سبتة ومليلية ومالفيناس.. المغرب والأرجنتين يفتحان ملف السيادة مع إسبانيا وبريطانيا

0
97

لم يحتج خافيير ميلي، مساء الخميس، إلى فتح ملف جديد مع بريطانيا. الملف قديم، والحرب التي دارت حول جزر فوكلاند انتهت قبل 44 عاماً. الجديد كان في الطريقة التي اختار بها الرئيس الأرجنتيني إعادة وضع القضية على الطاولة: عقوبات على شركات النفط، مشروع قانون أمام الكونغرس، تشديد للأدوات القانونية، وتعزيز للقدرات العسكرية في أقصى جنوب البلاد.

في خطاب متلفز، أعلن ميلي أنه سيوقع مرسوماً لتسريع العقوبات على الشركات المشاركة في مشاريع النفط والغاز في الجزر والمياه التي تعتبرها بوينس آيرس تابعة لها، كما يعتزم توسيع نطاق العقوبات ليشمل مساهمين ومديرين وموردين. ويتعلق الأمر، بصورة خاصة، بمشروع Sea Lion الذي تطوره شركتا Rockhopper Exploration البريطانية وNavitas Petroleum الإسرائيلية.

ولم يتوقف الإعلان عند النفط.

تحدث الرئيس الأرجنتيني عن زيادة موارد وزارة الدفاع، وعن بناء قاعدة بحرية في تييرا ديل فويغو، وعن مشروع قانون جديد لتعزيز ما تسميه حكومته حماية السيادة الوطنية. أي أن قضية الجزر خرجت، ولو مؤقتاً، من إطار التصريحات الدبلوماسية وحدها إلى حزمة من الإجراءات التي تمتد من الاقتصاد والقانون إلى الدفاع.

وهنا تصبح المقارنة مع ما يجري حول سبتة ومليلية والجزر المتوسطية المغربية ممكنة، ولكن في حدودها الصحيحة.

المغرب أعاد في الأسابيع الأخيرة وضع ملف سبتة ومليلية في واجهة النقاش السياسي، مع تأكيد مسؤولين مغاربة على ما يعتبرونه حقوقاً تاريخية وجغرافية للمملكة، واقتراح آلية للحوار حول مستقبل المدينتين. مدريد ردت بالتأكيد على سيادتها ورفضت فتح تفاوض حولها.

لكن الرباط لم تعلن، في هذا الملف، ما يشبه الإجراء الأرجنتيني الجديد ضد شركات تعمل في مجال الموارد الطبيعية في الأراضي المتنازع عليها. لذلك فإن وضع الحالتين في خانة واحدة سيكون تبسيطاً غير دقيق.

ما يجمعهما هو شيء آخر: استمرار ملفات السيادة القديمة في العودة عندما تتغير البيئة الدولية المحيطة بها.

في الأرجنتين، كان هناك عامل مباشر هذه المرة: النفط.

مشروع Sea Lion ليس مجرد نشاط اقتصادي عابر. فالشركات المعنية تستعد للحفر، فيما تشير التقديرات إلى احتياطيات كبيرة في المنطقة. ووفق ما نقلته رويترز، فإن المشروع أصبح نقطة التركيز الأساسية في التصعيد الأرجنتيني، بينما تقول الشركات إنها لا تتوقع أن تؤثر الإجراءات الجديدة بشكل جوهري على الجدول الزمني للمشروع.

لهذا تحدث ميلي عن استخدام الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والقضائية والقانونية، وليس عن تجديد المطالبة بالسيادة فقط.

حتى الآن، لا توجد في خطابه إشارة إلى عمل عسكري لاستعادة الجزر. وهذا مهم، خصوصاً أن ذاكرة حرب 1982 ما زالت حاضرة بقوة في العلاقة بين البلدين. بريطانيا، من جهتها، أعادت التأكيد على موقفها الثابت، وربطت سيادتها بإرادة سكان الجزر، مستندة أيضاً إلى استفتاء 2013 الذي صوت فيه السكان بأغلبية ساحقة للبقاء تحت السيادة البريطانية.

ميلي يرفض هذه الحجة، ويعتبر أن سكان الجزر لا يملكون، في نظر الأرجنتين، حقاً مستقلاً في تقرير مصير الإقليم، بينما ترى لندن أن إرادة السكان جزء أساسي من موقفها.

هذه واحدة من النقاط التي تجعل ملف فوكلاند شديد التعقيد، ولا تسمح بنقله ببساطة إلى الحالة المغربية.

لكن هناك تفصيلاً آخر ربما يكون أكثر أهمية من الخطاب نفسه.

قبل أيام، سُئل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن موقف واشنطن من فوكلاند، فأجاب بأنه يراجع دائماً مواقف الولايات المتحدة. لم يكن ذلك إعلاناً عن تغيير السياسة الأميركية، ولم تقل واشنطن إنها اعترفت بالموقف الأرجنتيني. لكن ميلي قرأ العبارة باعتبارها احتمالاً لتغير في البيئة الدولية المحيطة بالنزاع.

