عبد العالي النكاع هو واحد أيضا من المصورين الفوتوغرافيين المغاربة المحترفين، والمعروفين باشتغالهم الخاص والمكثف على الأمكنة والوجوه (البورتريهاتLes portraits ) مما يجعل تجربته الفوتوغرافية، في أغلبها، تكاد تبدو على شكل أسئلة أو تدوينات بصرية ثنائية اللون (الأسود والأبيض)، تحاول الحفر بعيدا في ذاكرة المدن (مدينة تازة العتيقة بشكل خاص)، والكثير من الوجوه البشرية التي يتعقّبها عبد العالي أو يلتقي بها صدفة هنا وهناك: في المغرب أو في باريس، حيث اختار الإقامة، طوعا أو مُجبرَا هناك، سواء بسبب قسوة التاريخ أو غُبن الجغرافيا؟ على أمل أن تتبدل الأحول، ويعود الطائر المهاجر L’oiseau migrateur، إلى عشه الدافئ في يوم من الأيام؟
داخل تجربته الفوتوغرافية الغنية ومتعددة التقنيات والرؤى، يحاول عبد العالي النكاع رصد الكثير من الملامح الهاربة والمنفلتة للوجوه والأمكنة، هي الملامح التي تبدلتْ كثيرا وأصبحت عصية على القبض! لكن عين الفوتوغرافي أو عين الكاميرا (لا فرق!) تعمل جاهدة على استنطاق هذا المتخفي والملغز في الأمكنة والوجوه والصور كذلك، بكل هذه الشحنة أو الطاقة الهائلة من الحنين أو النوسطالجيا La nostalgie، هي المحرك الأساسي، لهذه التجربة الفنية نفسها، والتي قد تدفع أيضا بالكثير من المصورين الفوتوغرافيين إلى اختيار المكان والوجه البشري (البورتريه) مجالا للاشتغال الفني وخيارا تعبيريا وجماليا مُهِمّا وأساسيا في آخر المطاف؟ وفي نفس الوقت موضوعا لأغلب الأعمال الفوتوغرافية لعبد العالي على وجه التحديد؟
هل المكان بذاكرته البعيدة، والوجه البشري، بحمولته الدلالية القوية، وبالنظرات الملتبسة في العيون هي مَكْمن الرغبة والدهشة والحنين في كل شيء؟ مما يجعل الفوتوغرافي نفسه مأسورا بهذه النظرات و”ضحية” لها في نفس الوقت؟ وبما أن الفوتوغرافيا، وخصوصا في شقها المتعلق بالصور الشخصية (البورتريهات) هي “سليلة للحنين” بامتياز، على حد تعبير رولان بارط، فهي تجعلنا، كلما أعدنا مشاهدتها، نسترجع جزءا من ذكرياتنا وأزمنتنا الماضية، وهي تحاول أيضا، من خلال قوتها التشخيصية، تمثيل هذا الماضي أو الغائب وجعْلِه دائم الحضور في الزمن والصورة والمكان، ثم العمل على جعل الصورة الفوتوغرافية نفسها أداة ووسيلة لاسترجاع هذا الغائب والمنسي، وإنقاذه من التلاشي والتفسخ والنسيان.
ومثل الكثير من التجارب الفوتوغرافية، الواعية بموضوعها ومجال وتقنيات اشتغالها، تكون التجربة الفوتوغرافية لعبد العالي النكاع، تجربة جمالية تحتفي بالعين ومُنجَزِها بشكل أساس، وللأثر الفني بها (الصورة الفوتوغرافية) كما للعين (عين الصورة والقراءة) ذاكرتان: ذاكرة قبْلِية، تحتفظ بها العين والأثر معا في لُحمتهما، في زمنيتهما الخالصة، وذاكرة يؤسسها إيحائيا كل منهما على وجه التحديد (العين والأثر) لحظة اقتطاعه من الزمن. نفْس الإيحاء يواصل هذا الأثر إحالته على عين قارئة أخرى، تَبْسُط دلالته أو تكثف من رمزيته، تحركها في الثابت والمُعْتِم والمنسي، تُغلقها أو تفتحها أيضا على المدهش وغير المتوقَّع؟ مِنْ ثَمَّ، تستيقظ ذاكرة العين والأثر فقط، حين تباشرهما القراءة. و َتنهض، عند عبد العالي، أسئلة الأسود والأبيض، ومسألة التلاقحات الدلالية والجمالية كذلك، باعتبار الصورة الفوتوغرافية نصا تصويريا Texte Pictural أو فوتوغرافيا Photographique بامتياز!
