الداودي يفتح ملف الجوجيتسو البرازيلي: شرعية وطنية ودولية… فمن يريد خطفها؟

0
103
صورة توثّق الحضور الرسمي لمديرية الرياضة صورة أرشيفية توثّق حضور أنس، رئيس مصلحة الجامعات والمنظمات بمديرية الرياضة، أشغال الجمع العام التأسيسي للجامعة الملكية المغربية للجيوجيتسو البرازيلي، الذي انعقد بأحد فنادق الرباط سنة 2018، في محطة تأسيسية تكتسب اليوم أهمية خاصة في ظل الجدل الدائر حول الشرعية والتمثيلية القانونية والمؤسساتية لهذه الرياضة في المغرب.

حين يتحول خطاب محمد الداودي إلى مرآة للرياضة المغربية: ما يقوله الكلام وما يكشفه الصمت

في إطلالته الأخيرة، اختار محمد الداودي أن يضع أكثر من ملف رياضي على الطاولة في لحظة واحدة: بعثة المغرب إلى ألعاب البحر الأبيض المتوسط بتارانتو، غياب رئيس اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية عن استقبال الوفد، معايير اختيار رئيس البعثة، ثم طريقة تدبير مديرية الرياضة لملفات جامعات رياضية تعيش أزمات قانونية وتنظيمية، وصولاً إلى التايكوندو والكيك بوكسينغ والمواي طاي والجيوجيتسو البرازيلي. ظاهرياً، تبدو الملفات متفرقة؛ لكن قراءة الخطاب كاملاً تكشف أنها تدور حول سؤال واحد: من يملك سلطة القرار في الرياضة المغربية، وبأي قواعد، ومن يتحمل مسؤولية نتائج ذلك القرار؟

الملاحظة الأولى التي تستوقف المتلقي هي انتقال الداودي من الحديث عن المشاركة الرياضية إلى مساءلة المؤسسات التي تقف خلفها. المغرب يشارك في تارانتو 2026 بوفد يضم 120 رياضياً ورياضية في 18 رياضة، وهي مشاركة يفترض أن تكون محطة إعداد للرياضات الأولمبية، لا مجرد مناسبة لرفع العلم الوطني. لكن الداودي لا يكتفي بالدعاء للرياضيين بالتوفيق، بل يتوقف عند صورة المؤسسة التي أرسلتهم.

هنا يأتي حديثه عن غياب فيصل العرايشي، رئيس اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية، عن استقبال البعثة. أهمية الملاحظة لا تكمن في الغياب الشخصي بحد ذاته، بل في الرسالة المؤسسية التي يريد الداودي إيصالها: هل يمكن لمؤسسة تطالب بالشفافية والحكامة أن تقدم نموذجاً واضحاً في حضورها ومسؤولياتها؟ وهو يحرص في الوقت نفسه على الفصل بين العلاقة الشخصية والمسؤولية المؤسساتية، وكأنه يعرف مسبقاً أن انتقاده قد يُقرأ باعتباره موقفاً شخصياً. لذلك يكرر أن الأمر لا يتعلق بالأشخاص، بل بالصفة والمسؤولية.

لكن الجزء الأكثر دلالة يبدأ عندما ينتقل من الغياب إلى رئاسة البعثة. فهو يتساءل عن اختيار الكاتب العام للجنة الأولمبية ورئيس الجامعة الملكية المغربية للسباحة لرئاسة الوفد، خصوصاً مع الإشارة إلى أن هذا الأخير كان قد جُرد، قبل أسابيع، من مهامه على رأس الجامعة. هنا لا يقدم الداودي اتهاماً، بل يفتح سؤالاً. وهذا الأسلوب أكثر قوة من الاتهام المباشر، لأنه يترك للمؤسسة مهمة تقديم الإجابة: ما هي المعايير التي تحكم اختيار رئيس بعثة وطنية؟ وهل هي معايير موضوعية ومعلنة، أم أن الأمر يدخل في تقدير إداري لا نعرف حيثياته؟

الأهم أن الداودي يستند إلى مفهوم الحكامة نفسه الذي تتحدث عنه المؤسسات الرياضية. فالنقاش، في جوهره، ليس حول شخص رئيس البعثة، وإنما حول قابلية القرار الرياضي للتفسير والتبرير. وعندما تصبح الحكامة شعاراً، فإن الاختبار الحقيقي لها يبدأ عند القرارات التي تثير الأسئلة.

