تسجيل يتحدث عن «وزارة المالية» قبل نتائج 23 شتنبر يفتح سؤالاً أكبر: من يملك مفاتيح الحكومة المقبلة، صناديق الاقتراع أم التفاوض السياسي؟
في المغرب، يمكن أن يبدأ الصراع على الحكومة قبل أن تبدأ الانتخابات. لكن هناك فرقاً بين أن تتنافس الأحزاب على تصدر الاقتراع، وبين أن يتحدث أحد قادتها وكأن بعض الحقائب الوزارية حُسمت سلفاً، وأن أسماء بعينها يمكن أن تُمنح أو تُمنع منها.
هذا هو المعنى السياسي الذي جعل التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي أكثر من مجرد مواجهة كلامية مع فوزي لقجع.
التسجيل، الذي تداولته وسائل إعلام مغربية مساء الثلاثاء 25 غشت، نُسب إلى مداخلة للطالبي العلمي خلال اجتماع المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار. وفيه ينتقد رئيس مجلس النواب ما يعتبره استقطاباً لبرلمانيين ومنتخبين من حزبه نحو حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن يصل إلى النقطة الأكثر حساسية: الحديث عن وزارة الاقتصاد والمالية، والقول بشأن فوزي لقجع: «قول لو يقرب لوزارة المالية والله لا شافها». كما تحدث عن الترحال السياسي، وعن أساليب وصفها في سياق كلامه بالترهيب والترغيب.
المشكلة هنا ليست في أن يختلف الطالبي العلمي مع لقجع، ولا في أن يدافع عن حزبه في مواجهة حزب منافس. هذا جزء طبيعي من السياسة. المشكلة تبدأ عندما تنتقل اللغة من المنافسة الحزبية إلى الحديث عن الحكومة المقبلة وكأن توزيع حقائبها أصبح موضوعاً داخلياً بين القيادات الحزبية، قبل أن يقول الناخب كلمته.
فوزارة الاقتصاد والمالية ليست حقيبة يملك حزب معين وحده حق توزيعها. الفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيس الحكومة. كما أن تعيين رئيس الحكومة نفسه مرتبط بنتائج انتخابات مجلس النواب، إذ يعينه الملك من الحزب الذي تصدر الانتخابات وعلى أساس نتائجها.
وهنا تحديداً تكمن حساسية عبارة «والله لا شافها».
قد تكون في سياقها الحزبي مجرد تعبير عن موقف سياسي من شخص بعينه. لكن صدورها عن رئيس مجلس النواب يجعلها قابلة لقراءة أخرى، لأن صاحبها لا يتحدث بصفته عضواً عادياً في تنظيم حزبي فقط. إنه يرأس مؤسسة دستورية يفترض أن يكون موقعها مرتبطاً باحترام قواعد اللعبة التي يفترض أن تحكم الجميع.
وهذا لا يعني، من الناحية القانونية، أن العبارة وحدها تثبت أن الطالبي العلمي ادعى امتلاك اختصاص دستوري ليس له. ذلك استنتاج يحتاج إلى أكثر من جملة مقتطعة من تسجيل. لكن العبارة، من الناحية السياسية، تطرح سؤالاً مشروعاً: هل بدأ بعض السياسيين يتعاملون مع الحكومة المقبلة باعتبارها نتيجة مفاوضات داخلية بين الأحزاب قبل أن تكون نتيجة انتخابات؟
السؤال يزداد أهمية بسبب التوقيت.
التسجيل جاء في 25 غشت، أي قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، وفي لحظة تصاعد فيها التنافس بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، خصوصاً بعد انتقال عدد من المنتخبين والبرلمانيين بين التنظيمين. كما أن لقجع لم يعد يظهر فقط باعتباره مسؤولاً في المجال الرياضي ووزيراً مكلفاً بالميزانية، بل دخل رسمياً إلى المجال الحزبي من بوابة الأصالة والمعاصرة، ما جعله طرفاً في المنافسة السياسية المقبلة.
من هذه الزاوية، يصبح ذكر وزارة المالية أكثر دلالة من مجرد مشادة شخصية.
الحديث عنها يعني أن النقاش داخل الحزب لم يعد محصوراً في كيفية مواجهة انتقال البرلمانيين، وإنما امتد إلى شكل الحكومة المقبلة، وإلى من يمكن أن يكون داخلها ومن ينبغي أن يبقى خارجها.
وهذا هو الجزء الذي يستحق النقاش السياسي الحقيقي.
فالانتخابات لم تقع بعد. لا نعرف من سيتصدرها، ولا من سيقود الحكومة، ولا طبيعة التحالفات التي ستتشكل، ولا الأسماء التي ستقترح للاستوزار. كل ذلك سيأتي لاحقاً، وفق نتائج الاقتراع والمسارات الدستورية والسياسية التي ستليها.
حين يصبح الحديث عن الحقائب بهذه الثقة قبل كل ذلك، فإن القضية لا تعود مرتبطة بلقجع وحده.
إنها تتعلق بصورة السياسة نفسها.