ولعل الصور التي نقدمها كنماذج فقط من أعمال عبد العالي النكاع، في هذا السياق، تكشف بوضوح أن انشغاله بالوجه والمكان لا يقوم على مجرد البحث عن موضوع جميل أو لقطة لافتة، وإنما يتأسس على نوع من الإصغاء البصري لما تقوله الأشياء حين تكفّ عن الكلام. فالصورة عنده لا تبدو نسخة عن الواقع بقدر ما تبدو أثراً منه، أثراً ينتزع من الزمن لحظة عابرة، ثم يعيد ترتيبها داخل فضاء الصورة، لكي تصبح قابلة للتأمل والقراءة والتأويل. وهنا تكمن تحديدا إحدى أهم خصائص التجربة: لا يصور عبد العالي الوجوه لأنها موجودة فقط، ولا يصور الأمكنة لأنها قديمة أو جميلة، وإنما لأنه يرى في الوجه والمكان ذاكرةً قابلة لأن تُستعاد، وفي الأثر البصري إمكانية لمقاومة النسيان.

تكشف الصورة الأولى، التي يظهر فيها وجه طفلة مستنداً إلى ذراعيها، عن حساسية خاصة تجاه البورتريه بوصفه لحظة توتر بين البراءة والوعي. فالطفلة لا تنظر مباشرة إلى العدسة، وإنما ترسل نظرتها إلى جهة أخرى، قبل أن تعود العين، من خلال تركيب الصورة، لتلتقي بعين المتلقي. وهذه النظرة الجانبية هي التي تمنح البورتريه قوته الإيحائية، إذ لا تبدو الطفلة وكأنها تؤدي دوراً أمام الكاميرا، بل تبدو وكأن المصور اقتنص لحظة من شرودها أو تأملها الخاص. هنا لا يفرض الفوتوغرافي على الوجه تعبيراً، وإنما ينتظر اللحظة التي يكشف فيها الوجه عن شيء من ذاته.
واللافت في هذه الصورة أن الذراعين، بما تحملهما الملابس من زخارف دقيقة، تتحولان إلى ما يشبه إطاراً داخلياً للوجه. فالجسد لا يحيط بالرأس فقط، وإنما يساهم في توجيه العين نحوه. وتتحول التفاصيل الصغيرة، مثل خصلات الشعر المتطايرة، ولمعان العينين، وتباين ملمس القماش مع نعومة البشرة، إلى عناصر تشكيلية ترفع الصورة من مجرد بورتريه لطفلة إلى بناء بصري متكامل. أما اختيار الأسود والأبيض فيضيف إلى هذا البناء بُعداً زمنياً واضحاً، فالطفولة نفسها تبدو كما لو أنها دخلت منذ لحظة التقاطها في مجال الذاكرة.
إن الأسود والأبيض هنا ليسا مجرد اختيار تقني أو جمالي، وإنما طريقة في النظر. فغياب اللون يحرر الوجه من واقعيته اليومية ويمنحه نوعاً من التجريد، بحيث تصبح الإضاءة والظل والملمس والنظرة هي العناصر الأساسية في إنتاج المعنى. وبذلك لا يعود السؤال: من تكون هذه الطفلة؟ بقدر ما يصبح: ماذا تحفظ هذه النظرة؟ وما الذي يجعل وجه طفل، في لحظة عابرة، قادراً على استدعاء طفولات أخرى، وذكريات أخرى، وأزمنة لم نعشها بالضرورة؟ تلك هي قوة البورتريه عند عبد العالي النكاع: ينتقل من الشخص المفرد إلى الإنساني المشترك.

وإذا كانت الصورة الأولى تستبقي الوجه في حالة من الانفتاح الهادئ على المتلقي، فإن الصورة الثانية تنتقل بنا إلى الطرف الآخر من التجربة: القبض على ذاكرة المكان وتفاصيله الممكنة. وهنا لا نجد وجهاً بشرياً يحتل مركز الصورة، بل نجد ممراً ضيقاً في المدينة القديمة، محاطاً بجدران متقاربة، ومؤطراً بقوس حجري كبير في مقدمة المشهد. غير أن غياب الإنسان عن مركز الصورة لا يعني غياب البشري عنها، فالمكان نفسه يبدو مشبعاً بآثار الإنسان، بما يحمله من أبواب، وجدران، وأسلاك، وأحجار، وممرات، وبما يوحي به من حيوات مرت من هنا ثم غابت وابتلعها الزمن.