ومن هنا ينتقل الخطاب إلى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ومديرية الرياضة، حيث يصبح النقد أكثر مباشرة. الداودي يتحدث عن جامعات رياضية تواجه إشكالات قانونية وتنظيمية، ويطالب القطاع الوصي بإجابات واضحة بدل ترك الملفات في منطقة الانتظار. وهذه النقطة لها أساس قانوني مهم: القانون رقم 30.09 يؤطر علاقة الدولة بالجامعات الرياضية وشروط تأهيلها وآليات اشتغالها، بما يجعل احترام القواعد القانونية والتنظيمية جزءاً من صميم مسؤولية التدبير الرياضي.

المشكلة التي يلمح إليها الداودي، إذن، ليست غياب القوانين، وإنما الفجوة بين وجود القاعدة القانونية وبين طريقة تفعيلها. وهذا فارق جوهري. فالإدارة التي تتدخل بسرعة في ملف، ثم تتأخر في ملف آخر مشابه، تخلق سؤالاً أكبر من السؤال القانوني نفسه: هل هناك معيار موحد للتعامل مع الجامعات، أم أن كل أزمة تُعالج باعتبارها حالة منفردة؟

وهنا تحديداً يخرج الجوجيتسو البرازيلي من هامش الخلافات الرياضية إلى قلب سؤال الشرعية. فالداودي، في حديثه، لم يتعامل معه باعتباره مجرد نزاع بين مكونات داخلية، بل استند إلى وجود شرعية دولية مرتبطة بهذا الصنف الرياضي، ثم طرح، ولو بصيغة غير مباشرة، السؤال الأكثر حساسية: إذا كانت هناك جهة ذات تمثيلية وشرعية دولية في هذا المجال، فمن يريد سحب هذه الشرعية منها أو نقلها إلى جهة أخرى؟

هذه النقلة مهمة لأنها تضع مديرية الرياضة أمام سؤال أكبر من مجرد تدبير خلاف إداري. فإذا كانت المسألة تتعلق فعلاً بتعارض بين تمثيلية وطنية ومرجعية دولية، فإن أي تدخل إداري لا يعود قراراً تقنياً محلياً فقط، بل يصبح موقفاً من هوية الجهة التي تمثل الرياضة ومن يملك حق الحديث باسمها. وهنا بالضبط تكمن حساسية الملف: هل نحن أمام معالجة لاختلال قانوني قائم، أم أمام إعادة ترتيب لخريطة الشرعية داخل رياضة لها مؤسساتها ومرجعياتها الدولية؟

ومن هذه الزاوية، يصبح الجوجيتسو البرازيلي أكثر من اسم ورد عرضاً في مداخلة الداودي؛ فهو ربما أوضح اختبار للمعيار الذي تحدث عنه بنفسه: هل تطبق القاعدة ذاتها عندما تتقاطع الشرعية الوطنية مع الشرعية الدولية؟ ومن يملك القرار النهائي عندما تختلف قراءات هذه الشرعية؟

حين يستحضر الداودي ملف الهوكي، ثم الجوجيتسو البرازيلي، ثم الكيك بوكسينغ والمواي طاي، فإنه في الحقيقة يقترب من جوهر الأزمة: تعدد النزاعات داخل الرياضات لا ينبغي أن يتحول إلى تعدد في المعايير الإدارية. فالجامعة الرياضية لا تحتاج فقط إلى الاعتراف بها، بل إلى وضوح حدود الشرعية التقنية والإدارية، وإلى مسطرة تستطيع أن تحسم الخلافات بدل إبقائها معلقة.

وفي ملف الكيك بوكسينغ والمواي طاي، يرتفع مستوى التحذير. يتحدث الداودي عن غياب المنتخب الوطني عن منافسات خارجية، ويستشهد ببطولة عربية في بنغازي قال إن تنظيمها وفر تذاكر السفر والإقامة للمنتخبات المشاركة، مع غياب المغرب عنها. وهنا، إذا صحت المعطيات التي أوردها، فإن النزاع الإداري يتحول مباشرة إلى كلفة رياضية. لأن عدم المشاركة لا يعني فقط غياب اسم المغرب عن لائحة المنافسين، بل حرمان الرياضيين من الاحتكاك والخبرة وفرص التطور.