أما الشق الآخر من التسجيل، والمتعلق بالحديث عن «الترهيب» و«الترغيب» واستقطاب المنتخبين، فهو أخطر من الناحية المؤسساتية إذا كان المقصود به اتهامات فعلية بوجود ضغوط أو إغراءات غير مشروعة. الطالبي العلمي، بحكم موقعه، يستطيع أن يختلف سياسياً مع خصومه وأن ينتقد طرق الاستقطاب، لكن إذا كان يتحدث عن وقائع تتضمن أفعالاً مخالفة للقانون، فالمسار الطبيعي ليس أن تبقى هذه الوقائع داخل اجتماع حزبي أو تتحول إلى مادة في السجال الانتخابي.
المطلوب عندها هو الدليل والجهة المختصة.
وهنا يمكن أن تنقلب المسألة على صاحبها: إذا كانت المعطيات جدية، فلماذا لا توضع أمام المؤسسات المختصة؟ وإذا كانت مجرد توصيف سياسي حاد لما يجري في سوق الانتخابات، فلماذا تُستخدم لغة تحمل كل هذه الحمولة؟
الجواب عن هذا السؤال لا نملكه بعد، ولذلك لا يصح تحويل الاتهام إلى حقيقة ثابتة.
لكن ما نملكه هو التسجيل المتداول، ومضمونه، وصفة الرجل الذي يتحدث فيه، والتوقيت الذي خرج فيه إلى العلن.
وهذه العناصر تكفي لطرح مسألة المسؤولية السياسية.
رئيس مجلس النواب ليس مجرد سياسي ينتظر الانتخابات المقبلة. إنه رئيس مؤسسة تمثل السلطة التشريعية. ولذلك فإن معيار المسؤولية في حالته يجب أن يكون أعلى من معيار المرشح الحزبي العادي.
ليس المطلوب منه أن يصمت عندما يهاجم حزبه، ولا أن يتخلى عن حقه في الدفاع عنه. المطلوب هو أن يوضح أين ينتهي موقفه الحزبي وأين تبدأ مسؤوليته المؤسساتية.
وإذا كان التسجيل قد نقل كلامه بدقة، فإن أول خطوة سياسية مسؤولة هي التوضيح العلني: ماذا قصد تحديداً بوزارة المالية؟ هل كان يتحدث عن موقف حزبي افتراضي؟ وهل يملك معطيات بشأن ما وصفه بالترهيب والترغيب؟ وإذا كان يملكها، فلماذا لم يضعها أمام الجهات المختصة؟
بعد ذلك يأتي السؤال الأصعب.
هل يستطيع رئيس مجلس النواب أن يستمر في موقعه من دون أن يقدم تفسيراً سياسياً مقنعاً لكلام صدر عنه في اجتماع حزبي، ثم خرج إلى الرأي العام في أكثر لحظة حساسية من الموسم الانتخابي؟
الاستقالة من رئاسة المجلس ليست عقوبة قانونية يفرضها التسجيل، ولا يمكن تقديمها باعتبارها نتيجة حتمية له. لكنها يمكن أن تكون، في نظام سياسي يقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، خياراً سياسياً وأخلاقياً إذا خلص صاحب المنصب نفسه إلى أن كلامه أضر بصورة المؤسسة التي يرأسها.
والأمر نفسه ينطبق على الترشح للانتخابات المقبلة. لا توجد في الوقائع المتاحة قاعدة تجعل التسجيل وحده سبباً قانونياً لمنع الطالبي العلمي من الترشح. أما المطالبة السياسية بعدم الترشح، فهي موقف أخلاقي وسياسي، لا حكم قانوني.
لهذا، فإن الصيغة الأدق ليست أن الرجل «أصبح ملزماً قانوناً» بالاستقالة أو الاعتذار أو الانسحاب من الانتخابات. الأدق أن نقول إن التسجيل وضعه أمام اختبار سياسي وأخلاقي لا يمكن تجاوزه بالصمت.
فالاعتذار، إن رأى أن عبارته تجاوزت حدودها، سيكون موقفاً سياسياً واضحاً. والاستقالة من رئاسة مجلس النواب ستكون أقصى أشكال تحمل المسؤولية السياسية. وعدم الترشح سيكون قراراً شخصياً يضع حداً للجدل.
لكن قبل كل ذلك هناك خطوة أبسط وأكثر إلحاحاً: أن يشرح رئيس مجلس النواب للمغاربة ما الذي كان يعنيه عندما تحدث عن وزارة لم توزع بعد، وحكومة لم تتشكل بعد، وانتخابات لم يُعرف بعد من سيفوز بها.
لأن المشكلة الحقيقية في هذه القصة ليست أن الطالبي العلمي لا يريد فوزي لقجع في وزارة المالية.
السياسيون يختلفون، ويتنافسون، ويضعون «فيتو» سياسياً على بعض الأسماء. هذا أمر مفهوم.
المقلق هو أن يبدو، ولو للحظة، أن الحكومة المقبلة تُناقش داخل الغرف الحزبية كما لو أن صناديق الاقتراع أصبحت مجرد محطة لاحقة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه مسبقاً.
وهنا يصبح التسجيل أكبر من صاحبه وأكبر من لقجع.
إنه يضع السياسة المغربية أمام سؤال بسيط وثقيل في آن واحد: هل الانتخابات هي التي تفتح باب الحكومة، أم أن أبواب الحكومة بدأت تُوزع مفاتيحها قبل أن يصل الناخبون إلى صناديق الاقتراع؟