إسباني يعود من طنجة والرباط وسبتة بصورة أخرى عن المغرب: بين قوة الدولة وقلق الجيل الشاب

0
139

المقطع الذي انتشر في الساعات الأخيرة تحت عنوان «إسباني يتحدث عن المغرب بعد زيارته لطنجة والرباط وسبتة» لا يقدم تحقيقاً ميدانياً بالمعنى الصحافي الدقيق، فصاحبه يقول بنفسه إنه أمضى يوماً في الرباط ويوماً في طنجة ويومين في سبتة، وإن هذه المدة لا تكفي سوى لالتقاط «بضع صور». لكن قيمة كلامه لا توجد في كونه حكماً نهائياً على المغرب، وإنما في الطريقة التي التقط بها التناقض الذي بدا له خلال زيارة قصيرة: بلد يتحرك بسرعة في البنية التحتية والموانئ والمشاريع الكبرى، فيما يشعر جزء من شبابه بأن العائد الاجتماعي والاقتصادي لهذا التحول لا يصل إليهم بالسرعة نفسها.

الرجل يقول إنه كان يبحث عن «الوجه الآخر» للمغرب، أو ما يسميه la cara B، أي ما وراء الصورة التي تقدمها المشاريع والواجهات العمرانية. ومن هنا جاءت قراءته للأزمة الحالية في سبتة: أجور منخفضة، فارق كبير مع إسبانيا، و«استياء كبير» لدى الشباب. بعض الأرقام التي ذكرها عن الأجور تبدو تقريبية أكثر مما هي إحصاءات قابلة للتعميم، ولا يصح التعامل معها كحقائق دقيقة؛ فالحد الأدنى القانوني للأجر غير الفلاحي في المغرب وصل في 2026 إلى نحو 17.9 درهماً للساعة، بما يقارب 3400 درهم صافي شهرياً وفق المعطيات الحكومية. لكن جوهر ملاحظته يجد ما يسنده في مؤشرات أكثر صلابة: فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة 37.2% في 2025، بينما بلغ المعدل العام 13%، مع ارتفاع معدل البطالة أيضاً بين حاملي الشهادات.

وهنا تحديداً يصبح حديث الزائر الإسباني أكثر أهمية من الأرقام التي اختارها. فالمشكلة التي تكشفها أزمة سبتة ليست ببساطة أن المغرب «فقير» وإسبانيا «غنية»، بل أن الفارق في فرص الحياة أصبح مرئياً وقابلاً للمقارنة في كل لحظة. الشاب المغربي لا يقارن نفسه اليوم بجاره في المدينة أو القرية فقط؛ إنه يرى عبر الهاتف مستوى الأجور والاستهلاك والتنقل والعمل في الضفة الأخرى، ثم يصطدم بواقع سوق عمل لا يزال عاجزاً عن استيعاب نسبة كبيرة من الشباب. صندوق النقد الدولي نفسه يعتبر بطالة الشباب تحدياً هيكلياً في المغرب، ويشير إلى أن أكثر من ربع الشباب بين 15 و24 سنة كانوا خارج التعليم والعمل والتكوين في 2025.

لكن المفارقة التي التقطها الزائر الإسباني لا تتوقف عند سوق العمل. فهو يرى مغرباً «ينمو كثيراً»، يستعد لاستضافة كأس العالم 2030، وأنجز ملاعب ومشاريع ضخمة، فيما أصبح ميناء طنجة المتوسط منافساً حقيقياً في حركة التجارة المتوسطية. وهذه النقطة ليست انطباعاً سياحياً؛ فالميناء أعلن أنه عالج أكثر من 10.2 ملايين حاوية في 2024، بطاقة تصل إلى 9 ملايين حاوية، ويرتبط بشبكة تصل إلى 180 ميناء في 70 دولة. كما يعالج أكثر من نصف صادرات المغرب ونحو 97% من تدفقات شاحنات التصدير المغربية. أي أن الصورة التي يراها الإسباني ليست بلداً راكداً، وإنما اقتصاداً يبني لنفسه موقعاً متقدماً في التجارة واللوجستيك والاستثمار.

