عبد الرحيم الرماح وانتخابات 23 شتنبر: عشر ملاحظات تخفي سؤالاً واحداً… من يريد أن يعيد للانتخابات معناها؟

0
117

في مقاله حول انتخابات 23 شتنبر 2026، يقدم عبد الرحيم الرماح عشر ملاحظات واقتراحات تبدو، في ظاهرها، موزعة بين نزاهة الانتخابات، اختيار المرشحين، المشاركة، دور البرلمان والحكومة، النقاش العلمي، التوجيه الديني، ومحاربة شراء الأصوات والفساد الانتخابي في القرى والأحياء الشعبية. لكن جمع هذه العناصر في نص واحد يكشف أن الكاتب لا يتحدث في العمق عن يوم الاقتراع فقط، بل عن أزمة أوسع تتعلق بالثقة في العملية السياسية وبقدرة المؤسسات المنتخبة على استعادة وظيفتها.

الرسالة الأولى التي يمكن التقاطها بين السطور هي أن نزاهة الانتخابات، بالنسبة إلى الرماح، أصبحت قضية مرتبطة بصورة المغرب وموقعه في مرحلة دقيقة وطنياً وإفريقياً ودولياً، وليس شأناً إجرائياً داخلياً فحسب. لذلك يضع المصداقية في مقدمة ملاحظاته، ويربطها مباشرة بالبرلمان وبالمؤسسات المنتخبة وبالتطورات التي تعرفها القضية الوطنية. معنى ذلك أن البرلمان المقبل، في تصوره، سيكون مطالباً بأن يمتلك شرعية سياسية أقوى، لأن طبيعة المرحلة تفرض مؤسسات تستطيع أن تتحدث باسم المجتمع بثقة أكبر.

ومن هنا تأتي ملاحظته الثانية حول المرشحين. الرماح لا يكتفي بالمطالبة بانتخابات نزيهة، بل ينتقل إلى السؤال الأصعب: ماذا تفعل النزاهة إذا كانت بعض نتائجها تفرز منتخبين لا يؤدون وظيفتهم؟ لذلك يتحدث عن المحاكمات والمتابعات، وعن التغيبات عن جلسات البرلمان، ثم يضع المسؤولية أيضاً أمام الناخبين الذين يدعوهم إلى مساندة المرشحين الذين تتوفر فيهم شروط النزاهة والمصداقية. الرسالة هنا واضحة: إصلاح المؤسسة لا يبدأ داخل قاعة البرلمان فقط، وإنما يبدأ لحظة اختيار من يدخل إليها.

وهذا يقود إلى جوهر ثالث في النص: الرماح يعيد الانتخابات إلى وظيفتها الدستورية والسياسية. فالبرلمان، كما يذكر، لا يستطيع القيام بمهامه كما حددها دستور 2011 إذا لم تكن شرعيته ناتجة عن انتخابات ذات مصداقية، والحكومة بدورها لا يمكن أن تعمل بكفاءة إذا لم يكن برنامجها منسجماً مع مرجعيات الأحزاب التي تتشكل منها، وإذا لم توجد أغلبية ومعارضة قادرتان فعلاً على مراقبتها. هنا لا يعود الحديث عن تحسين الانتخابات مسألة تقنية، بل يصبح دفاعاً عن معنى التمثيل السياسي نفسه.

أما الدعوة إلى المشاركة الجماعية، فهي تحمل في داخلها تشخيصاً أكثر حدة. الرماح يربط بين العزوف وبين ارتفاع فرص المرشحين الذين يعتمدون على أساليب غير نزيهة، وبين المشاركة وبين تعزيز فرص المرشحين ذوي المصداقية. إنه بذلك يضع جزءاً من مسؤولية فساد العملية الانتخابية أمام المجتمع نفسه، لا أمام الأحزاب والسلطات وحدها. العزوف، في منطقه، ليس موقفاً محايداً؛ إنه يترك الساحة لمن يملك المال والتنظيم والقدرة على تعبئة الأصوات.

لكن الكاتب لا يحصر الانتخابات في البرلمان. حين ينتقل إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، فهو يقول ضمنياً إن قيمة الانتخابات تقاس بما تستطيع المؤسسات المنتخبة فعله بعد إعلان النتائج. لذلك يدعو الأجراء والمهنيين والحقوقيين وجمعيات المجتمع المدني إلى مساندة المرشحين القادرين على الدفاع عن هذه الملفات. وهنا تتحول الانتخابات من عملية اختيار أشخاص إلى محاولة لإعادة ربط السياسة بالمصالح اليومية للمواطنين.

