لقجع في أجلموس.. حين يضع «البام» عقده السياسي على طاولة الجبل

0
119

في أجلموس، لا تبدو المسألة مجرد لقاء انتخابي آخر يضاف إلى عشرات اللقاءات التي تملأ المشهد المغربي قبل اقتراع 23 شتنبر. المكان نفسه يفرض على الخطاب السياسي امتحاناً مختلفاً: ماذا يعني أن تتحدث عن «مغرب بسرعة واحدة» من منطقة تعرف، مثل غيرها من المجالات الجبلية، أن المسافة بين القرار في المركز وأثره في الحياة اليومية يمكن أن تكون أطول من المسافة الجغرافية؟

فوزي لقجع اختار أن يبدأ من التاريخ قبل أن يصل إلى السياسة. أشاد بقبائل زيان وقبائل إقليم خنيفرة، مستحضراً تضحياتها في مقاومة الاستعمار والدفاع عن وحدة الوطن، ثم انتقل إلى ما يريده حزب الأصالة والمعاصرة للمرحلة المقبلة: حماية القدرة الشرائية، تأهيل الشباب، إصلاح التعليم والصحة، وتقليص الفوارق المجالية.

لكن الأهم لم يكن تعداد هذه الملفات، فهي حاضرة منذ سنوات في الخطاب العمومي المغربي. الأهم أن لقجع ربطها هذه المرة بصيغة أكثر التزاماً: برنامج لخمس سنوات، بأرقام وآجال، ثم محاسبة على النتائج.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

الحزب أعلن أن برنامجه الانتخابي سيقدم في فاتح شتنبر، أي أن لقاء أجلموس جاء في الساعات الأخيرة التي تسبق الكشف الرسمي عن الوثيقة التي يفترض أن تحول هذه العناوين العامة إلى التزامات قابلة للقياس. وكان لقجع قد قال في لقاء سابق إن البرنامج سيكون خالياً من «الكلام المعسول»، وإنه سيقدم أجوبة عن الصحة والتعليم وفرص العمل والقدرة الشرائية.

لذلك، فإن قيمة ما قاله في أجلموس لن تظهر كاملة إلا عندما تخرج الأرقام.

فالقول إن أجلموس تستحق فرص التنمية نفسها المتاحة لخنيفرة أو بني ملال أو الرباط مفهوم سياسياً، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأصعب: كيف تُقاس المساواة بين هذه المناطق؟

هل بالمستشفيات؟ بالطرق؟ بنسبة التمدرس؟ بفرص الشغل؟ بجودة النقل؟ بالاستثمار الخاص؟ بدخل الأسر؟ أم بقدرة الشباب على البقاء في مناطقهم بدل أن يصبح الرحيل هو الطريق الأكثر واقعية أمامهم؟

هذه هي المسافة التي تفصل بين الخطاب التنموي والبرنامج السياسي.

لقجع يعرف ذلك أكثر من كثير من السياسيين بحكم موقعه الحكومي في تدبير الميزانية منذ 2021. ولهذا فإن حديثه عن الأرقام والآجال ليس تفصيلاً لغوياً. عندما يتحدث مسؤول يوجد في قلب المالية العمومية منذ سنوات عن ضرورة الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ، يصبح من المشروع أن يُسأل أيضاً عن معيار النجاح الذي سيقاس به هذا الانتقال. وهذا السؤال يزداد أهمية لأن «المغرب بسرعتين» لم يعد مفهوماً جديداً في النقاش العمومي، بل أصبح أحد العناوين المستمرة للفوارق الاجتماعية والمجالية.

في أجلموس، حاول لقجع أن يضع الحزب في موقع مختلف عن العلاقة الانتخابية التقليدية. قال إن «البام» لا يتوفر على أي مستشار داخل الجماعة، ومع ذلك اختار الوصول إلى السكان والإنصات إليهم. كما رفض اختزال العلاقة مع المواطن في طلب التصويت، ودعا إلى أن يصبح المواطن شريكاً في الخيارات التنموية والسياسية.