يؤدي القوس الكبير في مقدمة الصورة وظيفة بصرية تتجاوز وظيفته المعمارية. فهو يشبه فتحة أو بوابة تعبُر منها العين نحو عمق المكان. وكأن المصور لا يقدم لنا المدينة مباشرة، بل يجعلنا ندخل إليها عبر طبقات متتالية من النظر. في المقدمة ظلمة نسبية، وفي الوسط انفتاح، وفي العمق تظهر هيئة بشرية صغيرة تكاد تضيع داخل المشهد. وهكذا يصبح الإنسان نفسه جزءاً من هندسة المكان، وليس سيداً عليه. الإنسان عابر، فيما تبدو الجدران والأحجار أكثر رسوخاً منه.
ولعل هذه الصورة هي الأكثر وضوحاً في التعبير عن فكرة “ذاكرة المكان”. فالحجارة المبلطة على أرضية الممر، وما يبدو على الجدران من تشققات وتآكل وآثار استعمال، تتحول كلها إلى علامات زمنية. والمدينة القديمة لا تظهر هنا بوصفها ديكوراً تراثياً، وإنما بوصفها جسداً تعرض للزمن. إن ما يصوره النكاع ليس “القديم” في حد ذاته، بل أثر الزمن في هذا القديم. ولذلك تصبح الخشونة والتصدعات والظلال عناصر دلالية، لأنها تمنح المكان قدرة على الكلام. تتأكد كذلك هذه الرؤية من خلال حضور الضوء. فالمصباح البعيد في عمق الممر يبدو صغيراً، لكنه يؤدي وظيفة رمزية لافتة، فهو نقطة مضيئة وسط فضاء يغلب عليه العتمة. ويمكن النظر إليه باعتباره علامة على استمرار الحياة داخل مكان يبدو كأنه عالق بين الماضي والحاضر. إن العتمة هنا ليست عتمة مطلقة، كما أن الماضي ليس زمناً ميتاً. ثمة دائماً ما يبقى مضيئاً في الذاكرة، ولو كان صغيراً وبعيداً كذلك.

وتكشف الصورة الثالثة، التي يقدم فيها المصور بورتريهاً لرجل مسن يحمل حزمة من النباتات أو الأعشاب، عن انتقال آخر في بناء الذاكرة. فهنا يعود الوجه إلى مركز الصورة، لكن الوجه لم يعد وجه طفولة، إنه وجه أثقلته السنون، وتظهر عليه التجاعيد بكثافة شديدة، كما تظهر اللحية البيضاء والملامح الحادة والغطاء التقليدي للرأس. إذ لا يحاول المصور إخفاء آثار الزمن، بل يجعلها في صدارة الصورة. على اعتبار أن التجاعيد ليست عيوباً ينبغي تنميقها، وإنما تتحول إلى كتابة على الجسد. وهذه نقطة أساسية في تجربة النكاع: يصور الوجه كما لو كان أرشيفاً. كل تجعيدة يمكن أن تكون سطراً من سيرة غير مكتوبة، وكل نظرة تختزن تاريخاً لا يستطيع التصوير أن يرويه بالكلمات. لذلك تبدو الصورة وكأنها تقاوم الصورة النمطية التي تجعل البورتريه مجرد تمثيل للهيئة. فالهيئة هنا ليست غاية، وإنما مدخل إلى ما وراء هذه الهيئة.
والرجل في الصورة لا يظهر منفصلاً عن مهنته أو عالمه اليومي. حزمة النباتات التي يحملها تحتل جزءاً كبيراً من المقدمة، وتخلق توازناً مع الرأس والوجه في الأعلى. وهنا يتداخل البورتريه مع البعد الاجتماعي والتوثيقي. فالرجل ليس “وجهاً” فقط، بل هو أيضاً شخص مرتبط بعمل ومكان وممارسة يومية. وبذلك يربط النكاع بين الإنسان ومحيطه، بين الملامح وما تصنعه اليد، وبين الوجه وما يحمله الجسد من أثر العمل والعيش. كما أن الخلفية السوداء العميقة تمنح هذا البورتريه قوة مسرحية واضحة. تعزل الشخصية عن محيطها المباشر، وتدفعها إلى الواجهة، لكنها في الوقت نفسه تجعلها تبدو كأنها خارجة للتو من عتمة الذاكرة. يلتقط الضوء الوجه واللحية والغطاء والنباتات، بينما يترك أجزاء أخرى من الجسد في الظل. وهذه التقنية تمنح الصورة اقتصاداً بصرياً شديد الفاعلية: لا شيء فائض تقريباً، وكل تفصيل مرئي يشارك في صناعة الدلالة.
