من 2026 إلى 2057.. «التمويلات المبتكرة» تفتح السؤال الذي لم تعد الأرقام قادرة على إخفائه

0
98

هناك أرقام تبدو، في ظاهرها، أخباراً جيدة للخزينة: عشرات المليارات تدخل الميزانية، والعجز يتراجع، والاستثمار العمومي يرتفع. لكن الرقم المالي لا يقول وحده كيف جرى الحصول على المال، ولا كم ستدفع الدولة لاحقاً مقابل السيولة التي حصلت عليها اليوم.

من هنا تبدو تدوينة أيوب الرضواني حول «التمويلات المبتكرة» أكثر من مجرد هجوم سياسي على فوزي لقجع. فهي تعيد وضع تقنية مالية أصبحت جزءاً من تدبير الميزانية المغربية أمام سؤال جوهري: ماذا باعت الدولة فعلياً، وماذا التزمت بأدائه في المقابل؟

السؤال ليس افتراضياً بالكامل. فالمجلس الأعلى للحسابات أورد أن عائدات هذه التمويلات بلغت 109.6 مليار درهم إلى نهاية 2024، بعدما بلغت وحدها 35.3 مليار درهم خلال سنة 2024. وفي نهاية أكتوبر 2025، تحدثت المعطيات الحكومية عن نحو 126 مليار درهم منذ إطلاق الآلية سنة 2019.

أي أن «التمويلات المبتكرة» لم تعد عملية هامشية أو تجربة مالية صغيرة. لقد تحولت إلى مصدر سيولة بمليارات الدراهم، وإلى عنصر حاضر في حسابات المالية العمومية.

ما الذي تقوله الحكومة؟

الرواية الرسمية تقوم على فكرة واضحة: الدولة تستفيد من قيمة عقارات تملكها، فتفوتها إلى مستثمرين مؤسساتيين، وتحصل فوراً على السيولة، مع استمرارها في استعمال تلك العقارات عبر عقود كراء طويلة الأمد. بهذه الطريقة، تقول الحكومة، يمكن تعبئة موارد للاستثمار دون اللجوء إلى الاقتراض التقليدي.

فوزي لقجع قدم هذا المنطق باعتباره نوعاً من تثمين الملك الخاص للدولة، مع الحفاظ على استمرارية المرفق العمومي. وقد وصفت المعطيات المنشورة الآلية بأنها تفويت ملكية بعض الأصول مع الإبقاء على استغلالها عبر عقود طويلة الأمد.

اقتصادياً، ليست الفكرة في حد ذاتها مجهولة. هناك نماذج مالية دولية تقوم على بيع الأصل ثم استئجاره، أو على إعادة تدوير الأصول، ويمكن أن تكون لها مبررات عندما تكون السيولة الفورية ذات قيمة أكبر من الاحتفاظ بالأصل.

لكن ذلك لا ينهي النقاش.

بل يبدأه.

لأن الدولة عندما تبيع عقاراً كانت تملكه، ثم تستمر في استعماله مقابل أداءات مستقبلية، فإنها لا تحصل على المال مجاناً. إنها تستبدل ملكية أصل بتدفق نقدي فوري، مقابل التزام مالي مستقبلي.

وهنا تحديداً تصبح المقارنة بين «الدين» و«التمويل المبتكر» أكثر أهمية من التسمية.

الوثيقة التي أعادت فتح الملف

اللافت في ما نشره الرضواني ليس فقط الرقم الإجمالي، وإنما إشارته إلى عملية محددة تعود إلى يوليوز 2024، يقول إنها شملت 11 عقاراً عمومياً في ثماني مدن، وجرى تفويتها لفائدة شركة «ديناميك ستون»، ممثلة في «أجار إنفست» التابعة لصندوق الإيداع والتدبير.

المعطيات نفسها سبق أن نشرتها مصادر صحافية أخرى، مع الإشارة إلى قرار مؤرخ في 10 يوليوز 2024 وعقد موقع في 16 يوليوز من السنة نفسها. وتقول هذه المصادر إن العملية شملت، ضمن أملاك أخرى، مستشفى مولاي عبد الله بالمحمدية، والمركز الاستشفائي الإقليمي بالدريوش، وقصر العدالة بوجدة، ومؤسسات تعليمية ومقرات إدارية.

وبحسب المبالغ المنشورة، فإن القيمة الإجمالية تقارب 839.5 مليون درهم.