هذه الرسالة لها معنى انتخابي واضح، خصوصاً في لحظة تتنافس فيها الأحزاب على استعادة الثقة في السياسة. لكنها تحمل أيضاً اختباراً للحزب نفسه.

فالمواطن الذي يسمع اليوم عن «عقد سياسي لخمس سنوات» لن يكون مطالباً بتذكر الخطاب بعد خمس سنوات. ما سيبقى أمامه هو الأثر: هل تحسنت المدرسة؟ هل أصبح الوصول إلى العلاج أسهل؟ هل وجد الشباب مسارات حقيقية للتكوين والعمل؟ هل انخفض الضغط على الأسرة؟ وهل تقلص فعلاً الفرق بين المركز والمناطق الجبلية؟

في هذا السياق، تبدو القدرة الشرائية والشباب والفوارق المجالية أجزاء من قضية واحدة أكثر مما تبدو ملفات منفصلة.

الأسرة التي تعاني من الغلاء لا تنتظر تشخيصاً جديداً. والشاب الذي يغادر المدرسة لا يحتاج إلى وصف المشكلة بقدر ما يحتاج إلى مسار يعيده إلى التكوين أو العمل. وساكن الجبل لا يحتاج فقط إلى إعلان أن منطقته جزء من «مغرب واحد»، بل إلى أن يرى ذلك في الطريق والمستوصف والمدرسة وفرصة الاستثمار والعمل.

ولعل هذا هو السبب في أن الحديث عن «الأرقام والآجال» سيكون أكثر أهمية من أي شعار آخر سيخرج من الحملة الانتخابية.

هناك أيضاً دلالة سياسية في اختيار لقجع لهذه المناطق الجبلية في هذه المرحلة. فالتحول الذي عرفه خطابه منذ دخوله حزب الأصالة والمعاصرة جعل حضوره يتجاوز وظيفة تقديم برنامج انتخابي. الرجل يحاول أن يثبت أن انتقاله إلى العمل الحزبي ليس بحثاً عن موقع، كما قال في لقاء سابق، بل عن مساحة للمساهمة في النقاش السياسي وصناعة البرامج. وفي الوقت نفسه، يرفع الحزب سقف طموحاته الانتخابية ويخوض معركة استعادة الثقة وتوسيع حضوره في عدد من المناطق.

لهذا تبدو أجلموس محطة ذات معنى: حزب يريد أصوات الناس، لكنه يقول إنه يريد قبل ذلك أن يشرح لهم ماذا سيفعل وكيف سيفعله.

المعادلة تبدو بسيطة، لكنها ليست كذلك.

فالأحزاب المغربية لم تعد تعاني من نقص في البرامج والتشخيصات. ما ينقص السياسة، في كثير من الأحيان، هو تحويل الالتزام إلى نتيجة يمكن للمواطن أن يراها ويحاسب عليها.

وحين يقول لقجع إن العلاقة مع المواطنين ستكون «عقداً سياسياً» لخمس سنوات، فإنه يرفع بنفسه مستوى الاختبار. العقد يعني التزاماً، والالتزام يعني مؤشرات، والمؤشرات تعني أن المواطن لن يحتاج في نهاية الولاية إلى خطب جديدة كي يعرف إن كان الوعد قد تحقق.

غداً، عندما يقدم «البام» برنامجه الانتخابي، ستنتقل الكرة من الخطاب إلى الورق. وبعد الانتخابات، إن وصل الحزب إلى مواقع المسؤولية، ستنتقل من الورق إلى التنفيذ.

أما أجلموس، التي استُحضرت في الخطاب باعتبارها نموذجاً للمناطق التي لا ينبغي أن تبقى في «السرعة الثانية»، فقد تصبح في النهاية واحدة من الأماكن التي سيُقاس فيها صدق هذا الوعد.

فالمغرب بسرعة واحدة لا يبدأ من الشعار، بل من المكان الذي ما زال يشعر بأنه يسير بسرعة أقل.