من التواصل التنظيمي إلى صناعة المبادرة: «الوطن أولاً ودائماً» تضع الشباب في قلب مشروعها المدني

0
67

اللقاء التواصلي العام الذي عقدته جمعية «المبادرة الوطن أولاً ودائماً» بالرباط يوم 15 غشت 2026، بمشاركة مسؤولي وممثلي فروعها داخل المغرب وخارجه، يكتسب دلالته من طبيعة الملفات التي اختارت الجمعية وضعها على الطاولة أكثر مما يكتسبها من الجانب التنظيمي للقاء. فحضور ممثلين عن المغرب و13 دولة بالخارج، من أوروبا وأمريكا وإفريقيا والشرق الأوسط، يكشف أن الجمعية تعمل على بناء شبكة مدنية تتجاوز المجال المحلي، بينما يضع جدول الأعمال الشباب في مركز الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة أكثر مؤسساتية وميدانية. وهذا الاتجاه ينسجم مع المسار الذي راكمته الجمعية منذ تأسيسها، إذ تقدم نفسها كإطار مدني إصلاحي وتنموي مستقل، وسبق أن جعلت من الترافع والاقتراح والتأطير جزءاً من أدوارها المعلنة.

اللافت أن التحضير للجمع العام العادي، المقرر نهاية السنة، جاء في صدارة النقاش إلى جانب تقييم عمل الفروع ومشروع مذكرة حول الشباب ومبادرات عملية قابلة للتنزيل. وهذه العناصر الثلاثة تكشف انتقالاً تنظيمياً مهماً: الجمعية لا تكتفي بتوسيع حضورها، وإنما تبحث عن ضبط العضوية، مراجعة قانونها الأساسي، إعداد برنامج عمل، وترسيخ بنية قادرة على الانتقال من دينامية المبادرة إلى استمرارية المؤسسة. وهي مسألة سبق أن ظهرت في اجتماعاتها التنظيمية، التي ركزت على ضبط العضوية، هيكلة اللجان، تقوية الفروع، وتطوير العمل الشبابي والإعلامي والشراكات.

لكن جوهر اللقاء كان في مكان آخر: الشباب. فالمذكرة التي ناقشها المشاركون لا تتعامل مع هذه الفئة باعتبارها ملفاً قطاعياً منفرداً، بل باعتبارها مرآة لعدد من الاختلالات التي تواجه المجتمع كله. التعليم والتكوين، المهارات الحياتية، الصحة النفسية، الأسرة، الإعلام، القيم، الحكامة، العدالة الاجتماعية والمجالية، التشغيل، الاستثمار، والتحصين الرقمي، كلها وضعت داخل سلة واحدة، لأن الأزمة التي تواجه الشباب لا يمكن اختزالها في البطالة أو في ضعف الدخل وحده. الرسالة الضمنية هنا أن استعادة الثقة تقتضي معالجة البيئة التي يتكون داخلها الشاب، لا الاكتفاء بمخاطبته بعد أن تتراكم لديه أسباب الإحباط.

ولهذا تبدو الإشارة إلى «الأمل» و«القدوة» و«الفرص الحقيقية» أكثر أهمية من كونها عبارات ذات حمولة معنوية. فالشباب الذي لا يرى مساراً واضحاً للتعليم والعمل والترقي الاجتماعي يصبح أكثر عرضة للانفصال عن المؤسسات وعن الخطاب العام. والجمعية، حين تربط بين جودة التعليم والمهارات والتشغيل والحكامة والصحة النفسية، تقر عملياً بأن مشكلة الشباب هي في جزء منها مشكلة ثقة في المستقبل. وهذا التصور ليس جديداً في مسارها؛ فقد أطلقت الجمعية خلال 2025 برامج للتكوين في المهارات الحياتية والمهنية، والدعم والتوجيه الدراسي، وتأطير الشباب حاملي المشاريع، قبل أن توسع في 2026 اهتمامها بقضايا الشباب المغربي بالمهجر.

ويحمل إدراج «مغاربة العالم» داخل المذكرة دلالة إضافية. فالجمعية لا تنظر إلى الشباب المغربي بالخارج باعتباره امتداداً سكانياً منفصلاً عن الداخل، وإنما باعتباره رصيداً من الكفاءات والتجارب والقدرات يمكن إعادة ربطه بالمشروع التنموي الوطني. وهذا يفسر الحضور القوي للفروع الخارجية في اللقاء، كما ينسجم مع توصيات سابقة للجمعية دعت إلى إشراك الشباب المغربي بالخارج في المبادرات الثقافية والتنموية والمدنية، وتطوير قنوات التواصل المؤسساتي معه، وتكوين قيادات شابة قادرة على العمل المدني والدبلوماسية الموازية.

