طرد سفير المغرب؟ هكذا تتحول أزمة الهجرة إلى أزمة دبلوماسية

0
103

في سبتة، بدأت القصة بأزمة على الحدود. وبعد أسابيع، وصلت إلى السفير المغربي.

حزب فوكس يريد تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع المغرب، وسحب السفير الإسباني من الرباط وطرد السفير المغربي من مدريد. الدعوة جاءت في وقت تقول فيه حكومة بيدرو سانشيز إن أجهزتها الأمنية والاستخباراتية لم تقدم لها أي معلومات تثبت تورط السلطات المغربية في موجة الدخول الجماعي التي شهدتها المدينة يومي 30 و31 يوليوز.

بين هذين الموقفين تتشكل الآن قصة أخرى، تتجاوز ما حدث على الحدود.

فهل نحن أمام أزمة هجرة تحولت إلى خلاف دبلوماسي، أم أمام أزمة هجرة يجري استخدامها لإعادة فتح ملفات أقدم في العلاقة مع المغرب؟

منذ الأيام الأولى، لم ينتظر فوكس اكتمال الصورة.

في 30 يوليوز، تحدث مسؤول الحزب في سبتة عن «غزو»، وطالب بإغلاق الحدود وإرسال الجيش. وبعد أيام، ذهب الخطاب أبعد، مع حديث عن «عملية هجينة» مغربية واستخدام الهجرة كسلاح جيوسياسي. وفي 2 غشت، طالب زعيم الحزب سانتياغو أباسكال بعسكرة الحدود.

الخطوة الجديدة مختلفة في طبيعتها. فهي لا تتعلق فقط بإدارة الحدود أو سياسة الهجرة، وإنما تستهدف الإطار الذي ينظم جزءاً مهماً من العلاقات بين مدريد والرباط منذ معاهدة 1991.

وهذا ما يجعل مطلب طرد السفير أكبر من مجرد تصعيد في الخطاب السياسي حول سبتة.

ما الذي تعرفه مدريد فعلاً؟

هنا تصبح تصريحات سانشيز مهمة.

رئيس الحكومة الإسبانية لم ينف خطورة ما وقع في سبتة، ولم يقل إن الحدود لم تتعرض لاختبار أمني كبير. ما قاله أكثر تحديداً: لا توجد، بحسب المعلومات التي وصلت إلى حكومته من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، معطيات تشير إلى مشاركة السلطات المغربية في موجة الدخول.

وفي المقابل، قدم تفسيراً آخر لجانب من الأزمة.

تحدث عن انتشار معلومات مضللة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بينها ادعاءات بأن المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة عن طريق البحر يستطيعون البقاء في إسبانيا. وقال إن بحثاً أجراه جهاز العمل الخارجي الأوروبي خلص، بحسب عرضه، إلى وجود شبكات روسية وإسرائيلية وشبكات من اليمين المتطرف وراء نشر هذه المعلومات.

موسكو رفضت الاتهام.

لكن هناك فرقاً بين إثبات انتشار معلومة مضللة وبين إثبات الجهة التي صنعتها، ثم إثبات أنها هي التي دفعت آلاف الأشخاص إلى التحرك نحو سبتة. كل حلقة من هذه السلسلة تحتاج إلى أدلة مستقلة.

حتى الآن، لم تعرض مدريد للرأي العام كل التفاصيل التي تسمح بتحويل هذه الرواية إلى حقيقة مكتملة.

وهذه نقطة لا يمكن القفز فوقها.

المغرب في قلب الأزمة، حتى من دون دليل معلن

وجود المغرب في النقاش الإسباني ليس مفاجئاً.

سبتة ومليلية ملفان حساسان في العلاقات بين البلدين، والهجرة والحدود والتعاون الأمني ملفات ترتبط بهما بصورة مباشرة. لذلك يكفي وقوع أزمة كبيرة في سبتة لكي تستعاد، في الخطاب السياسي، كل القضايا التي ظلت قائمة بين مدريد والرباط.

لكن وجود هذه الخلافات لا يحسم مسؤولية المغرب عن واقعة بعينها.

