الطوق الأمني حول سبتة… هل يطوّق طريق العبور أم يطوّق أزمة جيل؟

0
114
صورة: موقع هسبريس

تتحول الطرق المؤدية إلى شمال المغرب، عشية 15 غشت، إلى امتداد أمني للحدود مع سبتة المحتلة. سدود قضائية، نقاط تفتيش، مراقبة لوسائل النقل، تمشيط للمسالك الجبلية والساحلية، وتشديد للرصد على المحاور القادمة من أقاليم بعيدة عن الفنيدق وتطوان، فيما جرى تعزيز الحضور الأمني في محيط المعبر والشريط الساحلي وتجديد أجزاء من الأسلاك الشائكة. الصورة التي ترسمها هذه الإجراءات واضحة: الدولة تريد أن تمنع وصول المحاولة إلى لحظة التجمّع، لا أن تنتظر وصولها إلى الحاجز الحدودي ثم تتعامل معها. وهذا بالفعل ما تعكسه المعطيات المنشورة خلال الأيام الأخيرة عن توسيع نطاق المراقبة من محيط سبتة إلى الطرق التي تقود إليها.

لكن اتساع الطوق الأمني يحمل في الوقت نفسه دلالة تتجاوز الحساب الأمني المباشر. فحين تصبح وزان وشفشاون والعرائش والقصر الكبير والقنيطرة وفاس جزءاً من دائرة المراقبة المرتبطة بموعد حدودي في الفنيدق، فإن المسألة لم تعد مجرد محاولة عبور غير نظامي يجري ضبطها عند نقطة جغرافية محددة، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة السلطات على اعتراض حركة بشرية قبل وصولها إلى الحدود. بهذا المعنى، انتقل مركز المعالجة من «الحدود» إلى «طريق الحدود»، ومن مراقبة المكان إلى مراقبة المسار الذي قد يسلكه الشباب للوصول إليه.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها: كلما اتسعت المسافة التي ينبغي للأمن أن يراقبها، كان ذلك مؤشراً على أن الظاهرة نفسها لم تعد محصورة في سكان المنطقة الحدودية. الدعوات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي، بحسب ما أوردته وسائل إعلام محلية، تستهدف الشباب والقاصرين وتدفعهم إلى التوجه نحو الشمال، فيما تحاول السلطات قطع الطريق أمام تشكل هذه الكتلة البشرية قبل وصولها إلى الفنيدق. لذلك فإن نجاح الطوق الأمني في منع العبور لا يعني بالضرورة أن السؤال الذي دفع هؤلاء إلى محاولة العبور قد اختفى؛ إنه يعني فقط أن الدولة نجحت في منع ترجمة ذلك السؤال إلى فعل جماعي عند الحدود.

والأكثر أهمية في قراءة المشهد أن تجربة 29 و30 يوليوز الماضية أصبحت، في حد ذاتها، جزءاً من معادلة 15 غشت. فالمهاجر المحتمل لا ينظر فقط إلى ما يقال عن مخاطر الطريق، وإنما يراقب ما حدث لمن سبقه: من وصل، ومن أُعيد، ومن بقي، وما إذا كانت هناك إمكانية للبقاء أو تسوية الوضعية. هذه الفكرة يطرحها محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، حين يربط احتمال تجدد المحاولات بمآلات الأشخاص الذين دخلوا سبتة خلال الأحداث السابقة، معتبراً أن «الأثر التراكمي» للتجارب السابقة يمكن أن يرفع أو يخفض جاذبية محاولة جديدة. وهي قراءة مهمة لأنها تنقل النقاش من سؤال عدد عناصر الأمن إلى سؤال آخر أكثر حساسية: كيف تتشكل توقعات الشاب الذي يفكر في الهجرة؟

فالحدود، في ذهن المهاجر المحتمل، ليست حاجزاً إسمنتياً أو سلكاً شائكاً فقط؛ إنها أيضاً حساب للفرصة والمخاطرة. إذا بدت تجربة السابقين وكأنها انتهت إلى الوصول ثم البقاء، فإن الطريق يكتسب قيمة جديدة في المخيلة الجماعية، أما إذا انتهت بالإرجاع ولم تترك أفقاً واضحاً، فإن جاذبيتها تتراجع. وفي هذا السياق تحديداً يصبح ما ستفعله السلطات الإسبانية مع الذين دخلوا سبتة في نهاية يوليوز عاملاً يتجاوز مصير هؤلاء الأفراد أنفسهم، لأن قرار الإرجاع أو الإبقاء يمكن أن يتحول، في الوعي الجماعي، إلى رسالة يقرأها آخرون قبل اتخاذ قرارهم. وكانت وزارة الداخلية الإسبانية قد أعلنت في 30 يوليوز أن مدريد والرباط اتفقتا على تعزيز التنسيق وتفعيل إجراءات إعادة الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية.

لهذا تبدو المعركة الأمنية الحالية وكأنها تجري على مستويين في الوقت نفسه. المستوى الأول ميداني واضح: منع تجمعات كبيرة، قطع الطرق المؤدية إلى الحدود، حماية الشريط الساحلي والحيلولة دون محاولات العبور. أما المستوى الثاني فهو معركة التوقعات، لأن كل عملية ناجحة أو فاشلة تترك أثراً في شبكات التواصل الاجتماعي وفي الأحاديث التي تنتقل بين الشباب، فتتحول تجربة فرد أو مجموعة إلى معلومة تؤثر في قرارات آخرين. ومن هنا لا يصبح الهاتف مجرد وسيلة لنشر دعوة إلى الهجرة، بل يصبح أيضاً مساحة تتشكل فيها صورة الطريق ودرجة المخاطرة واحتمال الوصول.

