درعة تافيلالت: حين يُدفع شباب البوادي إلى الرحيل… هل نكرر خطأ أوروبا مع الهجرة؟

0
113

فيديو قصير رُصد على فيسبوك يفتح سؤالاً أكبر بكثير من موضوع رخص البناء والتعمير في درعة تافيلالت. صاحبه لا يتحدث عن ملف إداري معزول، ولا يشتكي فقط من تعقيد مسطرة أو تأخر ترخيص؛ هو يضع أمامنا مفارقة يعتبرها خطيرة: عندما يتعلق الأمر بمستثمر كبير يريد تعبئة مئات أو آلاف الهكتارات، يجد الاستثمار، بحسب توصيفه، تسهيلات ومساطر يمكن أن تتحرك بسرعة، بينما المواطن الذي يملك قطعة أرض صغيرة في منطقته ويريد أن يبني عليها بيتاً أو مشروعاً بسيطاً يجد نفسه أمام شبكة من الإجراءات والتعقيدات. نحن هنا لا ننسب هذا الحكم إلى الدولة ولا نحوله إلى حقيقة قضائية؛ نحن ننقل ما قاله صاحب الفيديو ونضعه في سياقه، لأن أهمية التصريح تكمن تحديداً في السؤال الذي يطرحه عن الفرق بين من يملك رأسمالاً كبيراً ومن يملك فقط أرضه وحقه في البقاء داخل مجاله.

صاحب التسجيل يذهب أبعد من مسألة التعمير حين يربطها بمصير المجال القروي نفسه. فبالنسبة إليه، درعة تافيلالت غنية بالموارد والإمكانات، لكن هذه الثروة لا تتحول بالضرورة إلى تنمية يستفيد منها سكانها. وعندما يصبح بناء مسكن أو إقامة نشاط اقتصادي صغير معقداً بالنسبة إلى ابن المنطقة، بينما تبدو تعبئة المساحات الكبرى أكثر قدرة على الحركة، فإن السؤال لا يعود: لماذا تأخرت هذه الرخصة؟ بل يصبح: أي نموذج من التنمية نريد أن ننتج داخل هذه الجهة؟

هذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها، لأن المواطن القروي لا يعيش في فراغ عقاري. الأرض بالنسبة إليه ليست رقماً في سجل عقاري، بل جزء من معنى الاستقرار نفسه. عليها يبني بيته، ويزرع، ويقيم نشاطه، ويترك لأبنائه سبباً للبقاء. فإذا تعذر عليه أن يحول هذه الأرض إلى حياة اقتصادية قابلة للاستمرار، فإن الدولة قد تكون قد شيدت الطريق والمدرسة والمرفق، لكنها تترك السؤال الأصعب بلا جواب: كيف سيبقى الشاب هنا إذا لم يجد على أرضه إمكانية بناء مستقبله؟

من هنا يصبح الحديث عن التعمير مرتبطاً مباشرة بالهجرة الداخلية. الشاب الذي لا يستطيع أن يجد شروط الاستقرار في قريته يبدأ أولاً بالبحث عن مكان آخر داخل المغرب. يترك الدوار أو القصر باتجاه المدينة، حيث توجد فرص العمل والخدمات والإدارة والجامعة. ومع تراكم هذه الحركة، تفقد البوادي جزءاً من شبابها، وتزداد كثافة المدن، ويتعمق الاختلال بين المركز والأطراف. وما يبدو في البداية مجرد انتقال بحثاً عن حياة أفضل يمكن أن يتحول، بعد سنوات، إلى سلسلة متصلة من الرحيل: من القرية إلى المدينة، ومن المدينة إلى الساحل، ومن الساحل إلى الشمال، ومن الشمال إلى أوروبا.

وهنا تكتسب الإشارة التي يحملها التصريح إلى التجربة الأوروبية معنى مختلفاً. أوروبا عاشت، ولا تزال تعيش، واحدة من أعقد نتائج التحولات الديموغرافية والهجرية في محيطها المتوسطي. آلاف الشباب الذين يغادرون مناطقهم الأصلية لا يخرجون من فراغ؛ وراء الرحلة عادةً بحث عن العمل والكرامة والاستقرار والفرصة. والبحر الذي يبدو في النهاية فاصلاً جغرافياً لا يكون سوى آخر محطة في سلسلة طويلة من الإحباطات الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك فإن النظر إلى الهجرة غير النظامية باعتبارها مشكلة حدود فقط يعني الوصول إلى الأزمة بعد أن تكون قد قطعت معظم الطريق.