وهنا تكمن «الوجه الآخر» الحقيقي الذي لم يسمّه المتحدث مباشرة: النجاح في بناء البنية التحتية لا يضمن تلقائياً نجاحاً مماثلاً في توزيع ثماره الاجتماعية. الاقتصاد المغربي حقق نمواً بنسبة 4.9% في 2025، وخلق 193 ألف منصب شغل خلال السنة، خصوصاً في الخدمات والبناء والصناعة، لكن البطالة بقيت مرتفعة، كما ارتفع معدل التشغيل الناقص إلى 10.9%. لذلك يمكن لبلد أن ينجح في جذب الاستثمارات وبناء الموانئ والملاعب والطرق، وفي الوقت نفسه يواجه سؤالاً أكثر صعوبة: ماذا يرى الشاب العاطل في هذه الإنجازات عندما لا يجد لنفسه مكاناً واضحاً داخلها؟

من هذه الزاوية، تصبح سبتة أكثر من نقطة عبور جغرافية. أزمة يوليوز كشفت أن الإحباط الاقتصادي يمكن أن يتحول، تحت تأثير شبكات التواصل الاجتماعي والشائعات، إلى حركة جماعية شديدة الخطورة. تقارير صحافية تحدثت عن عشرات الآلاف الذين حاولوا الوصول إلى المدينة، وعن عشرات الوفيات، بينما ربطت شهادات وتقارير بين الأزمة وبين البطالة والفقر والمعلومات المضللة المتداولة على الإنترنت. وفي 15 غشت عادت السلطات الإسبانية والمغربية إلى تشديد الإجراءات الأمنية بعد انتشار دعوات جديدة على شبكات التواصل لمحاولة عبور جماعي، ما يعني أن الأزمة لم تُغلق بالكامل على مستوى المزاج الاجتماعي حتى بعد انحسار موجتها الأولى.

واللافت أن الزائر لم يرَ في المغرب صورة واحدة. رأى الرباط، مركز الدولة، وطنجة، واجهة الاقتصاد واللوجستيك، ثم سبتة، حيث يظهر الفارق الأوروبي مباشرة على بعد أمتار من الشاطئ. لذلك جاءت عبارته الأخيرة عن أن «الخط الثاني يبدو مثل بيروت» محمّلة بانطباع أكثر من كونها وصفاً علمياً؛ إنها محاولة لوصف الصدمة البصرية بين الواجهة الحديثة والصورة المضطربة التي يمكن أن تظهر خلفها. وفي هذه المفارقة تحديداً تكمن قوة الفيديو وضعفه في آن واحد: هو لا يقدم تفسيراً نهائياً للأزمة، لكنه يلتقط شيئاً حقيقياً يصعب تجاهله، وهو أن المغرب الذي ينجح في بناء صورة قوة اقتصادية وبنية تحتية حديثة بات مطالباً، بالقدر نفسه، بإقناع جيله الشاب بأن مستقبله موجود داخل هذه الصورة، لا خلف البحر.

فالمشكلة التي خرج بها هذا الإسباني من رحلته ليست أن المغرب لا يتقدم؛ الأدلة تقول العكس. السؤال الأكثر إزعاجاً هو: هل يسير تحسن صورة المغرب الخارجية بالسرعة نفسها التي يتحسن بها شعور شبابه بمستقبلهم؟ أزمة سبتة جعلت هذا السؤال مرئياً على الحدود، وأخرجته من لغة المؤشرات الاقتصادية إلى سلوك شباب مستعدين للمخاطرة بحياتهم للوصول إلى ضفة أخرى. وهنا يصبح «الوجه الآخر» الذي كان يبحث عنه الزائر أقل ارتباطاً بما رآه في الشوارع، وأكثر ارتباطاً بما لم تستطع المشاريع الكبرى أن تجيب عنه بعد: من سيحصل على نصيبه من مغرب المستقبل، ومتى؟