في السياسة، لا يكون الانتقال الحزبي مهماً دائماً بسبب اسم الحزب الذي يغادره المنتخب، وإنما بسبب القوة التي يحملها معه إلى الحزب الذي يستقبله. وفي الرباط، تبدو هذه المسألة أكثر تعقيداً الآن، لأن بعض الوجوه التي غادرت «الأحرار» لا تدخل إلى «البام» للمرة الأولى، بل تعود إليه بعد تجربة انتخابية خاضتها تحت راية حزب آخر.
هذا التفصيل الذي قد يبدو عادياً في خبر سياسي سريع، هو في الحقيقة مفتاح لفهم ما يجري في العاصمة.
اليوم السبت، عاد اسم فتيحة المودني، عمدة الرباط، وعادل الأتراسي، رئيس مجلس مقاطعة السويسي، إلى صفوف حزب الأصالة والمعاصرة، بعد مغادرتهما التجمع الوطني للأحرار في يونيو الماضي. وكان الاثنان قد أعلنا، إلى جانب ستة منتخبين آخرين، قطع الصلة بـ«الأحرار» بعد ساعات من إعلان الحزب لوائحه للانتخابات التشريعية المقبلة.
لكن الأهم أن هذه العودة لا تبدأ من الصفر.
المودني والأتراسي كانا من الوجوه المرتبطة بـ«البام» قبل انتقالهما إلى «الأحرار»، ثم خاضا انتخابات 2021 تحت راية الأخير، قبل أن يعودا الآن إلى الحزب الأول. وبذلك فإن «البام» لا يستقطب هنا وجوهاً مجهولة بالنسبة إلى الخريطة المحلية؛ إنه يستعيد شخصيات راكمت خلال السنوات الماضية تجربة انتخابية وتدبيرية داخل مؤسسات العاصمة.
وهنا يتغير السؤال.
هل يبني «البام» حضوراً انتخابياً جديداً في الرباط، أم أنه يعيد تجميع قوة انتخابية كانت موجودة أصلاً داخل المجلس الجماعي ومجالس المقاطعات، لكنها كانت موزعة على خريطة حزبية مختلفة؟
الفرق بين الاحتمالين كبير.
فلو كان الحزب يستقطب وجوهاً جديدة من خارج المجال الانتخابي المحلي، لكان الحديث عن توسع تنظيمي طبيعي. أما أن يستعيد شخصيات وصلت إلى مواقعها الحالية عبر انتخابات سابقة، وأن يستقبل معها شبكة من العلاقات المحلية والخبرة في تدبير المجالس، فذلك يعني أن ما يجري أقرب إلى إعادة تركيب للقوة السياسية الموجودة أصلاً.
وهذا ما يجعل الرباط حالة تستحق التوقف عندها.
في يونيو، خرجت من «الأحرار» مجموعة لم تكن هامشية. إلى جانب المودني والأتراسي، شملت الاستقالة نواباً ورؤساء لجان وكاتب المجلس ومستشارة بمجلس مقاطعة السويسي. وقال الموقعون إن قرارهم جاء بعد «نقاش مستفيض» و«تقييم موضوعي» لسنوات من العمل السياسي والميداني. لكن توقيت الخطوة كان لافتاً: جاءت مباشرة بعد إعلان مرشحي «الأحرار» للانتخابات التشريعية.
لم يكن التوقيت وحده هو المعطى اللافت. فالانتخابات المقبلة جعلت قيمة كل شخصية محلية مختلفة عن قيمتها داخل المجلس الحالي. المنتخب الذي يمتلك حضوراً في حي أو مقاطعة أو شبكة من العلاقات السياسية والاجتماعية قد يكون أكثر أهمية للحزب عندما تتحول المعركة من تدبير مجلس قائم إلى البحث عن أصوات في صناديق الاقتراع.
ومن هنا، لا تكفي قراءة ما حدث باعتباره خلافاً داخل «الأحرار».
ما يهم هو ما حدث للقوة التي كانت موجودة داخل المجلس بعد خروج أصحابها من الحزب.
وهنا يدخل «البام» إلى الصورة من زاوية مختلفة.
الحزب لم يكن غائباً عن الرباط أصلاً. محمد المهدي بنسعيد يخوض الانتخابات بدائرة الرباط المحيط، وهي الدائرة التي ظل فيها للحزب حضور انتخابي، فيما كان عبد الفتاح العوني يمثل «البام» عن الدائرة نفسها في البرلمان خلال الولاية التشريعية الحالية. كما أن يعقوب المنصور ظلت إحدى النقاط المهمة في هذا الامتداد السياسي.
لذلك فإن عودة المودني والأتراسي لا تقع فوق أرض خالية. إنها تأتي فوق شبكة موجودة، وفي وقت تتحرك فيه الخريطة الانتخابية للعاصمة بسرعة.