ويمنح الرماح للنقاش العلمي والإعلامي والثقافي وظيفة سياسية لافتة. فهو يدعو الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين إلى تكثيف الندوات والمقالات والنقاشات. وبين السطور، يبدو أن الكاتب يعتبر الوعي الانتخابي جزءاً من آليات النزاهة نفسها. فكلما اتسع النقاش حول البرامج والمرشحين والخيارات، تضاءلت مساحة التلاعب بالصوت الانتخابي وتحول المواطن من رقم انتخابي إلى طرف في نقاش عام.

ثم يصل النص إلى الدين، وهنا تظهر إحدى أكثر الرسائل حساسية. الرماح يستدعي المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية للحديث عن المال الحرام والفساد الانتخابي، ويقدم التصويت بوصفه شهادة ذات مسؤولية دينية وأخلاقية. وهو بذلك يحاول نقل محاربة شراء الأصوات من المجال القانوني وحده إلى المجال الأخلاقي والديني. فالانتخابات، في هذه الرؤية، لا تفسد فقط عندما تُخرق القوانين؛ إنها تفسد أيضاً عندما يتحول الصوت إلى سلعة.

لكن أكثر أجزاء المقال صراحة هو الجزء المتعلق بالمال. وصف شراء الأصوات بأنه «البؤرة السوداء الأولى» يكشف أن الرماح يعتبر المشكلة بنيوية وليست مجرد تجاوزات فردية. والأهم أنه لا يحمل المسؤولية لطرف واحد، بل يوزعها بين السلطات الإدارية والأحزاب والمواطنين. وهذا مهم لأن الرسالة الضمنية هنا تتجاوز الإدانة: إذا كان المال الانتخابي أصبح ممارسة معروفة، فإن محاربته تتطلب إرادة جماعية، لا مجرد حملات ظرفية خلال أيام الاقتراع.

ثم يحدد الكاتب مجالين يعتبرهما الأكثر هشاشة: العالم القروي والأحياء الشعبية. حديثه عن «الزرود» وتوزيع المال في القرى، ثم عن استغلال الفقر في الأحياء الشعبية وتحويل بعض الأشخاص إلى محترفين للدعاية الانتخابية، يكشف قراءة اجتماعية للفساد الانتخابي. فهو لا يتعامل مع المواطن الفقير باعتباره أصل المشكلة، بل يصف كيف يمكن أن تتحول الحاجة الاجتماعية إلى مدخل للاستغلال السياسي.

وهنا تكمن ربما أكثر الرسائل أهمية في المقال: الرماح لا يرى شراء الصوت منفصلاً عن الفقر والهشاشة الاجتماعية. ولذلك فإن محاربة الفساد الانتخابي لا يمكن أن تنجح بالقانون وحده إذا ظلت الظروف التي تجعل المواطن قابلاً للاستغلال قائمة. المال يشتري الصوت عندما تكون الحاجة أقوى من الثقة في السياسة.

في النهاية، تبدو الملاحظات العشر مختلفة في موضوعاتها، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: كيف يمكن استعادة المعنى السياسي للانتخابات؟ الرماح يطالب بنزاهة الاقتراع، وبمرشحين أكثر مصداقية، وبرلمان أكثر حضوراً، وحكومة أكثر انسجاماً، ومشاركة شعبية أكبر، ونقاش علمي وإعلامي أوسع، ووعي ديني وأخلاقي بالمسؤولية، وتشدد أكبر في مواجهة المال الانتخابي.

لكن ما يقوله النص، في مستواه الأعمق، هو أن أزمة الانتخابات لا تبدأ يوم 23 شتنبر ولا تنتهي بإعلان النتائج. إنها تبدأ قبل الصندوق، في علاقة المواطن بالسياسة، وفي صورة المرشح، وفي قدرة الأحزاب على تقديم بدائل، وفي مستوى الثقة بالمؤسسات، وفي الظروف الاجتماعية التي تجعل الصوت قابلاً للبيع أو الدفاع عنه.

لهذا يمكن قراءة مقال عبد الرحيم الرماح باعتباره نداءً من أجل انتخابات تعيد إنتاج الثقة، لا مجرد مؤسسات جديدة. فالاختبار الحقيقي في 23 شتنبر لن يكون فقط: من فاز ومن خسر؟ بل سيكون أيضاً: هل استطاعت العملية الانتخابية أن تقنع المواطن بأن صوته ما زال قادراً على صناعة الفرق، وأن البرلمان المقبل يستحق فعلاً أن يمثل المجتمع؟

ذلك هو السؤال الذي تختبئ خلفه الملاحظات العشر كلها.