لكن هنا تظهر أولى النقاط التي ينبغي أن يتوقف عندها التحقيق الصحافي قبل إعادة نشر الرقم كما هو: جمع المبالغ الإحدى عشرة الواردة في القائمة يعطي 839,455,900 درهم، وليس 839,465,900 درهم. الفارق 10 آلاف درهم فقط، لكنه يكفي للدلالة على أن الوثيقة الأصلية للعقد يجب أن تكون هي المرجع النهائي، لا إعادة نقل الأرقام من مادة إلى أخرى.

وهناك أيضاً أخطاء في تحويل بعض المبالغ إلى «مليارات الدراهم» داخل التدوينة؛ فـ66.3 مليون درهم، مثلاً، تساوي نحو 6.6 مليارات سنتيم، لا 6.5 مليارات درهم.

هذه ليست تفاصيل شكلية. عندما يكون موضوع المقال هو المال العام، فإن وحدة القياس نفسها تصبح جزءاً من الحقيقة.

لكن السؤال الأكبر ليس: هل وقع البيع؟

حتى إذا ثبتت عملية نقل الملكية، فإن ذلك لا يعني تلقائياً أن الدولة «خصخصت» المرفق العمومي.

فهناك فرق بين بيع العقار وبين بيع الخدمة العمومية.

يمكن أن تتغير ملكية بناية مستشفى بينما تستمر الدولة في تشغيل المستشفى. ويمكن أن تنتقل ملكية عقار مدرسة مع بقاء المدرسة مؤسسة عمومية. لذلك فإن استخدام كلمة «خصخصة» يحتاج إلى دقة أكبر من مجرد إثبات انتقال الملكية.

المشكلة الحقيقية توجد في مكان آخر: ما هي الكلفة الكاملة لهذا الترتيب؟

إذا حصلت الخزينة على 100 درهم اليوم، ثم التزمت بأداء كراء وفوائد وتكاليف أخرى على مدى عقود، فإن السؤال الاقتصادي لا ينبغي أن يكون: «كم دخل إلى الميزانية؟»، وإنما: كم ستكلف هذه الـ100 درهم في نهاية العملية؟

وهنا تصبح تفاصيل عقود الإيجار وإعادة التملك حاسمة.

المعطيات المنشورة تشير إلى عقود تمتد غالباً إلى نحو 30 سنة، وبفوائد قد تصل إلى 6 في المائة، كما تشير إلى أن الدولة ستؤدي نحو 7 مليارات درهم سنوياً في إطار هذه العمليات.

لكن لا يجوز تحويل هذه المعطيات إلى حكم نهائي على كل عقد من دون الاطلاع على العقود الأصلية، لأن سعر التمويل، وطريقة احتساب الكراء، والقيمة المتبقية للأصل، وشروط الاسترجاع، كلها عناصر يمكن أن تغير الحساب الاقتصادي جذرياً.

وهذا تحديداً ما يجعل مطلب نشر العقود الكاملة أكثر أهمية من السجال السياسي.

لماذا تبدو سنة 2031 مهمة في خطاب الرضواني؟

في بداية تدوينته، يسخر الرضواني من فكرة انتظار خمس سنوات للحساب على الالتزامات الحالية، وكأنه يقول إن المسؤولية المالية لا ينبغي أن تؤجل إلى حكومة أو مسؤولين آخرين.

هذه النقطة تستحق التوقف.

فالسياسة المالية تستطيع بسهولة أن تجعل الإيراد يظهر في ميزانية السنة التي تم فيها بيع الأصل، بينما تظهر الكلفة موزعة على سنوات لاحقة.

وهنا يوجد فرق بين نجاح الميزانية السنوية ونجاح السياسة المالية.

قد يكون من المفيد للخزينة أن تحصل على 20 مليار درهم في سنة معينة. لكن ذلك لا يكفي لإثبات أن العملية كانت رابحة للدولة. ينبغي أن نعرف ما إذا كان العائد الذي حصلت عليه الخزينة اليوم يفوق الكلفة الحالية والمستقبلية للعملية، وما إذا كانت الأموال المستخلصة ذهبت فعلاً إلى استثمارات تخلق قيمة جديدة، أم ساعدت أساساً على سد حاجات الميزانية في لحظتها.

