكثر هذه الملفات وضوحاً قضية محمد عبد الله، العسكري الجزائري السابق الذي لجأ إلى إسبانيا، ثم أعادته السلطات الإسبانية إلى الجزائر في غشت 2021. ووفق منظمة العفو الدولية، كانت السلطات الإسبانية على علم بالجدل المرتبط بطلبه للحماية، وقد نُقل بعد تسليمه إلى مركز احتجاز شديد الحراسة في الجزائر، قبل أن يصرح لاحقاً أمام القضاء الجزائري بأنه تعرض للتعذيب وسوء المعاملة. كما وثقت منظمة حقوقية أخرى تفاصيل عن الطريقة السريعة التي نُفذ بها ترحيله بعد رفض طلب لجوئه.

أما قضية محمد بن حليمة، فهي التي جعلت النقاش حول المسؤولية الإسبانية أكثر حدة. فقد كان عسكرياً سابقاً وطالب لجوء في إسبانيا، وشارك في كشف ما قال إنه فساد داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية، قبل أن ترحله السلطات الإسبانية إلى الجزائر مساء 24 مارس 2022. وكانت منظمة العفو الدولية قد حذرت مدريد قبل ذلك من خطر تعرضه للتعذيب والاحتجاز التعسفي والمحاكمة الجائرة، معتبرة أن إعادته رغم هذه المخاطر تمثل انتهاكاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية.

ما حدث لبن حليمة بعد عودته جعل القضية أكثر ثقلاً. فقد قالت منظمة العفو الدولية إنه تعرض للتعذيب وسوء المعاملة واحتُجز في سجون جزائرية، بينما أُبلغ في مايو 2022 بأنه حُكم عليه بالإعدام غيابياً بتهمتي التجسس والانشقاق، في وقت كان فيه لا يزال طالب لجوء في إسبانيا. وهنا تصبح الإشارة إلى «خطر الإعدام» دقيقة فقط في سياق هذه القضية وغيرها من الملفات التي تتضمن أحكاماً من هذا النوع، وليس باعتبارها عقوبة مقررة ضد أيوب عيسيو في الملف الحالي.

هذه السوابق هي التي تجعل مدريد أمام اختبار حقيقي في قضية عيسيو، حتى لو كان ملفه مختلفاً من الناحية القانونية. فالدفاع عنه يستطيع أن يقول إن وجود اتهامات مالية لا يحسم المسألة إذا كانت هناك مؤشرات على أن الملاحقة تحمل أيضاً بعداً سياسياً، فيما تستطيع الجزائر أن تقدم أحكام القضاء وملف الجرائم المالية باعتبارهما أساساً عادياً ومشروعاً لطلب التسليم. وبين الروايتين ستبحث المحكمة الإسبانية عن شيء أكثر تحديداً: هل الطلب الجزائري يتعلق فعلاً بجرائم جنائية يمكن أن يحاكم عليها عيسيو وفق ضمانات قضائية مقبولة، أم أن الملاحقة القضائية مرتبطة أيضاً بموقعه السابق في الإعلام وشبكة علاقاته ومواقفه السياسية؟

هنا بالذات يظهر البعد الذي يجعل القضية تتجاوز عيسيو نفسه. فالجزائر ليست مجرد دولة طالبة للتسليم بالنسبة إلى إسبانيا؛ إنها شريك استراتيجي في الطاقة. ووفق تقرير شركة «إيناغاس» الرسمي عن نظام الغاز الإسباني، كانت الجزائر في 2025 أكبر مورّد للغاز إلى النظام الإسباني، بحصة بلغت 35 في المائة من إجمالي الإمدادات. وفي السنة نفسها بلغت الإمدادات الغازية إلى النظام الإسباني 372.498 غيغاواط ساعة، فيما مثل الغاز الطبيعي المسال 67 في المائة من إجمالي الإمدادات، ما يوضح أن مدريد لا تعتمد على مصدر واحد، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بعلاقة طاقية مهمة مع الجزائر.

هذه الأرقام لا تثبت وجود صفقة بين الغاز وتسليم المعارضين، ولا تسمح صحافياً بالقفز من التزامن إلى السببية. لكنها تفسر لماذا تحمل العلاقة مع الجزائر وزناً استراتيجياً في الحسابات الإسبانية. عندما تكون دولة ما مورداً رئيسياً للطاقة، وتكون في الوقت نفسه شريكاً أمنياً واقتصادياً وجغرافياً، تصبح الملفات السياسية والقضائية الحساسة جزءاً من بيئة دبلوماسية أوسع، حتى عندما تظل المؤسسات القضائية مطالبة باتخاذ قراراتها وفق القانون. المسألة هنا ليست إثبات أن مدريد «تبيع المعارضين مقابل الغاز»، وإنما السؤال الأكثر صعوبة: إلى أي حد تستطيع المصالح الاستراتيجية أن تؤثر في المناخ السياسي الذي تتحرك داخله القرارات المتعلقة بهم؟

وهذا السؤال يكتسب وزناً إضافياً بالنظر إلى ما حدث في 2021 و2022. فمن الصعب تجاهل أن إعادة محمد عبد الله ومحمد بن حليمة إلى الجزائر وقعت في فترة كانت فيها العلاقة الإسبانية ـ الجزائرية تمر بحسابات استراتيجية شديدة الحساسية، وإن كان ذلك لا يثبت أن قرارات الترحيل اتُخذت بسبب الغاز أو مقابل تنازلات جزائرية. الربط المباشر يحتاج إلى وثائق أو شهادات أو قرائن أقوى مما هو متاح علناً، وإلا تحول التحقيق الصحافي إلى استنتاج سياسي غير قابل للإثبات.

