زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة.. قمة مصرية – صينية ترسم ملامح شراكة جديدة

0
35
زيارة شي جين بينغ إلى مصر تفتح فصلاً جديداً في العلاقات المصرية الصينية، وسط تحركات لتعزيز التجارة والاستثمارات والطاقة والتعاون السياسي في الشرق الأوسط.
صورة ملتقطة يوم 8 دجنبر (ديسمبر/ كانون الأول) 2022، الرئيس الصيني شي جين بينغ (يمين) يلتقي بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (يسار) في العاصمة السعودية الرياض - مصدر الصورة: وكالة أنباء الصين (شينخوا)

القاهرة – تستعد القاهرة لاستقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ في زيارة رسمية تحمل دلالات تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين مصر والصين. فالزيارة، التي أعلنتها الرئاسة المصرية ووزارة الخارجية الصينية، تأتي بعد نحو 10 سنوات من آخر زيارة دولة أجراها شي إلى مصر، وفي عام يصادف مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين. ومن المقرر أن يلتقي شي الرئيس عبد الفتاح السيسي لبحث تطوير الشراكة الاستراتيجية، إلى جانب ملفات إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك.

وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لأنها تأتي في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تحولات عميقة، فيما تتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني، وتبحث مصر في الوقت نفسه عن توسيع خياراتها الدولية دون التخلي عن علاقاتها التقليدية مع الولايات المتحدة وأوروبا.

قمة بعد عقد.. و70 عاماً من العلاقات

تأسست العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية في 30 ماي (مايو/أيار) 1956، وكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع جمهورية الصين الشعبية. وخلال 7 عقود انتقلت العلاقة من إطار الصداقة السياسية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014.

وتشير وزارة الخارجية الصينية إلى أن العلاقات بلغت في السنوات الأخيرة مستوى وصفته بأنه الأفضل في تاريخها، فيما أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال لقائه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في يوليوز (يوليو/تموز) الماضي أن بكين تريد استثمار الذكرى الـ 70 لتعزيز التبادلات رفيعة المستوى والتعاون الاقتصادي والعسكري والذكاء الاصطناعي.

كما أن الرئيسين حافظا على قنوات اتصال مكثفة خلال السنوات الماضية؛ فقد التقى السيسي وشي في الصين عام 2024، وفي بكين أيضاً عام 2022، إضافة إلى لقاءات على هامش قمم دولية وإقليمية. وتوضح الرئاسة المصرية أن زيارة شي المرتقبة ستكون أول زيارة دولة له إلى مصر منذ زيارة يناير (كانون الثاني) 2016.

وهنا تكمن إحدى الرسائل السياسية الأساسية للزيارة: القاهرة وبكين لا تريدان الاكتفاء بالاحتفال بـ 7 عقود من العلاقات، بل تبحثان عن صياغة المرحلة المقبلة منها.

الاقتصاد.. من التجارة إلى التصنيع

إذا كان البعد السياسي هو واجهة القمة، فإن الاقتصاد سيحتل على الأرجح موقعاً مركزياً خلف الأبواب المغلقة.

فوفق بيانات هيئة الاستعلامات المصرية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 20.78 مليار دولار في 2025، مقابل 17.37 مليار دولار في 2024، بزيادة تقارب 19.6%. وتبقى الصين أكبر شريك لمصر في تجارة السلع غير النفطية، لكن الميزان التجاري يميل بشدة لمصلحة بكين؛ إذ بلغت الصادرات المصرية إلى الصين نحو 819 مليون دولار، مقابل واردات قاربت 19.9 مليار دولار.

وهذه الأرقام تكشف مفارقة مهمة: العلاقات التجارية تتوسع بسرعة، لكن القاهرة تريد تحويل هذه العلاقة من سوق ضخمة للمنتجات الصينية إلى قاعدة للإنتاج والتصدير.

ولهذا تبرز في أجندة التعاون المنطقة الاقتصادية والتجارية الصينية المصرية في العين السخنة، ومنطقة «تيدا» الصناعية، ومشروعات العاصمة الإدارية، والطاقة، والموانئ والنقل، فضلاً عن التصنيع الموجه إلى الأسواق الأفريقية. وتشير شينخوا إلى أن التعاون الصيني المصري توسع ليشمل الطاقة النظيفة والبنية الرقمية والفضاء والزراعة، إلى جانب المشروعات المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.

ومن المنظور المصري، فإن الرهان الأكبر ليس فقط على جذب رأس المال الصيني، بل على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وزيادة الصادرات المصرية.

اليوان في مواجهة الدولار.. خطوة لها دلالة

ومن الملفات الاقتصادية اللافتة أيضاً توسع التعاون المالي بين البلدين.