التحذير الذي يمكن قراءته بين سطور التصريح هو أن التنمية التي لا تجعل الإنسان قادراً على البقاء في أرضه قد تنتج، من حيث لا تريد، أحد أهم دوافع الرحيل. عندما تصبح القرية مكاناً للسكن فقط من دون اقتصاد محلي قادر على احتضان شبابها، تتحول التنمية إلى بنية تحتية بلا كتلة بشرية مستقرة. وعندما تُغلق أمام المبادرة المحلية الأبواب أو تتعقد المساطر إلى درجة تجعل المشروع الصغير غير مجدٍ، فإن أصحاب الطموح لا يتوقفون عن الطموح؛ هم يبحثون عن مكان آخر لتحقيقه.

وهنا بالضبط ينبغي قراءة المثال الذي يقدمه صاحب الفيديو حول المستثمر الكبير والمواطن صاحب القطعة الصغيرة. هو لا يقول إن المستثمر الكبير يجب أن يُمنع أو أن الاستثمارات الكبرى غير مفيدة للجهة. حديثه يقوم على سؤال آخر: لماذا لا تكون هناك، إلى جانب التسهيلات الموجهة للاستثمار الكبير، مسالك واضحة وسريعة للمواطن الذي يريد استثمار أرضه الصغيرة؟ لماذا لا يصبح بناء منزل لأسرة قروية، أو إقامة مشروع صغير، جزءاً من سياسة التنمية نفسها، لا مجرد ملف إداري يمر عبر سلسلة من المساطر؟

المفارقة التي يطرحها المتحدث تصبح أكثر وضوحاً عندما ننظر إلى الإصلاحات التي قامت بها الدولة بالفعل. فقد اتخذت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير إجراءات لتبسيط البناء في العالم القروي، وأعلنت في 2025 أن آلاف الملفات استفادت من هذه التدابير، فيما يجري العمل أيضاً على مراجعة قانون التعمير بما يلائم خصوصيات العالم القروي. هذه المعطيات الرسمية مهمة لأنها تعني أن الدولة نفسها أدركت أن القواعد والمساطر تحتاج إلى قدر أكبر من الملاءمة مع الواقع القروي.

لكن وجود الإصلاح لا ينهي السؤال الذي يطرحه الفيديو. لأن المواطن لا يقيس الدولة بالنص الذي صدر، بل بالمسار الذي يعيشه عندما يريد تطبيقه. بالنسبة إليه، المسألة بسيطة: هل يستطيع أن يبني؟ هل يستطيع أن يستثمر؟ هل يعرف ما هي الشروط؟ كم سيحتاج من الوقت؟ وهل توجد إدارة قريبة منه تستطيع أن تشرح له وتساعده؟ هنا تتحدد المسافة بين الإصلاح المكتوب والإصلاح الذي يصل فعلاً إلى الناس.

وإذا كان الهدف من سياسات الدولة هو تثبيت السكان في المناطق القروية والحد من الفوارق المجالية، فإن التعمير لا يمكن أن يبقى ملفاً تقنياً منفصلاً عن هذه السياسة. البناء هو أحد شروط الاستقرار، والاستقرار شرط للإنتاج، والإنتاج يخلق دخلاً، والدخل يمنح الشاب سبباً للبقاء. عندما تنقطع هذه السلسلة في أي نقطة منها، يصبح الرحيل خياراً أكثر جاذبية.

درعة تافيلالت تحديداً لا تحتمل التعامل مع هذه المسألة باعتبارها مشكلة هامشية. الجهة تمتلك إمكانات فلاحية وسياحية وثقافية ومعدنية مهمة، وتوجد بها برامج للاستثمار وفك العزلة وتحسين البنيات الأساسية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يستطيع أبناء الجهة أنفسهم أن يكونوا فاعلين في هذه الدورة الاقتصادية، أم أن دورهم يظل في كثير من الأحيان محصوراً في السكن داخل المجال والعمل من أجله أو الرحيل منه؟

ذلك هو المعنى الحقيقي لعبارة «كيف تخدم درعة تافيلالت باقي الجهات؟» التي وردت في النقاش. إذا كانت الجهة تنتج الثروة، وتوفر الموارد، وتقدم المجال للاستثمار، ثم يفقد شبابها الرغبة أو القدرة على البقاء، فإن المشكلة لا تكون في غياب الموارد، وإنما في طريقة توزيع القدرة على تحويل هذه الموارد إلى حياة. الجهة لا تصبح قوية بمجرد أن تكون غنية؛ تصبح قوية عندما يستطيع سكانها الاستفادة من غناها.