وفيما تبدو العينان في هذا البورتريه شديدتي الأهمية. فالنظرة ليست مطمئنة تماماً، ولا هي مواجهة مباشرة وبسيطة. ثمة شيء من التحفظ، وربما شيء من التعب أو التأمل. وهذه المنطقة الملتبسة في النظرة هي بالضبط ما يجعل البورتريه قابلاً للتأويل. فالصورة لا تمنحنا معنى جاهزاً عن الرجل، وإنما تتركنا أمام سؤال مفتوح: ماذا يرى؟ وماذا رأى طوال حياته؟ وما الذي لا يمكن للصورة أن تصل إليه مهما بلغت دقة العدسة؟

أما الصورة الرابعة فتأخذ البورتريه إلى منطقة أكثر تعقيداً، لأنها تحجب الوجه بدلاً من أن تكشفه. رجل يضع يديه على وجهه، فتتحول اليدان إلى حاجز بين العين والهوية. وفي الوقت نفسه، لا تختفي الشخصية تماماً، فالشعر، والأذن، وبنية الرأس، والملابس، كلها تبقي على حضورها. هنا يصبح إخفاء الوجه شكلاً آخر من أشكال الكشف. فما لا نراه يدفعنا إلى النظر أكثر. إذ تفتح هذه الصورة بالذات سؤالاً مهماً حول علاقة المصور بموضوع الصورة. ففي البورتريه التقليدي، يفترض المتلقي أن الكشف عن الوجه هو الطريق إلى معرفة الشخصية. أما هنا فإن النكاع يقلب المعادلة: حيث يصبح الحجب هو الذي ينتج المعنى. واليدان لا تمنعان الرؤية فقط، بل تصنعان صورة عن الانفعال، وربما عن الخجل أو الألم أو التأمل أو الرغبة في الانسحاب من نظرة الآخر. لا يمكن الحسم في معنى واحد، وهذا ما يمنح الصورة قوتها من حيث مستوياتها التعبيرية والجمالية.
كما أن اليدين، بما تحملهما البشرة من خطوط وتجاعيد، تتحولان إلى وجه بديل. لا يتركنا المصور بلا ملامح، بل ينقل الملامح من الوجه إلى اليد. وكأن الجسد كله قابل لأن يصبح بورتريهاً. هنا تتسع دلالة البورتريه عند النكاع من تصوير الوجه إلى تصوير الأثر الإنساني نفسه. تقول اليدان ما يعجز الوجه المحجوب عن قوله، وتصبحان سجلاً ثانياً للزمن. والأكثر دلالة أن الصورة لا تعتمد على الأسود والأبيض بوصفهما خلفية محايدة، بل توظفهما لإنتاج صراع بصري بين الضوء والظل، وبين الجلد والشعر، وبين اليدين والوجه المختفي. إذ تصبح التفاصيل الدقيقة للجلد والخطوط ذات حضور شبه حسي. حيث لا تكتفي المتلقي برؤية اليد، وإنما تكاد “تلمسها” بصرياً. وهنا يتحول التصوير إلى كتابة بالملمس بشكل أساس.
وإذا جمعنا الصور الأربع، أمكن القول إن عبد العالي النكاع يتحرك داخل مساحة واحدة، رغم اختلاف الموضوعات: مساحة الإنسان في علاقته بالزمن والمكان. الطفلة، والرجل المسن، والشخص الذي يخفي وجهه، والعابر داخل المدينة القديمة، كلها صور لشكل من أشكال الحضور الإنساني الهش. فالإنسان يعبر، يكبر، يختفي، يشيخ، يلتفت، يشرُد، ويترك وراءه آثاراً تحاول الكاميرا أن تنقذها من المحو.
ومن هنا فإن ثنائية “الوجه/المكان” التي تقوم عليها التجربة الفوتوغرافية لعبد العالي النكاع لا تبدو ثنائية متعارضة، بل متكاملة. فالوجه مكان أيضاً، لأنه يحمل آثار السنين والذاكرة. والمكان وجه أيضاً، لأنه يحمل آثار الذين عاشوا فيه ومروا عبره. بحيث تصبح تجاعيد الرجل المسن شبيهة بتشققات جدران المدينة القديمة، وحجارة الممر تشبه خطوط اليدين في الصورة الرابعة، كلاهما كتابة زمنية صامتة. وفي الحالتين، لا يقوم المصور إلا بعملية الإصغاء إلى هذه الكتابة.
