لم يكن تغيير موعد المهرجان الوطني للفيلم بطنجة من أكتوبر إلى مارس مجرد تعديل في أجندة تظاهرة سينمائية. القرار الذي اتخذه المركز السينمائي المغربي، استجابة لمطالب تقدمت بها منظمات مهنية وفاعلون في القطاع، يعكس في خلفيته نقاشاً أوسع حول الطريقة التي ينبغي أن تُرتب بها المواعيد السينمائية المغربية، وحول العلاقة بين المهرجان الوطني وبين المسار الذي تسلكه الأفلام المغربية نحو المهرجانات الدولية.
الدورة السادسة والعشرون التي كان مقرراً تنظيمها بطنجة بين 23 و31 أكتوبر 2026 ستنتقل إلى مارس 2027. والمركز لا يقدم القرار باعتباره تراجعاً عن الموعد أو عن الدورة، وإنما باعتباره استجابة لانشغال مهني يتعلق أساساً بتزاحم التظاهرات خلال شهر أكتوبر، وما يترتب عن ذلك من صعوبات بالنسبة إلى المهنيين والأفلام المغربية.
على الورق، قد يبدو الأمر مجرد نقل للتاريخ. لكن بالنسبة إلى صناعة سينمائية، التاريخ ليس تفصيلاً إدارياً دائماً.
المهرجان الوطني للفيلم هو الموعد الذي تعرض فيه حصيلة مهمة من الإنتاج السينمائي المغربي، وتلتقي فيه الأفلام بصناعها والنقاد والمهنيين والجمهور. والمهرجان نفسه يعرفه المركز السينمائي المغربي باعتباره فضاءً للعرض والنقاش واللقاء بين المؤسسات والمنظمات المهنية وصناع السينما، وليس مجرد مسابقة للجوائز. وقد تطور منذ انطلاقه سنة 1982 ليصبح أحد المواعيد الأساسية في الحياة السينمائية الوطنية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه تغيير الموعد ليس: لماذا مارس بدل أكتوبر؟ بل: ما الذي يمكن أن يتغير في موقع المهرجان داخل الموسم السينمائي المغربي عندما ينتقل إلى بداية السنة؟
أكتوبر أصبح أكثر ازدحاماً
السبب الذي يقدمه المركز السينمائي المغربي واضح: تركز عدد كبير من المهرجانات والتظاهرات السينمائية الوطنية والدولية خلال أكتوبر، بما يجعل بعض المواعيد تتقاطع على مستوى الأفلام والمهنيين والضيوف والجمهور.
وهذا النقاش أصبح منطقياً في مشهد سينمائي مغربي اتسعت فيه خريطة المهرجانات. فالقائمة الرسمية للمركز السينمائي المغربي تشمل، إلى جانب المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، مهرجان مراكش الدولي للفيلم، ومهرجان الفيلم القصير المتوسطي بطنجة، ومهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط، والمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، والمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، والمهرجان الدولي لسينما المؤلف بالرباط وغيرها من التظاهرات.
المشكلة، إذن، ليست في كثرة المهرجانات. هذه الكثرة يمكن أن تكون مؤشراً على حيوية المشهد السينمائي. المشكلة تبدأ عندما تصبح روزنامة المواعيد ضيقة إلى درجة تجعل التظاهرات تتنافس على الفيلم نفسه أو على المخرج والمنتج والصحافي والناقد والجمهور نفسه.
ومن هنا يمكن فهم الاستجابة لمطلب المهنيين باعتبارها محاولة لتخفيف هذا الضغط، لا باعتبارها تراجعاً عن موعد كان مقرراً سلفاً.
الفيلم لا يعيش داخل المهرجان فقط
هناك سبب مهني آخر يجعل مسألة التوقيت أكثر حساسية.
الفيلم الذي يعرض في مهرجان وطني لا ينتهي مساره بانتهاء العرض. بالنسبة إلى المنتج والمخرج، قد يكون ترتيب العروض جزءاً من استراتيجية أوسع للوصول إلى مهرجانات دولية وأسواق وفرص توزيع.
ولهذا يكتسب ما أورده المركز في بلاغه حول شروط العرض الأول أهمية خاصة. فبعض المهرجانات الدولية تضع شروطاً مرتبطة بأولوية العرض، وهو ما يجعل توقيت المهرجان الوطني عاملاً ينبغي أن يدخل ضمن حسابات المنتجين والمخرجين، خصوصاً عندما يكون الفيلم مرشحاً لمسار دولي.
وهنا يصبح نقل المهرجان إلى مارس أكثر من مجرد حل لمشكلة ازدحام أكتوبر.
إنه يمنح الفيلم المغربي، نظرياً، مساحة زمنية أوسع للمناورة قبل الوصول إلى عدد من المواعيد الدولية الكبرى في السنة.
ولا يعني ذلك أن مارس سيحل تلقائياً كل مشكلات توزيع الفيلم المغربي أو حضوره الدولي. فهذه مسائل ترتبط أيضاً بجودة الأفلام، وشبكات التوزيع، والعلاقات مع المهرجانات، واستراتيجيات المنتجين. لكن تخفيف الضغط الزمني يمكن أن يكون عاملاً مساعداً في بناء هذه الاستراتيجية.
