المصباح بعد صدور قانون المحاماة: من معركة النص إلى حسابات ما بعد الانتخابات

0
94

بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية بشأن القانون رقم 66.23 لا يقرأ فقط باعتباره موقفاً من قانون أصبح نافذاً، بل باعتباره محاولة لإعادة تموضع الحزب داخل معركة خرجت من البرلمان ولم تنته سياسياً. فالقانون نُشر في الجريدة الرسمية عدد 7536 يوم 20 غشت 2026، بعد أن استنفد مساره التشريعي، بينما كانت المحكمة الدستورية قد أعلنت في 10 غشت تعذر البت في الإحالة، لأن رئيس مجلس النواب لم يرفق ملف الإحالة بالنص كما صادق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية. المحكمة لم تقل إن القانون دستوري، ولم تقل إنه غير دستوري؛ قالت ببساطة إن الرقابة لم يكن ممكناً ممارستها على النص الذي عُرض عليها.

هذه النقطة بالذات تمنح بلاغ «المصباح» نبرته الأكثر حدة. الحزب يحمل الحكومة ورئيسها ووزير العدل المسؤولية عن طريقة تدبير الملف، لكنه يضيف إلى ذلك انتقاداً لرئيس مجلس النواب بسبب خطأ إجرائي حال دون وصول النص الصحيح إلى المحكمة الدستورية. هنا يتجاوز البلاغ حدود الاعتراض على مضمون القانون إلى مساءلة المسار المؤسساتي الذي أوصل إليه: الحكومة متهمة بتغييب التشاركية، والبرلمان بخلل في الإحالة، والمحامون وجدوا أنفسهم أمام قانون نافذ من دون أن تحسم المحكمة الدستورية في مدى مطابقته للدستور. وهذه ليست تفصيلاً تقنياً في نظر الحزب، لأنها تمس صورة التشريع نفسه وطريقة إنتاجه.

لكن الأهم أن «المصباح» لا يريد أن يترك المعركة في ملعب الحكومة وحدها. فهو يعيد تثبيت موقفه السابق من استقلالية المحاماة وحصانة الدفاع، وهي المطالب التي شكلت جوهر الاعتراض المهني على المشروع منذ بدايات 2026، في وقت كانت فيه جمعية هيئات المحامين قد خاضت بالفعل أشكالاً من التوقف عن العمل والاحتجاج، قبل أن تتجدد المواجهة مع تقدم المشروع داخل البرلمان. ومن ثم فإن الحزب يضع نفسه في موقع سياسي يقول للمحامين: نحن مع جوهر اعتراضكم، لكننا لا نريد أن تتحول المواجهة إلى صدام مفتوح مع مرفق العدالة أو إلى أزمة يدفع ثمنها المتقاضون.

وهنا تظهر أكثر فقرات البلاغ دلالة: الدعوة الصريحة إلى استئناف العمل والتراجع عن التوقف الشامل. ظاهرياً، هي دعوة إلى تحكيم العقل وحماية مصالح المتقاضين. سياسياً، هي محاولة لفك الاشتباك بين قضيتين مختلفتين: مشروعية الاحتجاج على قانون المهنة، ومشروعية تعطيل الخدمات المهنية. الحزب يتبنى الأولى، لكنه يتحفظ على الثانية، لأنه يعرف أن استمرار التوقف ينقل مركز الثقل من سؤال استقلال المحاماة إلى سؤال تعطيل العدالة، ويمنح الحكومة مجالاً أوسع لتقديم الأزمة باعتبارها مشكلة مرفقية لا معركة حول ضمانات الدفاع.