إن ما يميز عبد العالي النكاع، في هذه الصور، هو أنه لا يطارد اللحظة المثالية التي تجعل الشخصيات “جميلة” بالمعنى الفوتوغرافي السطحي، بل يطارد اللحظة التي تصبح فيها الصورة قادرة على حمل الأثر. لذلك نجد في صوره نظرات غير مكتملة، ووجوهاً لا تقدم نفسها بسهولة، وأمكنة لا تشرح تاريخها، وأجساداً تحمل ما لا يمكن ترجمته بسهولة إلى لغة. إنها فوتوغرافيا الأثر أكثر مما هي فوتوغرافيا المشهد.
ولعل هذا ما يفسر حضور الأسود والأبيض بقوة في هذه الأعمال. فهما يختزلان الواقع، لكنهما لا يفقرانه؛ بل يتيحان له أن يظهر في طبقات أكثر كثافة. الأبيض هنا ليس لوناً بالمعنى التقليدي، والأسود ليس غياباً للون، وإنما هما قطبان تتولد بينهما منطقة واسعة من الرماد، وهي المنطقة التي تعيش فيها الذاكرة نفسها: لا هي حضور كامل ولا غياب كامل، لا هي حقيقة مكتملة ولا وهم محض. الصورة الفوتوغرافية، في هذا المعنى، تشبه الذاكرة في كونها تحفظ وتنسى في الوقت نفسه.
أما من الناحية التشكيلية، فما يلفت انتباهنا هو اعتماد النكاع على القرب الشديد من الشخصية في بعض البورتريهات، وعلى العزل القوي للخلفية، وعلى التباين الحاد بين الضوء والظل. وهذا ما يجعل العين مجبرة على مواجهة التفاصيل. لا مجال هنا للفرجة السريعة، فالملامح تفرض نفسها على المتلقي، وتدعوه إلى التوقف. أما في صور الأمكنة، فيتغير منطق النظر: تنسحب الشخصية إلى العمق، ويصبح المكان هو الذي يفرض إيقاعه على العين، من خلال الخطوط والمنظور والأقواس والأبواب والظلال.
وهذا الاختلاف بين البورتريه وصورة المكان يكشف عن وعي واضح بالتكوين. ففي صورة الطفلة، تتكثف الصورة حول الوجه والعينين والذراعين. وفي صورة الرجل، تتوزع الكتلة بين الوجه والنباتات. وفي الصورة التي تحجب فيها اليدان الوجه، يصبح التداخل بين أجزاء الجسد هو نفسه موضوع التكوين. أما في صورة المدينة، فتقود الخطوط المتوازية للرصيف والجدران العين نحو العمق. وبالتالي فإن النكاع لا يكرر نفسه، وإنما يغير لغة الصورة بحسب طبيعة موضوعه.
غير أن الثابت في هذه الصور جميعها هو حضور “العين” باعتبارها مركزاً لتجربة التصوير والتلقي. فالعين هي التي تختار اللحظة، والعين هي التي تنتقي ما يدخل الكادر (الإطار) وما يبقى خارجه، ثم تأتي عين المتلقي لتعيد بناء الصورة من جديد. بهذا المعنى، لا تنتهي الصورة حين يضغط المصور على زر الكاميرا، تبدأ هناك فقط. وما إن تنتقل إلى عين أخرى حتى تدخل في زمن جديد، وذاكرة جديدة، وتأويل جديد.
ولذلك يمكن النظر إلى تجربة عبد العالي النكاع باعتبارها نوعاً من “الأرشيف الحميمي” للمغرب، دون أن تكون أرشيفاً وثائقياً بالمعنى الصارم. إنه أرشيف للملامح، للزوايا، للأمكنة الهامشية، للوجوه التي قد لا تدخل كتب التاريخ، وللتفاصيل التي يهددها التحول العمراني والاجتماعي بالنسيان. إنها كتابة فوتوغرافية من أسفل الطبقات الاجتماعية، تنظر إلى ما قد لا يحظى عادة بالاهتمام، وتمنحه لحظة من الخلود البصري.