الاختبار الحقيقي في قضية عيسيو لذلك لن يكون في السؤال المبسط: هل ستسلّمه إسبانيا أم لا؟ بل في السؤال الذي يسبق ذلك: ما الذي ستطلبه المحكمة الإسبانية من الجزائر لضمان أن التسليم لا يتحول إلى إعادة شخص قد يتعرض للاضطهاد أو المعاملة غير الإنسانية؟ فالقانون الإسباني نفسه يجعل الضمانات المتعلقة بالعقوبات والمعاملة الإنسانية عاملاً حاسماً في قرار التسليم، كما أن المعايير الأوروبية تفرض على الدولة الطالبة للتسليم أن تأخذ في الاعتبار المخاطر الحقيقية التي قد يتعرض لها الشخص بعد نقله.

وفي هذه النقطة تحديداً ستتقاطع قضية عيسيو مع إرث بن حليمة وعبد الله. فكل قرار جديد لن يُقرأ منفصلاً عن السابق، لأن السوابق تمنح الدفاع مادة للمقارنة، وتمنح المنظمات الحقوقية أساساً لإعادة طرح سؤالها القديم حول مدى احترام إسبانيا لمبدأ عدم الإعادة القسرية، بينما تمنح الجزائر بدورها حجة مضادة تقول إن المطلوبين ليسوا بالضرورة «معارضين» بالمعنى الحقوقي، وإنما أشخاص صدرت بحقهم أحكام في قضايا جنائية.

أما مدريد، فستجد نفسها أمام معادلة دقيقة: عليها أن تحافظ على تعاونها القضائي مع الجزائر، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بأن تثبت أن التعاون القضائي لا يتحول إلى قناة لإعادة أشخاص إلى خطر التعذيب أو الاضطهاد السياسي. وفي بلد مثل إسبانيا، حيث ينص الدستور صراحة على حماية الحق في السلامة الجسدية والمعنوية وحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، لا يمكن أن يكون الاعتبار السياسي أو الاقتصادي بديلاً عن الاختبار القضائي.

لذلك فإن عنوان «الغاز مقابل المعارضين» يصلح كسؤال استقصائي، لكنه لا يصلح بعد كحقيقة مثبتة. ما يمكن إثباته هو أن الجزائر مورد رئيسي للغاز الإسباني، وأن إسبانيا سبق أن أعادت جزائريين أثارت ملفاتهم اعتراضات حقوقية خطيرة، وأن أحد هؤلاء، محمد بن حليمة، انتهى إلى حكم بالإعدام وتحدث عن التعذيب بعد عودته. أما أن تكون هناك مقايضة مباشرة بين الطاقة وتسليم المعارضين، فهذه فرضية تحتاج إلى دليل مستقل. وقضية أيوب عيسيو قد توفر، في حال ظهرت وثائق أو شهادات جديدة أثناء مسطرة التسليم، فرصة لمعرفة ما إذا كانت تلك الفرضية مجرد قراءة سياسية للعلاقة بين مدريد والجزائر، أم أن وراءها شيئاً أكثر عمقاً.

في النهاية، لا تكمن أهمية اعتقال عيسيو في كونه رجل أعمال مطلوباً من القضاء الجزائري فحسب، ولا في كونه صاحب قناة تلفزيونية أغلقتها السلطات الجزائرية، وإنما في أنه يضع إسبانيا أمام اختبار تتجمع فيه ثلاثة مسارات في نقطة واحدة: طلب قضائي صادر عن الجزائر، وسجل سابق لعمليات إعادة أثارت اعتراضات حقوقية، وعلاقة استراتيجية تجعل الجزائر مورداً رئيسياً للغاز إلى السوق الإسبانية. وإذا قررت مدريد التسليم، فسيكون السؤال عن الضمانات التي حصلت عليها وعن كيفية تقييم خطر الاضطهاد والمعاملة اللاإنسانية. وإذا رفضت، فستكون الرسالة أن التعاون القضائي مع الجزائر له حدود عندما تصطدم المطالبة بالتسليم بالتزامات إسبانيا الحقوقية. وفي الحالتين، لن تكون قضية أيوب عيسيو مجرد ملف رجل واحد، بل اختباراً جديداً لحدود المسافة التي تستطيع دولة أوروبية أن تحافظ عليها بين مصالحها الاستراتيجية وبين التزاماتها عندما يصل أحد خصوم دولة شريكة إلى باب قضائها.