والمفارقة أن الحزب نفسه كان قد دعا في فبراير إلى الحوار بين الحكومة وهيئات المحامين، وإلى إنهاء التوقف الشامل حفاظاً على حقوق المتقاضين، مع الإصرار في الوقت نفسه على استقلال المهنة وحصانة الدفاع. ما تغير منذ ذلك الحين ليس موقفه الجوهري بقدر ما تغيرت طبيعة المعركة: آنذاك كان النص مشروعاً يمكن التأثير في صياغته، أما الآن فقد أصبح قانوناً منشوراً وملزماً. لذلك ينتقل خطاب الحزب من محاولة التأثير في التشريع إلى البحث عن نافذة سياسية لإعادة فتحه.

وهذه النافذة يسميها البلاغ بوضوح: الانتخابات التشريعية المقبلة. حين يقول «المصباح» إن صدور القانون لا يعني نهاية النضال لأن البرلمان والحكومة المقبلين يستطيعان تعديل النص، فإنه لا يقدم فقط مخرجاً للمحامين من مأزق المعركة الحالية، بل يرسم خريطة سياسية جديدة للنزاع. المعركة، وفق هذا التصور، لم تعد حول إسقاط قانون صدر وانتهى مساره، وإنما حول من سيملك لاحقاً القدرة السياسية والتشريعية على مراجعته. وهنا يتحول القانون من قضية مهنية إلى ورقة يمكن أن تدخل ضمن الحساب الانتخابي، خصوصاً أن الحزب يربط صراحة بين مستقبل النص وتشكيلة البرلمان والحكومة القادمين.

في المقابل، لا يخفي البلاغ أنه يريد أيضاً مخاطبة الحكومة من موقع المعارضة: لقد انتهت إمكانية التفاوض حول النص الحالي، لكن مسؤولية تدبير نتائجه لم تنته. فالحكومة التي اتهمها الحزب بإدارة الملف بطريقة غير تشاركية ستظل، في رواية «المصباح»، مسؤولة سياسياً عن التوتر الذي رافق القانون وعن آثار التوقف المهني. أما الخطوة التي يقترحها الحزب الآن فهي فصل المسؤولية السياسية عن تعطيل المحاكم: يستمر الاعتراض على القانون، لكن يعود المحامون إلى العمل. بذلك يحاول الحزب الاحتفاظ بموقعه إلى جانب المحامين من دون أن يتحمل سياسياً تبعات استمرار شلل مرفق العدالة.

وتزداد أهمية هذا التموضع لأن أصل الخلاف ليس شكلياً. الاعتراضات المهنية تمحورت حول مدى استقلال الهيئات، وحدود تدخل السلطة التنفيذية، وضمانات الدفاع، وبعض المقتضيات المرتبطة بمسؤولية المحامي وحصانته؛ وهي قضايا قالت أصوات مهنية إنها تمس طبيعة العلاقة بين المحامي والسلطة القضائية والتنفيذية، لا مجرد تفاصيل تنظيمية. ولذلك فإن اختزال الصراع في «قانون المحاماة» يحجب السؤال الأوسع: أين ينبغي أن يقف الدفاع داخل ميزان السلطة والعدالة، ومن يضع الحدود التي لا ينبغي أن تتجاوزها الدولة حين تنظم مهنة يفترض أن تكون مستقلة عنها؟

بلاغ ابن كيران، في النهاية، يترك الباب مفتوحاً من جهتين متوازيتين: قانونياً، يعترف بأن النص أصبح واقعاً لا يمكن التعامل معه كمسودة؛ وسياسياً، يرفض اعتبار نشره خاتمة للنقاش. وبين الاعتراف بالواقع ورفض التسليم بنتائجه النهائية، يحاول «المصباح» بناء موقعه في المرحلة المقبلة: إلى جانب استقلال المحاماة، إلى جانب استمرار عمل المحاكم، وضد الحكومة في طريقة تدبيرها للملف، لكن مع عين واضحة على البرلمان والحكومة اللذين ستفرزهما الانتخابات المقبلة. لذلك فإن الرسالة الأهم في البلاغ ليست أن المعركة انتهت، ولا أن القانون سقط؛ بل أن المعركة غادرت قاعة التشريع وانتقلت إلى ساحة السياسة.