وهنا ينبغي الحذر من الوقوع في تفسير سهل يقول إن كل شاب يهاجر بسبب رخصة بناء. الواقع أكثر تعقيداً. الهجرة نتيجة شبكة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والمجالية. لكن الخطأ المقابل هو أن نفصل التعمير والعقار والاستثمار المحلي عن هذه الشبكة. فالبيت، بالنسبة إلى أسرة قروية، ليس مجرد جدران؛ إنه عنوان البقاء. والمشروع الصغير ليس مجرد نشاط تجاري؛ إنه أحياناً السبب الذي يجعل شاباً يقرر ألا يغادر.

لذلك فإن السؤال الذي يخرج من هذا الفيديو لا يتعلق فقط بمن يحصل على رخصة ومن ينتظرها. السؤال يتعلق بنموذج التنمية نفسه: هل نريد جهة تُستخرج منها الموارد وتُستقطب إليها الاستثمارات، أم جهة يستطيع فيها ابن المنطقة أيضاً أن يصبح مستثمراً، ولو بدأ من قطعة أرض صغيرة أو مشروع عائلي متواضع؟ الفرق بين النموذجين هو الفرق بين تنمية تنتج القيمة وتنمية تحتفظ بالسكان الذين ينتجونها.

والأمر لا يتعلق بالدعوة إلى فتح الباب أمام البناء العشوائي أو تجاوز ضوابط حماية الأراضي والموارد والبيئة. هذه الضوابط ضرورية. لكن الضبط شيء، وتحويل المسطرة إلى عائق أمام المواطن شيء آخر. المطلوب هو أن تكون الدولة قادرة على التمييز بين مشروع يهدد المجال ومشروع يساعد على تثبيته، بين توسع عشوائي يجب منعه وبيت لعائلة يجب تسهيل بنائه، وبين استثمار ضخم يحتاج إلى المواكبة ومبادرة محلية صغيرة تحتاج هي الأخرى إلى إدارة لا تجعل حجم صاحبها سبباً في تعقيد طريقه.

لأن الخطر في النهاية لا يبدأ عند البحر. البحر هو آخر المشهد فقط. البداية قد تكون في قرية يشعر فيها شاب بأن أرض عائلته لا تمنحه فرصة، وأن المدينة أقرب إلى المستقبل من موطنه، وأن أوروبا أبعد جغرافياً لكنها تبدو أقرب اقتصادياً. وكلما فشلنا في جعل التنمية تصنع أسباب البقاء، أصبح من الصعب إقناع الشباب بأن المستقبل يوجد حيث ولدوا.

وهنا يصبح تصريح صاحب الفيديو، بكل ما يحمله من اتهامات ومقارنات، مادة تستحق النقاش لا الإدانة ولا التبني. هو يضع إصبعه على سؤال يجب أن تجيب عنه المؤسسات بالأرقام والمساطر والوقائع: هل يحصل المستثمر الصغير وابن المنطقة على الحماية والمواكبة نفسيهما اللتين يحصل عليهما الاستثمار الكبير؟ وإذا كان الجواب نعم، فأين تكمن العقدة التي تجعل المواطن يشعر بالعكس؟ وإذا كان الجواب لا، فما الذي يمنع بناء مسطرة أكثر عدلاً؟

قد تكون الإجابة في القانون، أو في طريقة تطبيقه، أو في تعدد المتدخلين، أو في ضعف المواكبة، أو في خصوصية العقار القروي والجماعي. لكن الوصول إليها أهم من إطلاق الأحكام. لأن القضية التي يطرحها التسجيل ليست قضية شخص يريد أن يبني بيتاً فقط؛ إنها قضية علاقة الإنسان بأرضه، وعلاقة التنمية بالاستقرار، وعلاقة الاستثمار بالعدالة المجالية.

وفي النهاية، قد يكون أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نكتشف بعد سنوات أن بعض شباب البوادي لم يغادروا لأنهم كانوا يكرهون قراهم، وإنما لأننا لم نجعل البقاء فيها ممكناً. عندها سنكون قد أنجزنا الطرق والمشاريع والبنيات، لكننا سنبحث عن السكان الذين كان يفترض أن يستفيدوا منها. والدرس الذي يطرحه صاحب الفيديو بسيط في ظاهره وعميق في دلالته: إذا أردنا أن نحاصر الهجرة نحو الشمال، فعلينا أولاً أن نمنح الشباب سبباً حقيقياً لكي لا يبدأوا الرحيل من الجنوب.