إذا أثبتت التحقيقات الإسبانية لاحقاً وجود دور رسمي مغربي، فسيكون لدى مدريد أساس مختلف للتصرف. أما إذا لم تثبت ذلك، فستبقى الأسئلة في مكان آخر: كيف انتشرت المعلومات؟ من يقف وراء الشبكات التي نشرتها؟ ماذا كانت تعرف السلطات الإسبانية قبل وصول المهاجرين؟ ولماذا وصلت الأزمة إلى هذا الحجم؟

أسئلة من هذا النوع لا تجد جوابها في البيانات الحزبية.

المشكلة أن العلاقة أكبر من سبتة

من السهل سياسياً أن تتحول أزمة الهجرة إلى معركة حول الأمن والسيادة.

لكن السياسة الخارجية لا تعمل بالطريقة نفسها.

إسبانيا لا تتعامل مع المغرب في ملف واحد. هناك التعاون الأمني، والهجرة غير النظامية، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، والتجارة، والمصالح الاقتصادية، إلى جانب الملفات السياسية والخلافات المعروفة.

ولهذا فإن تعليق معاهدة 1991 ليس قراراً يشبه إصدار موقف انتخابي حول الهجرة.

إنه، لو تحول إلى سياسة رسمية، سيعيد فتح مجموعة واسعة من الملفات في وقت واحد.

ولا توجد مؤشرات، حتى الآن، على أن حكومة سانشيز تتجه إلى ذلك. على العكس، قال رئيس الحكومة إن التعامل مع أزمة سبتة يحتاج إلى التعاون مع المغرب.

هذا التناقض بين الحكومة وفوكس مهم لفهم ما يجري.

الحزب يرى في الأزمة فرصة لتشديد الخطاب حول الحدود والهجرة، وربط ذلك بمسألة السيادة. الحكومة، في المقابل، تحاول الفصل بين حماية الحدود وبين قطع قنوات التعاون مع الرباط.

ومن المبكر معرفة أي من الخطابين سيكون له تأثير أكبر على السياسة الإسبانية.

ماذا يبقى بعد انتهاء الأزمة؟

قد تكشف التحقيقات شيئاً يغير الصورة الحالية.

وقد لا تفعل.

إذا ظهرت أدلة جديدة على مسؤولية مغربية رسمية، سيكون من الطبيعي أن تعيد مدريد حساباتها. وإذا لم تظهر، فسيصبح من الصعب تفسير الأزمة كلها من خلال المغرب وحده.

في الحالتين، سيبقى سؤال آخر قائماً: كيف يمكن لمعلومة منشورة على شبكات التواصل أن تنتقل بهذه السرعة من شاشة هاتف إلى حركة جماعية على الأرض؟

هذا السؤال لا يتعلق بالمغرب وحده، ولا بإسبانيا وحدها. إنه جزء من مشكلة أكبر أصبحت تواجهها الدول عندما تتداخل الهجرة مع التضليل الرقمي والشبكات الإجرامية والسياسة الداخلية.

ولذلك فإن سبتة تكشف شيئاً يتجاوز الحدود نفسها.

الأزمة التي بدأت بآلاف المهاجرين أصبحت الآن موضوعاً لصراع على تفسير ما حدث، ومن يملك حق تحديد المسؤولية عنه. وبينما تقول الحكومة الإسبانية إن الأدلة المتاحة لا تشير إلى المغرب، يدفع فوكس نحو خطوة دبلوماسية تمس العلاقة مع الرباط في أساسها.

الفرق بين الموقفين ليس تفصيلاً.

إنه الفرق بين انتظار التحقيق حتى يقول كلمته، وبين اتخاذ القرار السياسي قبل أن تكتمل الرواية.

وفي العلاقات بين دولتين جارتين، قد يكون من السهل رفع مستوى التصعيد. الأصعب هو أن تعرف متى يكون التصعيد مبنياً على حقيقة ثبتت، ومتى يكون مجرد امتداد لأزمة سياسية تبحث عن عنوان جديد.

في سبتة، لم تنته القصة بعد.

وربما يكون أهم ما فيها الآن ليس من سيُتهم، وإنما ما إذا كانت التحقيقات ستصل إلى الحقيقة قبل أن تصل السياسة إلى قرار لا يمكن التراجع عنه بسهولة.