المودني والأتراسي والزايدي.. ثلاث أوراق ثقيلة يجمعها «البام» قبل معركة العاصمة
بل إن مسار عبد الفتاح العوني يقدم وجهاً آخر للمشهد. فقد كان العوني من أبرز وجوه «البام» في الرباط، قبل أن ينتقل أخيراً إلى حزب الاستقلال، في خطوة أعادت بدورها فتح ملف الاستقطاب بين الأحزاب داخل الدائرة الانتخابية الأكثر سخونة في العاصمة.
وهنا تصبح الصورة أقل بساطة مما توحي به عبارة «البام يستقطب».
فالحركة ليست في اتجاه واحد.
شخصيات تغادر «الأحرار» نحو «البام»، وأخرى تغادر «البام» نحو الاستقلال، بينما يحاول كل حزب أن يحافظ على مرشحيه وشبكاته في الدوائر التي ستحدد جزءاً مهماً من صورة العاصمة بعد انتخابات شتنبر.
حتى مقاطعة حسان دخلت منذ فترة في مسار مختلف، بعد الحكم القضائي بعزل رئيسها إدريس الرازي، المنتمي إلى «الأحرار». وقد سبق أن سجلت المقاطعة خلافات حادة وانفراطاً للأغلبية حول الرئيس، قبل أن يتحول النزاع إلى مسار قضائي.
هذه التطورات لا تنتج بالضرورة خريطة انتخابية جديدة، لكنها تكشف أن الخريطة القديمة لم تعد مستقرة.
وهذا هو الفارق.
فالسياسة المحلية لا تتغير بمجرد أن يتغير اسم الحزب في بطاقة منتخب. القيمة الحقيقية للانتقال تظهر عندما نعرف ماذا ينتقل معه: هل تنتقل معه أصوات؟ أم شبكة تنظيمية؟ أم حضور في الأحياء؟ أم مجرد موقع داخل مجلس منتخب قبل خمس سنوات؟
لا توجد، حتى الآن، معطيات تسمح بالقول إن كل انتقال شهدته الرباط سيُترجم تلقائياً إلى أصوات في الانتخابات المقبلة. بل إن التجربة الانتخابية نفسها تحذر من هذا التبسيط.
ففي دائرة الرباط المحيط، مثلاً، أظهرت نتائج 2021 أن «الأحرار» و«البام» والاستقلال والحركة الشعبية اقتسموا المقاعد، كما أن الانتخابات الجزئية لسنة 2024 أظهرت قدرة «الأحرار» على الاحتفاظ بالمقعد الذي شغر بعد تجريد عبد الرحيم واسلم، رغم تغيير المرشح. وهذا يعني أن قوة الحزب الانتخابية لا تختزل في الشخص الذي يوجد على رأس المجلس أو في المنتخب الذي ينتقل من تنظيم إلى آخر.
لهذا يصعب القول، من الآن، إن «الأحرار خسروا الرباط» أو إن «البام ربحها».
الأدق أن نقول إن القوة السياسية داخل العاصمة بدأت تتحرك قبل أن تتحرك صناديق الاقتراع.
و«البام» يملك الآن فرصة خاصة: أن يحول استعادة شخصيات ذات تجربة محلية إلى امتداد انتخابي فعلي. فإذا استطاع أن يجمع بين هذه الوجوه وبين شبكته التنظيمية القائمة، وبين الحضور الذي يوفره ترشيح بنسعيد في الرباط المحيط، فقد لا يكون بصدد مجرد استعادة منتخبين، بل بناء كتلة انتخابية أكثر تماسكاً مما كانت عليه في السابق.
لكن الاحتمال الآخر قائم أيضاً.
قد تنجح الأحزاب في إعادة توزيع المنتخبين والمواقع، من دون أن تتغير الخريطة الحقيقية للأصوات. عندها سيكون ما جرى في الرباط إعادة ترتيب للنخب أكثر منه تحولاً انتخابياً.
وهنا تكمن أهمية الأسابيع المقبلة.
فالانتخابات ستختبر شيئاً لا تستطيع المجالس الحالية اختباره: هل انتقل الناخب مع المنتخب؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن ما يجري الآن سيكون بالفعل بداية لإعادة بناء الخريطة الانتخابية للعاصمة.
أما إذا بقيت الأصوات حيث كانت، فسيتضح أن كثيراً مما بدا تحوّلاً حزبياً كبيراً لم يكن أكثر من إعادة توزيع للقوة داخل الطبقة السياسية المحلية نفسها.
في الرباط، إذن، لا تدور المعركة فقط على من يترأس المجلس أو إلى أي حزب ينتمي هذا المنتخب أو ذاك. المعركة الأعمق تدور حول من يستطيع أن يحول الحضور داخل المجالس إلى حضور داخل صناديق الاقتراع.
وهذا ما يجعل عودة المودني والأتراسي إلى «البام» أكثر من مجرد خبر حزبي.
إنها لحظة اختبار: هل يستطيع «البام» أن يستعيد أشخاصاً كانوا له، ثم يستعيد معهم القوة الانتخابية التي صنعتهم، أم أنه يستعيد فقط مواقع كانت قد ابتعدت عنه؟
الإجابة لن تقدمها بيانات الأحزاب، بل ستظهر عندما تتوقف حركة الانتقالات وتبدأ حركة الأصوات.