هنا يظهر المسكوت عنه في الخطاب: عندما تتحول الأزمة الإدارية إلى خسارة رياضية، فإن المتضرر النهائي ليس المسؤول الإداري ولا الجامعة، بل الرياضي. والرياضي الذي يفوّت بطولة عربية أو قارية أو دولية يخسر تجربة، وتصنيفاً، واحتكاكاً، وربما فرصة عمر كاملة. لذلك تصبح مسؤولية الإدارة الرياضية أكبر من مجرد تدبير الخلافات.

ثم يصل الداودي إلى التايكوندو، وهنا يتغير اتجاه الخطاب من نقد المؤسسة إلى الحديث عن انتقال الأجيال. فهو يرى في الحراك الذي تعرفه الرياضة نموذجاً للنقاش العمومي، ويدافع عن حق جيل جديد في التعبير عن نفسه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويحذر من محاولة فرملة هذا الحراك. وهذه الرسالة تبدو أوسع من التايكوندو نفسه: الصراع الحقيقي ليس دائماً حول من يدير الجامعة، وإنما حول من يملك حق تعريف المستقبل الرياضي.

عبارته عن أن «لكل زمان رجالاته» تحمل دلالة واضحة. فهي اعتراف بأن الأجيال التي صنعت مرحلة معينة لا يمكنها أن تعتبر تجربتها ملكية دائمة للمؤسسة. وفي المقابل، فإن الجيل الجديد مطالب بأن يثبت نفسه بالكفاءة والمعرفة والتكوين، لا بمجرد الاحتجاج. بذلك يحاول الداودي أن يرسم انتقالاً من صراع الأشخاص إلى صراع المشاريع.

والمفارقة أن هذا الخطاب نفسه يضع صاحبه أمام المعيار الذي يطالب به الآخرين: إذا كانت المرحلة الجديدة تحتاج إلى حكامة وشفافية وتكافؤ في تطبيق القانون، فإن النقد أيضاً يحتاج إلى المعطيات والوثائق والتمييز بين ما هو ثابت وما هو استنتاج وما هو سؤال مفتوح.

لهذا، فإن القيمة الحقيقية في كلام الداودي ليست في الأسماء التي ذكرها، وإنما في الأسئلة التي تركها معلقة: لماذا تختلف سرعة الإدارة من ملف إلى آخر؟ من يحدد معايير اختيار رؤساء البعثات؟ أين تبدأ مسؤولية اللجنة الأولمبية وأين تنتهي مسؤولية الوزارة؟ ومتى يتحول الخلاف الإداري إلى ضرر مباشر على المنتخب الوطني؟ وهل تستطيع مديرية الرياضة أن تنتقل من وظيفة استقبال الشكايات إلى وظيفة صناعة الحلول؟

هذه الأسئلة هي جوهر المسكوت عنه. فالرياضة المغربية لا تعاني فقط من نقص الميداليات أو اختلافات الجامعات؛ إنها تواجه، في بعض الملفات، اختباراً أعمق يتعلق بثقة الفاعلين في قواعد اللعبة نفسها. وعندما تصبح القاعدة واضحة ومطبقة على الجميع، ينتهي جزء كبير من الصراع قبل أن يبدأ.

أما الرسالة الأبعد في خطاب الداودي، فهي أن مرحلة جديدة بدأت فعلاً، وأن وسائل التعبير تغيرت، وأن الأجيال الجديدة لن تقبل بالضرورة أن تبقى خارج النقاش. لذلك فإن أفضل استجابة للمؤسسات الرياضية ليست إسكات الأسئلة، بل الإجابة عنها. لأن السؤال الذي يُجاب عنه بالوثيقة ينتهي، أما السؤال الذي يظل بلا جواب فيتحول مع الوقت إلى أزمة ثقة.

والكرة، في النهاية، ليست في ملعب الداودي وحده. إنها في ملعب المؤسسات التي تحدث عنها: إما أن تشرح قراراتها، أو تترك الصمت يقوم مقام الإجابة.