ففي يونيو (حزيران) الماضي جدد البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني اتفاقية مبادلة العملات المحلية لمدة 3 سنوات، مع رفع قيمتها إلى 30 مليار يوان، أي نحو 4.43 مليار دولار، مقارنةً بـ 18 مليار يوان في الاتفاق السابق، وفق بيانات هيئة الاستعلامات المصرية. وتهدف الاتفاقية إلى تسهيل التجارة وتسوية بعض المدفوعات بالجنيه واليوان وتقليل الاعتماد على الدولار.

ولا ينبغي قراءة هذه الخطوة باعتبارها محاولة مصرية أو صينية لإلغاء دور الدولار؛ فهذا استنتاج مبالغ فيه. لكنها تعكس اتجاهاً أوسع نحو تنويع أدوات التمويل والتسوية التجارية في عالم يتجه تدريجياً إلى تعدد مراكز القوة الاقتصادية.

وهذا يتقاطع مع عضوية مصر في مجموعة بريكس منذ 2024، ومع رغبة القاهرة في توسيع هامش الحركة داخل مؤسسات وأطر «الجنوب العالمي».

شرق أوسط مضطرب.. والقمة لن تكون اقتصادية فقط

الملفات الإقليمية ستكون حاضرة بقوة في القمة.

فالخارجية الصينية أكدت أن شي والسيسي سيتبادلان وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، فيما سبق أن ناقش وانغ يي مع مسؤولين مصريين الوضع في الشرق الأوسط والخليج والقضية الفلسطينية.

وتبرز هنا ثلاثة ملفات رئيسية:

غزة والقضية الفلسطينية

تتقاطع القاهرة وبكين في رفض تهميش القضية الفلسطينية والدعوة إلى معالجة الوضع الإنساني في غزة.

وخلال لقاء وانغ يي مع بدر عبد العاطي في يوليوز الماضي، أكدت الصين أن القضية الفلسطينية تقع في قلب قضية الشرق الأوسط، وأن الأولوية العاجلة تتمثل في تخفيف الوضع الإنساني في غزة، كما أعلنت دعمها للدور المصري في الوساطة وجهود السلام.

وهذا يمنح القمة مساحة للتنسيق بين قوتين لا تمتلكان الأدوات العسكرية نفسها، لكنهما تستطيعان التأثير سياسياً ودبلوماسياً.

الخليج وإيران

الملف الإيراني سيكون أكثر حساسية.

فالصين كانت قد أكدت لمصر في يونيو ويوليوز أهمية الحفاظ على التفاهم الأميركي الإيراني وعدم السماح بانهيار مسار التفاوض، فيما ترى القاهرة نفسها طرفاً معنياً مباشرة بأمن الخليج والممرات البحرية واستقرار المنطقة.

ومن هنا يمكن أن تشكل القمة منصة لتبادل الرؤى حول كيفية منع تحول الأزمات الإقليمية إلى صراع طويل يهدد التجارة والطاقة والملاحة.

البحر الأحمر وقناة السويس

هنا تظهر أهمية مصر بالنسبة إلى الصين بصورة مباشرة.

فمصر تتحكم في واحدة من أهم حلقات التجارة العالمية عبر قناة السويس، بينما تعتمد الصين بصورة كبيرة على أمن سلاسل الإمداد البحرية الممتدة بين آسيا وأوروبا.

ولذلك فإن استقرار البحر الأحمر وقناة السويس ليس ملفاً مصرياً فقط، وإنما يمثل مصلحة صينية اقتصادية مباشرة.

البعد الأفريقي.. مصر بوابة الصين إلى القارة

تتعامل بكين مع مصر ليس باعتبارها دولة شرق أوسطية فحسب، بل بوصفها نقطة اتصال بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وفي يوليوز، قال وانغ يي إن مصر مستعدة للاضطلاع بدور بوابة لانخراط الصين في أفريقيا، بينما أكدت القاهرة رغبتها في تعميق التعاون في مجالات السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والمناطق الصناعية.

وهذا يفتح مجالاً واسعاً أمام المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لتصبح منصة للتصنيع الصيني الموجه إلى الأسواق الأفريقية، بدلاً من أن تكون مصر مجرد سوق استهلاكية للسلع الصينية.

التعاون العسكري يدخل مرحلة جديدة

ومن التطورات اللافتة في 2026 أن التعاون بين البلدين لم يعد محصوراً في الاقتصاد والسياسة.

فقد بدأت في غشت (أغسطس/آب) الجاري مناورات جوية مصرية صينية مشتركة تحت اسم «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة طائرات مقاتلة متعددة المهام، وشملت تدريبات على التخطيط المشترك وإدارة العمليات الجوية، وفق هيئة الاستعلامات المصرية.

ومن المهم عدم تفسير هذه المناورات باعتبارها إعلاناً عن تحالف عسكري مصري صيني. الأرجح أنها تعكس توسعاً تدريجياً في التعاون الدفاعي، مع احتفاظ القاهرة في الوقت ذاته بعلاقات عسكرية واسعة مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.