وهذه نقطة جوهرية لأن الحكومة نفسها ربطت هذه الآلية بتعزيز الاستثمار العمومي. فقد قالت المعطيات الرسمية إن حجم الاستثمار العمومي ارتفع من 195 مليار درهم سنة 2019 إلى 380 ملياراً في مشروع قانون مالية 2026، وربطت ذلك، ضمن عوامل أخرى، بالتمويلات المبتكرة.

لكن الارتباط الزمني لا يعني بالضرورة أن كل درهم من عائدات التفويت ذهب إلى مشروع استثماري محدد.

وهنا يصبح السؤال المشروع: أين ذهب المال؟

ما الذي لا نعرفه بعد؟

هذه هي المنطقة التي ينبغي أن تنتقل إليها الصحافة.

نحن نعرف حجم الأموال التي دخلت الخزينة وفق المعطيات الرسمية. ونعرف أن الدولة لجأت إلى تفويت أصول عقارية مع استمرار استعمالها. ونعرف أن المجلس الأعلى للحسابات سبق أن أثار مسألة إدراج هذه العمليات ضمن الاعتبارات المرتبطة بالدين والالتزامات المستقبلية، ودعا إلى مزيد من التأطير والرقابة.

لكن ما يحتاج إلى كشف أوسع هو:

من يشتري كل أصل؟

بأي تقييم عقاري؟

كيف تحددت القيمة؟

ما هو العقد الموازي لعقد البيع؟

كم تبلغ الكلفة الإجمالية للكراء؟

ما هي شروط إعادة الملكية؟

هل توجد إمكانية للفسخ المبكر؟

ومن يتحمل مخاطر ارتفاع الكلفة أو تغير شروط السوق؟

والأهم: هل هناك تقييم مستقل يثبت أن هذه الطريقة أقل كلفة من الاقتراض السيادي المباشر؟

إذا كانت الإجابة نعم، فلتنشر الأرقام.

وإذا كانت الإجابة لا، فالسؤال يصبح أكبر من مجرد خلاف بين الرضواني ولقجع.

التمويل المبتكر ليس المشكلة في حد ذاته

من السهل سياسياً أن يتحول النقاش إلى عبارة «الحكومة تبيع أملاك الدولة». ومن السهل في المقابل أن تختصر الحكومة كل الاعتراضات في كونها معارضة لأداة مالية جديدة.

كلا الموقفين لا يكفي.

الدولة تحتاج إلى السيولة، وتحتاج إلى الاستثمار، وقد تحتاج أحياناً إلى استغلال أصولها بدل تركها مجمدة. لكن الدولة ليست شركة عقارية تبحث فقط عن أفضل سعر بيع.

العقار العمومي يحمل قيمة مالية، لكنه يحمل أيضاً قيمة استراتيجية واجتماعية ومؤسساتية. المدرسة ليست مجرد متر مربع، والمستشفى ليس مجرد بناية، وقصر العدالة ليس مجرد أصل قابل للتسييل.

ولهذا فإن معيار النجاح يجب ألا يكون مقدار المال الذي دخل الخزينة فقط.

المعيار هو: ماذا ربحت الدولة بعد احتساب ما ستدفعه؟ وماذا بقي لها من هامش الحركة؟

هنا تحديداً تتحول تدوينة الرضواني من سجال حول فوزي لقجع إلى سؤال عن فلسفة إدارة المال العام.

فالخطر، إن وجد، لا يكمن في أن الدولة باعت عقاراً اليوم.

الخطر المحتمل هو أن تكون ميزانية اليوم قد ربحت سيولة، بينما تركت ميزانيات الغد أمام التزام لا يظهر بالحجم نفسه في الصورة السياسية الحالية.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للتمويلات المبتكرة: ليس أن تنجح في جمع المال بسرعة، وإنما أن تثبت، بالأرقام والعقود والحسابات، أنها تشتري للدولة قدرة مالية أكبر، لا أنها تشتري لها وقتاً فقط.

والحسم في هذه المسألة لا يحتاج إلى تخوين أحد ولا إلى الدفاع عن أحد.

يحتاج فقط إلى أن تفتح الدولة العقود، وتكشف كلفة كل عملية، وتضع أمام البرلمان والرأي العام الحساب الكامل: كم دخل؟ كم سيخرج؟ ومن يملك الأصل في النهاية؟

عندها فقط يمكن أن نعرف إن كان الأمر ابتكاراً مالياً فعلاً، أم مجرد طريقة أكثر أناقة لترحيل الفاتورة.