أما النقطة الأكثر قابلية للتحول إلى مشروع عملي فهي مبادرة «احتضان». الفكرة تقوم على أن يتكفل فرد أو مؤسسة أو مجموعة من الفاعلين بمواكبة شاب أو مجموعة من الشباب، ليس فقط مالياً، وإنما بالتأطير والتوجيه وبناء القدرات وفتح الأبواب أمام الفرص. والأهم في التصور أن دائرة «الاحتضان» المقترحة لا تتوقف عند الدولة أو الجمعيات، بل تمتد إلى الجماعات الترابية، المدارس والجامعات، الأسر الميسورة، الأطر والمتقاعدين، الرياضيين والمثقفين والمقاولين والشركات والبنوك والمنظمات. بهذا المعنى، تحاول المبادرة نقل مسؤولية الشباب من منطق «الدولة مطالبة بأن تفعل» إلى منطق «المجتمع كله يستطيع أن يفعل».

وهنا تحديداً تكمن قيمة الفكرة وتحديها في الوقت نفسه. «احتضان» يمكن أن تتحول إلى نموذج اجتماعي جديد إذا وجدت إطاراً واضحاً يحدد المستفيدين، ومعايير الاختيار، ومسؤوليات المحتضن، وآليات المواكبة والتمويل والتقييم، ويحمي العلاقة من التحول إلى إحسان ظرفي. أما إذا بقيت في مستوى الشعار، فإنها ستضاف إلى قائمة طويلة من المبادرات التي تنتهي عند لحظة الإعلان عنها. لذلك فإن دعوة الجمعية إلى أن تتبناها شخصيات وطنية وازنة وتحظى بقبول رسمي ومجتمعي تكشف إدراكاً مبكراً بأن نجاحها يتطلب حاضنة تتجاوز الجمعية نفسها.

واللافت أيضاً أن خطاب الجمعية حول الشباب يتقاطع مع تحول سابق في خطابها المدني. ففي أكتوبر 2025، أثناء احتجاجات الشباب، دعت إلى الحوار والتهدئة، أقرت بمشروعية المطالب، وشددت على الحكامة والعدالة وحماية المال العام، معلنة استعدادها للمساهمة في الحوار واقتراح الحلول. لذلك يمكن قراءة مذكرة الشباب الحالية باعتبارها امتداداً لذلك التصور: الاحتجاج بالنسبة إليها ليس نهاية النقاش، وإنما مؤشر على حاجة المجتمع إلى قنوات أكثر انتظاماً للتعبير والتأطير والاقتراح.

ومن هذه الزاوية، فإن التحضير للجمع العام لا يبدو إجراءً إدارياً منفصلاً عن مضمون المشروع. الجمعية تحاول في هذه المرحلة أن تجمع بين توسيع انتشارها، وتقوية بنيتها التنظيمية، وإنتاج وثيقة حول الشباب، وتحويل الأفكار إلى مبادرات، خصوصاً في وقت أصبحت فيه قضايا الثقة وتجديد النخب والمشاركة المدنية حاضرة بقوة في النقاش الوطني. وقد سبق أن دعت الجمعية، في اجتماع مكتبها التنفيذي في ماي 2026، إلى تجديد النخب ورفع الكفاءة في سياق الاستحقاقات المقبلة.

ما سيحدد قيمة هذه الدينامية في النهاية ليس عدد الفروع ولا عدد الدول التي شاركت في اللقاء، وإنما قدرة الجمعية على تحويل خطابها من التشخيص إلى أثر قابل للقياس. الشباب يحتاج إلى مدرسة أفضل، ومهارة قابلة للاستعمال، وفرصة عمل، ومجال للمبادرة، ومؤسسات أكثر عدلاً ووضوحاً، كما يحتاج إلى من يمد له جسراً حين تتعثر بدايته. وإذا نجحت «المبادرة الوطن أولاً ودائماً» في جعل «احتضان» نموذجاً عملياً لهذا الجسر، وربطت مذكرة الشباب ببرامج وشراكات ومؤشرات نتائج واضحة، فإنها ستكون قد قطعت خطوة حقيقية من العمل الجمعوي التقليدي نحو صناعة مبادرات ذات أثر اجتماعي. أما التحدي الحقيقي، فيبدأ بعد انتهاء الاجتماعات والبرقيات: يوم يتحول الاقتراح إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى برنامج، والبرنامج إلى فرصة حقيقية لشاب ينتظر من المجتمع أن يفتح له الباب.