ومن هذه الزاوية، يصبح حضور مدينة تازة العتيقة في تجربته أمراً يتجاوز التوثيق التراثي. فالمدينة ليست موضوعاً خارجياً، وإنما تبدو جزءاً من الذاكرة الذاتية للفنان. تصوير الأزقة والأقواس والحجارة والجدران هو، في جانب منه، تصوير لعلاقة الإنسان بمكانه الأول، أو بالمكان الذي ترك فيه جزءاً من ذاته. ولعل سؤال الهجرة والإقامة في باريس الذي يحضر في بداية هذا النص يجد صداه هنا: فالمكان الذي يغادره الإنسان لا يغادره بسهولة، لأنه يستمر في الظهور داخل ذاكرته، وقد تعيده الصورة إليه بطريقة أكثر قوة من الواقع نفسه.
إن عبارة “الطائر المهاجر” الذي استحضرناها في بداية هذه الورقة – القراءة لا تعود، في ضوء هذه الصور، مجرد استعارة للسفر أو الغربة، وإنما تتحول إلى استعارة للعين نفسها. تسافر عين المصور، لكنها تحمل معها أماكنها ووجوهها. قد تنتقل جغرافياً من تازة إلى باريس، ومن المغرب إلى فضاءات أخرى، لكن الذاكرة لا تتحرك بالسرعة نفسها، تظل، على العكس من ذلك، مرتبطة بالأمكنة الأولى، وتعود إليها باستمرار عبر الصورة.
ومن هنا تتخذ الفوتوغرافيا عند عبد العالي النكاع بعداً وجودياً أكثر منه وصفياً. إنها محاولة للإمساك بما لا يمكن الإمساك به: الزمن. فكل صورة هي اعتراف ضمني بأن اللحظة ستنتهي، وأن الوجه سيتغير، وأن الطفل سيكبر، وأن الشيخ سيغيب، وأن الجدار سيتداعى، وأن العابر في الزقاق سيواصل طريقه ولن يعود إلى النقطة نفسها. لذلك تبدو الكاميرا وكأنها تعمل ضد الزمن، لكنها في الوقت نفسه تشهد على مروره وانقضائه في آخر المطاف. وهذه المفارقة هي جوهر الفوتوغرافيا: تحفظ اللحظة لكي تقول لنا إنها كانت. والصورة تمنح الغائب حضوراً، لكنها تجعل غيابه أكثر وضوحاً أيضاً.
وإذا كانت الصورة الفوتوغرافية، كما أشار رولان بارط في تأملاته حول الفوتوغرافيا، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بفكرة الغياب والموت والزمن المنقضي، فإن تجربة النكاع تنفتح على هذه الفكرة دون أن تتحول إلى رثاء للماضي. ثمة حنين واضح، نعم، لكنه حنين منتج، يحول الماضي من كتلة مغلقة إلى مادة للتأمل. ولذلك فإن النكاع لا يستعيد الماضي لكي يهرب من الحاضر، بل يستعيده لكي يفهم الحاضر، وربما لكي يسأل عما نخسره ونحن نعتقد أننا نتقدم. في النهاية، لا يبدو عبد العالي النكاع مصوراً للوجوه والأمكنة فقط، وإنما مصوراً لما يقع بين الوجه والمكان، وبين الإنسان والزمن، وبين الذاكرة والصورة. وهذا “البين” هو المجال الحقيقي الذي تتحرك فيه تجربته. هناك، في المسافة الدقيقة بين ما نراه وما نتذكره، بين ما حضر أمام العدسة وما غاب عنها، تنشأ قيمة الصورة.
فالصورة، في نهاية المطاف، لا تحفظ ما رأته العين وحدها، بل تحفظ أيضاً ما لم تستطع العين أن تقوله. وهذا هو سر تلك المسافة الغامضة التي تفصل بين الفوتوغرافي وموضوعه، وبين الصورة ومتلقّيها، وبين الحاضر والماضي. مسافة لا تُردم تماماً، لكنها تظل مفتوحة على التأويل. وفي تلك المسافة تحديداً، يبدو عبد العالي النكاع أكثر انشغالاً بإنقاذ أثر الإنسان والمكان من النسيان، من انشغاله بمجرد تسجيل حضورهما. ومن ثَمَّ، تصبح الفوتوغرافيا عنده ذاكرةً ثانية للعالم، ذاكرة لا تتحدث بالكلمات، وإنما بالضوء والظل والنظرة والملمس والصمت.