طنجة تبدأ الموسم
العبارة الأكثر دلالة في بلاغ المركز ربما ليست قرار التأجيل نفسه، وإنما الرؤية التي يربط بها الموعد الجديد.
المركز يريد للمهرجان الوطني للفيلم، عندما ينظم في مارس، أن يكون أول موعد سينمائي كبير في السنة، بما يجعله محطة لانطلاق الموسم السينمائي الوطني.
وهذه النقطة يمكن أن تعيد تعريف وظيفة طنجة داخل المشهد السينمائي المغربي.
فبدلاً من أن يأتي المهرجان في فترة تزدحم فيها المواعيد، سيكون بإمكانه أن يفتتح السنة السينمائية المغربية في وقت تكون فيه الأنظار المهنية والإعلامية أكثر تركيزاً على الإنتاج الوطني.
والأهم أن هذا الموقع الجديد يمكن أن يسمح للمهرجان بأن يكون فضاءً لعرض الإنتاج، لكنه أيضاً نقطة لقاء حول ما ينتظر الصناعة خلال السنة الجديدة.
وهذا يتناسب أصلاً مع الوظيفة التي حددها المهرجان لنفسه منذ سنوات: عرض أحدث الإنتاجات الوطنية، وتشجيع الحوار بين المهنيين، ومناقشة واقع الصناعة السينمائية والبحث عن سبل تطويرها.
إذا نجح هذا الانتقال في تثبيت هذه الوظيفة، فإن طنجة لن تكون قد غيرت موعدها فقط؛ ستكون قد غيرت موقعها في الرزنامة.
ومراكش في نهاية المسار الدولي
في تصور المركز، لا تقف الحكاية عند طنجة. فالبلاغ يربط الموسم الوطني الذي يبدأ في مارس بامتداده وإشعاعه الدولي من خلال المهرجان الدولي للفيلم بمراكش.
وهنا تبدو الصورة أكثر وضوحاً.
طنجة يمكن أن تكون محطة وطنية مبكرة لعرض الإنتاج المغربي ومناقشته والاحتفاء بمبدعيه، بينما تستمر رحلة عدد من الأفلام والمواهب نحو المواعيد الدولية، وصولاً إلى مراكش التي أصبحت بدورها موعداً دولياً مهماً في الأجندة السينمائية.
الدورة الثالثة والعشرون للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش مقررة من 20 إلى 28 نونبر 2026، فيما تستمر ورشات الأطلس، التي أطلقها المهرجان سنة 2018، في مواكبة المواهب والمشاريع المغربية والعربية والإفريقية وخلق فضاء للقاء بين المهنيين الدوليين والمواهب المحلية.
وهذا يعني أن المسألة لا تتعلق بالمنافسة بين طنجة ومراكش، بقدر ما يمكن أن تتعلق بتوزيع الوظائف والمواعيد داخل السنة السينمائية.
طنجة في مارس، ومراكش في نونبر، وبينهما مساحة زمنية واسعة تسمح للأفلام بأن تسلك مسارات مختلفة.
قرار يحتاج إلى ما بعد القرار
مع ذلك، يبقى نقل الموعد خطوة أولى وليس نتيجة نهائية.
فالاختبار الحقيقي سيبدأ في مارس 2027: هل سيجد المهنيون فعلاً أن ازدحام المواعيد أصبح أقل؟ هل ستستفيد الأفلام المغربية من هامش زمني أفضل في التعامل مع المهرجانات الدولية؟ وهل سينجح المهرجان في التحول من موعد سنوي لعرض حصيلة الإنتاج إلى نقطة انطلاق فعلية للموسم السينمائي المغربي؟
هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها الآن، ومن الأفضل ألا نستبقها.
لكن ما يمكن قوله إن المركز السينمائي المغربي اختار في هذه اللحظة أن يتعامل مع ملاحظة المهنيين باعتبارها مسألة تخص تنظيم القطاع ككل، لا مجرد مشكلة تخص دورة واحدة.
وهذا في حد ذاته يحمل دلالة مهنية مهمة.
المهرجان الوطني للفيلم ليس ملكاً لمنظميه وحدهم. فهو، بحكم طبيعته وموقعه، جزء من الصناعة السينمائية المغربية ومن صورتها أمام الجمهور والمهنيين في الداخل والخارج. ولذلك فإن إعادة النظر في توقيته يمكن أن تكون مفيدة إذا تحولت من تعديل في التقويم إلى مراجعة أوسع لكيفية توزيع المواعيد السينمائية وتكامل وظائفها.
في النهاية، لن يكون نجاح مارس في كونه بديلاً جيداً لأكتوبر فحسب. النجاح الحقيقي سيكون في أن يصبح مارس بداية أفضل للفيلم المغربي: بداية موسم، وبداية مسارات جديدة للأفلام والمواهب، وموعداً يمنح السينما الوطنية مساحة أكبر لكي تُرى وتناقش وتجد طريقها إلى الخارج.
وهذا هو المعنى الأبعد في قرار يبدو، للوهلة الأولى، مجرد تغيير في التاريخ.