وهذا هو العنصر الذي رفع مستوى الاهتمام بالقضية.

فالنزاعات الإقليمية القديمة لا تتحرك دائماً لأن أحد أطرافها اكتشف فجأة أنه يملك حجة جديدة. أحياناً تتحرك لأن ميزان العلاقات بين القوى الكبرى يبدأ في إنتاج هوامش جديدة.

ميلي يعرف ذلك جيداً. لذلك ربط خطابه بعلاقته مع واشنطن، وقدم الأرجنتين باعتبارها شريكاً استراتيجياً موثوقاً للولايات المتحدة. وفي المقابل، لم تنتظر لندن طويلاً للرد، مؤكدة أن التزامها بالجزر “ثابت ولا يتزعزع”.

المسألة إذن ليست فقط الأرجنتين في مواجهة بريطانيا.

هناك الولايات المتحدة، وهناك النفط، وهناك جنوب الأطلسي، وهناك حسابات داخلية أرجنتينية أيضاً.

فبحسب تقارير صحافية، يأتي التصعيد في وقت يواجه فيه ميلي ضغوطاً سياسية واقتصادية وتراجعاً في شعبيته. وقضية فوكلاند، أو مالويناس كما تسميها الأرجنتين، تظل من الملفات القليلة القادرة على جمع قطاعات واسعة من المجتمع الأرجنتيني حول خطاب واحد.

ذلك لا يعني أن المطالبة الأرجنتينية مصطنعة أو أنها ولدت لأسباب انتخابية. النزاع أقدم بكثير من ميلي، والمطالبة بالسيادة جزء ثابت من السياسة الأرجنتينية. لكن توقيت إعادة تصعيده، وطريقة توظيفه، لا يمكن فصلهما عن الظروف التي تتحرك فيها الحكومة حالياً.

ومن هذه الزاوية تحديداً يعود ملف سبتة ومليلية إلى الصورة.

فحين تعيد الرباط التأكيد على أن المدينتين والجزر المتوسطية جزء من ملف سيادتها، لا يعني ذلك أن المسار المغربي سيكون نسخة من المسار الأرجنتيني. بل إن الاختلاف بين التجربتين واضح في الأدوات والسياق والعلاقات مع الدولة المقابلة.

المغرب وإسبانيا مرتبطان بشبكة كثيفة من المصالح الاقتصادية والأمنية والهجرة والتجارة، وهو ما يجعل ملف السيادة يتحرك داخل علاقة أوسع بكثير من مجرد نزاع حدودي. أما بريطانيا والأرجنتين، فرغم وجود علاقات بينهما، فإن فوكلاند تحمل إرث حرب مباشرة ما زالت تلقي بثقلها على الحسابات العسكرية والسياسية.

ومع ذلك، فإن ما يحدث في الأرجنتين يقدم درساً في كيفية تطور ملفات السيادة عندما تدخل المصالح المادية إلى قلب النزاع.

الأرض لا تعود مجرد أرض عندما تصبح تحتها موارد استراتيجية.

والحدود لا تبقى مسألة خرائط عندما تبدأ شركات دولية في الاستثمار والتنقيب والإنتاج.

في حالة فوكلاند، وصل هذا التحول إلى مشروع نفطي محدد، وشركات محددة، وعقوبات محددة. وفي الحالة المغربية، لا توجد معطيات مماثلة تسمح بالقول إن ملف سبتة ومليلية دخل المرحلة نفسها.

لكن إعادة طرحه، بالتزامن مع تصاعد النقاش حول السيادة في مناطق أخرى من العالم، تذكر بأن الملفات التي تبدو مجمدة لسنوات قد تعود إلى الواجهة عندما تتغير الظروف المحيطة بها.

واللافت أن الأرجنتين لم تكتف هذه المرة بإعادة عبارة “الجزر أرجنتينية”. أعلنت بوينس آيرس عن أدوات تريد استخدامها لتحقيق ضغط فعلي، من العقوبات إلى القانون إلى الدفاع.

أما ما إذا كانت هذه الأدوات ستغير واقع فوكلاند، فذلك أمر آخر تماماً.

حتى الآن، بريطانيا متمسكة بموقفها، والشركات المعنية بالمشروع النفطي لا تعلن تراجعها، وواشنطن لم تعلن تغييراً رسمياً في سياستها.

لهذا، فإن ما حدث الخميس ليس استعادة لفوكلاند، ولا تحولاً نهائياً في موقف القوى الكبرى. إنه رفع جديد لسقف النزاع، في لحظة بدأت فيها الموارد والطاقة والحسابات الأميركية تدخل بصورة أوضح إلى القضية.

وفي ملفات السيادة، أحياناً يكون الفرق بين المطالبة القديمة والمرحلة الجديدة هو الأدوات التي توضع خلفها.