وهذا تحديداً هو جوهر السياسة المصرية: تنويع الشراكات دون تحويل التنويع إلى اصطفاف كامل.

ماذا تريد الصين من القاهرة؟

يمكن اختصار المصالح الصينية في مصر في 4 محاور:

الأول – الحفاظ على قناة سياسية مستقرة مع دولة عربية محورية.

الثاني – توسيع الاستثمارات والتصنيع المرتبط بمبادرة الحزام والطريق.

الثالث – تعزيز الوصول إلى أفريقيا والأسواق الإقليمية عبر مصر.

الرابع – ضمان استقرار طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية.

وتؤكد شينخوا أن التعاون العملي بين البلدين يتوسع في الطاقة النظيفة والبنية الرقمية والفضاء والزراعة، بينما ترى وزارة الخارجية الصينية أن الزيارة فرصة لدعم تحديث البلدين وتعزيز السلام والاستقرار الإقليمي والدولي.

وماذا تريد مصر من شي؟

في المقابل، لدى القاهرة حسابات واضحة أيضاً.

مصر تريد استثمارات أكثر، تصنيعاً محلياً، نقل تكنولوجيا، زيادة الصادرات، تمويلاً بشروط مناسبة، وتوسيع خياراتها الاقتصادية.

وهناك أيضاً هدف سياسي يتمثل في الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى.

وهنا تبدو القراءة التي قدمها أحمد كنديل، رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، مهمة؛ إذ رأى أن الزيارة تأتي في مرحلة يعاد فيها ترتيب مراكز القوة والثروة والتكنولوجيا عالمياً، وأن مصر تسعى إلى توسيع خياراتها وحماية استقلالية قرارها وسط المنافسة الدولية المتزايدة.

هل تحمل الزيارة رسالة إلى واشنطن؟

ليس بالضرورة أن تكون الرسالة «ابتعاداً عن الولايات المتحدة».

هذه نقطة مهمة في قراءة السياسة المصرية.

فالقاهرة ترتبط بعلاقات استراتيجية مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تعزز علاقاتها مع بكين وموسكو وبروكسل ودول الخليج وآسيا.

لذلك فإن صعود العلاقات المصرية الصينية يمكن قراءته باعتباره جزءاً من استراتيجية تنويع الشركاء، وليس بالضرورة انتقالاً من معسكر إلى آخر.

وهذه المرونة تمنح مصر قدرة أكبر على التفاوض والحركة في بيئة دولية تتراجع فيها فكرة القطب الواحد.

القمة في ميزان المصالح.. ماذا بعد الصور والبيانات؟

أهمية زيارة شي لن تقاس فقط بحجم مراسم الاستقبال أو عدد الاتفاقيات التي قد تعلن خلالها.

المعيار الحقيقي سيكون في ما إذا كانت القاهرة قادرة على تحويل العلاقة الصينية إلى قيمة اقتصادية مضافة.

فالزيادة الكبيرة في التجارة تبدو إيجابية، لكن استمرار الفجوة بين الصادرات والواردات يفرض على مصر سؤالاً صعباً: كيف تتحول من مستورد رئيسي للسلع الصينية إلى شريك صناعي وتصديري؟

والإجابة قد تكون في توطين الصناعات، والسيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، والمكونات الصناعية، واللوجستيات، والتكنولوجيا الرقمية، وربط الإنتاج المصري بالأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.

وهنا تحديداً تصبح قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها ورقة مصرية شديدة الأهمية.

زيارة في لحظة مهمة

زيارة شي جين بينغ إلى مصر تأتي في لحظة يتغير فيها شكل النظام الدولي، وتتصاعد فيها المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية بين القوى الكبرى، بينما يعيش الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحله اضطراباً.

لكن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من مسار العلاقات المصرية الصينية ليست أن القاهرة اختارت بكين بديلاً عن واشنطن، بل أنها تحاول توسيع دائرة الخيارات.

فالصين ترى في مصر بوابة إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وممرات التجارة العالمية، ومصر ترى في الصين مصدراً ضخماً للاستثمار والتكنولوجيا والأسواق والتمويل.

وبين هذين الحسابين، تتحول زيارة شي من مجرد مناسبة للاحتفال بسبعين عاماً من العلاقات إلى اختبار عملي: هل تستطيع القاهرة وبكين نقل الشراكة من مستوى الصداقة السياسية والمشروعات الكبرى إلى شراكة أكثر توازناً في الصناعة والتكنولوجيا والتصدير والنفوذ الإقليمي؟

إذا نجحت القمة في ذلك، فقد لا تكون زيارة شي مجرد عودة إلى القاهرة بعد 10 سنوات، بل بداية فصل جديد في علاقة مرشحة لأن تصبح إحدى أهم شراكات مصر في العقد المقبل.