غير أن اختزال المشهد كله في شبكات التواصل الاجتماعي سيكون تبسيطاً لا تساعد عليه الوقائع. فظاهرة الهجرة غير النظامية في شمال المغرب سبقت دعوات 15 غشت بسنوات، وسجلت المنطقة محاولات متكررة للعبور، بينها محاولات سباحة شديدة الخطورة نحو سبتة. وقد سبق لمرصد الشمال لحقوق الإنسان أن ربط ارتفاع هذه المحاولات بعوامل متداخلة تشمل انتهاء الموسم الدراسي، والحركية السياحية الصيفية، واستقطاب القاصرين والشباب من مناطق مختلفة، كما وثقت تقارير سابقة وصول شباب وقاصرين إلى سبتة مقابل تسجيل وفيات ومفقودين في البحر.

وهنا تصبح عبارة «الشباب» أكثر من توصيف ديموغرافي. هؤلاء، في نهاية المطاف، هم الفئة التي يفترض أن تكون جزءاً من مستقبل البلاد الاقتصادي والاجتماعي. وحين يتحول بعض منهم إلى قطع مسافات طويلة من مدن داخلية للوصول إلى مدينة محتلة، ثم إلى المخاطرة بالسباحة أو تسلق الحواجز، فإن المقاربة الأمنية تصبح ضرورية لحماية الحدود ومنع المخاطر، لكنها لا تستطيع وحدها أن تفسر الظاهرة ولا أن تنهي أسبابها. الأمن يستطيع أن يوقف الحافلة أو الشاب عند السد، لكنه لا يستطيع أن يوقف الفكرة التي جعلت ذلك الشاب يركب الحافلة أصلاً.

وهذا هو الحد الفاصل بين نجاح أمني مطلوب وبين حل اجتماعي غير موجود بعد. فمن الطبيعي أن تتدخل الدولة عندما تكون هناك دعوات إلى عبور جماعي قد يعرض حياة الناس للخطر ويخلق فوضى على الحدود؛ بل إن منع شاب من الاندفاع نحو البحر قد يكون، في لحظة معينة، إجراء حماية قبل أن يكون إجراء ردع. لكن تحويل هذا النجاح الميداني إلى جواب نهائي عن أزمة الهجرة سيكون خطأ في قراءة المشهد. فالأمن يعالج السلوك عندما يتحول إلى خطر، بينما معالجة الدافع تتطلب النظر إلى التعليم والعمل والحركية الاجتماعية والثقة في المستقبل وإحساس الشاب بأن بلده يوفر له مكاناً يمكن أن يبني فيه حياته.

المشهد الحالي لذلك لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية عدد السدود الأمنية أو طول الأسلاك الشائكة. هذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف حجم الاستعداد الرسمي، لكنها لا تكشف وحدها حجم الأزمة التي تقف خلفها. الأهم هو أن الدولة تجد نفسها مضطرة إلى توسيع دائرة المراقبة من الحدود إلى المدن البعيدة، فيما يجد شباب من مناطق مختلفة أنفسهم مستعدين للسفر نحو أقصى الشمال بحثاً عن فرصة يعتقدون أنها أقرب خلف حاجز سبتة من كونها داخل المسار الذي يعيشونه يومياً. هذه المسافة النفسية بين الشاب ومستقبله هي ما يجعل ظاهرة الهجرة أكثر تعقيداً من مجرد ملف أمني.

وفي المقابل، فإن التعامل مع هؤلاء الشباب باعتبارهم كتلة مشتبه فيها بمجرد اقترابهم من الشمال قد يحمل كلفة اجتماعية إذا تحول الاستنفار المؤقت إلى منطق دائم. الدعوات المحلية إلى حمل وثائق الهوية وتفادي التنقل في مجموعات كبيرة وتأجيل الرحلات غير الضرورية تعكس طبيعة الظرف الاستثنائي، لكنها تكشف أيضاً كيف يمكن لأزمة حدودية أن تمتد آثارها إلى الحياة اليومية في مدن لا تقع على خط الحدود مباشرة. لذلك يظل التحدي الحقيقي هو تحقيق المعادلة الصعبة: حماية الحدود ومنع العبور الخطير، من دون أن يتحول الأمن إلى اللغة الوحيدة التي تتحدث بها الدولة مع شباب يبحثون عن مستقبلهم.

سبتة، في هذه اللحظة، ليست فقط نقطة على الخريطة المغربية الإسبانية، وإنما شاشة كبيرة تنعكس عليها صورة المستقبل كما يتخيله جزء من الشباب. والطوق الأمني يستطيع أن يمنع الوصول إلى الشاشة، لكنه لا يستطيع أن يمحو الصورة التي دفعت إلى التوجه نحوها. لذلك سيكون نجاح إجراءات 15 غشت مهماً من الناحية الأمنية، خصوصاً إذا حالت دون وفيات أو محاولات عبور جماعية، لكن الاختبار الأعمق سيبدأ بعد انحسار الاستنفار: ماذا سيحدث عندما تنتهي الدعوات، وتُرفع بعض السدود، وتعود الطرق إلى وضعها الطبيعي؟ عندها فقط سيظهر ما إذا كانت الدولة قد أوقفت محاولة عبور، أم أنها بدأت فعلاً في الاقتراب من المشكلة التي تجعل شباباً، يفترض أنهم رجال مستقبلها، يرون في عبور الحدود أقرب طريق إلى المستقبل.