لم تبدأ مايسة سلامة الناجي من سؤال فوزي لقجع، ولا من حزب الأصالة والمعاصرة، ولا حتى من انتخابات 23 شتنبر. بدأت من سؤال أوسع بكثير: هل انتهى التدافع السياسي حول حدود السلطة في المغرب، أم أن المغاربة بدأوا يتعاملون مع الأمر وكأنه حُسم وانتهى؟
في مقطع مصور نشرته مساء 10 شتنبر، قالت الناجي إن ما تعتبره «انتخابات محسومة مسبقاً» يرتبط، في قراءتها، بصعود لقجع وبالصلاحيات التي تقول إنه حصل عليها، قبل أن تنتقل إلى سؤال أكثر حساسية: ماذا بقي من النقاش الذي عرفه المغرب منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي حول العلاقة بين المؤسسة الملكية والقوى السياسية؟
المقطع، بحسب المعطيات الظاهرة على المنصة، حصد أكثر من 203 آلاف مشاهدة ونحو 3.8 آلاف تفاعل، وهو ما يفسر جزئياً لماذا لا يمكن التعامل معه كمنشور عابر، حتى لو لم يكن حجم المشاهدة دليلاً في حد ذاته على اتفاق الجمهور مع مضمونه.
الناجي لا تقول إنها ضد المؤسسة الملكية. بالعكس، تحرص في حديثها على وصفها بأنها «جزء لا يتجزأ من الهوية والتاريخ والوجود المغربي»، لكنها تطرح سؤالاً مختلفاً: هل أصبح النقاش حول توزيع السلطة نفسه خارج جدول النقاش السياسي؟
وهنا تنتقل القصة من مايسة إلى لقجع.
فالمؤكد أن المغرب أحدث بالفعل، بقانون رقم 35.25، «مؤسسة المغرب 2030»، ودخل القانون حيز التنفيذ بعد صدور الظهير الشريف في غشت 2025. المؤسسة ليست اسماً إعلامياً أو لجنة مؤقتة؛ إنها مؤسسة قانونية ذات مهام محددة مرتبطة بالإعداد وتنظيم وتثمين التظاهرات الكروية الدولية التي يستضيفها المغرب، وتتبع الالتزامات المرتبطة بها ومواكبة الجهات والمدن المعنية.
كما أن فوزي لقجع ليس مجرد مسؤول رياضي في هذا الملف. فقد قدم مشروع القانون نفسه عندما كان وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية، ثم أصبح رئيساً للمؤسسة. والحكومة قالت صراحة إن إنشاء المؤسسة جاء لتنفيذ التوجيهات الملكية المتعلقة بالاستعدادات لكأس العالم 2030.
هذه الوقائع هي التي جعلت النقاش حول «لقجع» يتجاوز كرة القدم.
لكن هناك نقطة تحتاج إلى فصل واضح بين الواقع والاستنتاج.
مايسة تتحدث عن مؤسسة تمنح لقجع صلاحيات تجعل موقعه شبيهاً بموقع المستشارين الملكيين، وعن نفوذ يتجاوز وزير الداخلية، وعن قدرة على التحكم في الولاة والعمال. المعطيات الرسمية التي اطلعنا عليها لا تثبت هذه الصيغة.
قانون «مؤسسة المغرب 2030» يمنح رئيسها صلاحيات مهمة في تنسيق العلاقات بين الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية والهيئات الرياضية والجهات الدولية، والإشراف على تنفيذ قرارات مجلس المؤسسة. لكنه لا ينص على أن رئيسها يصبح صاحب سلطة فوق وزير الداخلية أو على الولاة والعمال بالمعنى الذي ورد في المقطع.
والأدق أن هناك واقعة أخرى ربما ساعدت على إنتاج هذا الانطباع.
في غشت الماضي، أصدر لقجع، بصفته الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، قراراً بتفويض عدد من الصلاحيات المالية لأكثر من 60 والياً وعاملاً، مرتبطة بتدبير الاعتمادات المفوضة من «صندوق التنمية الترابية المندمجة». غير أن القرار يتعلق بالتوقيع والمصادقة على صفقات واتفاقيات ضمن اعتمادات محددة، وليس بمنح لقجع سلطة تعيين الولاة والعمال أو إدارة اختصاصاتهم العامة.
أي أن هناك وقائع حقيقية حول اتساع دائرة المسؤوليات المالية والتنظيمية المرتبطة بلقجع، لكن القفز منها إلى القول إنه صار أقوى من وزير الداخلية يحتاج إلى أدلة أخرى غير المتاحة حالياً.
ومع ذلك، يصعب تجاهل سبب آخر جعل اسمه يتحول إلى قضية سياسية.
في يوليوز، دخل لقجع رسمياً إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وارتبط اسمه حينها بترشحه في دائرة بركان وباحتمال لعب دور في الحكومة المقبلة. بل إن نقاشاً إعلامياً وسياسياً نشأ حول ما سمي بـ«حكومة المونديال»، مع طرح اسمه كشخصية تكنوقراطية قادرة على قيادة مرحلة 2030.
ثم حدث شيء أربك كل هذه السيناريوهات.
في 31 غشت، أُعلن أن لقجع لن يترشح للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، بعدما كان اسمه مطروحاً للترشح باسم «البام» في بركان، رغم مشاركته قبل ذلك في لقاءات للحزب وانضمامه إلى مكتبه السياسي.
وهنا يصبح السؤال الذي تطرحه الناجي أكثر تعقيداً مما يبدو.
فإذا كان الرجل لا يترشح أصلاً للبرلمان، فإن الحديث عن أن الانتخابات ستأتي به مباشرة إلى رئاسة الحكومة يصبح غير قائم على المسار الانتخابي العادي. والدستور نفسه واضح في الفصل 47: الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.
لكن الناجي لا تقف عند لقجع. هي تعود إلى التاريخ.
تسأل عمّا إذا كان النقاش الذي عرفه المغرب خلال العقود الماضية حول الصلاحيات والتمثيلية والعلاقة بين المؤسسة الملكية والقوى السياسية قد فقد زخمه. وهي، في هذا الجزء تحديداً، لا تقدم خبراً يحتاج إلى إثبات بقدر ما تطرح قراءة سياسية للمسار المغربي.
الدستور الحالي نفسه لا يصف المغرب كنظام تكون فيه الملكية وحدها مصدر السلطة السياسية. الفصل الأول يتحدث عن «ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية»، وعن فصل السلط وتوازنها وتعاونها، وعن الديمقراطية المواطنة والتشاركية وربط المسؤولية بالمحاسبة. والفصل الثاني ينص على أن السيادة للأمة وتمارس، بشكل غير مباشر، بواسطة ممثليها.
وفي المقابل، يمنح الدستور المؤسسة الملكية موقعاً مركزياً في النظام السياسي، وهو ما يجعل النقاش الحقيقي ليس حول وجود الملكية من عدمه، وإنما حول كيفية اشتغال التوازن بين الملكية والحكومة والبرلمان والأحزاب والمؤسسات المنتخبة داخل النظام الدستوري القائم.
من هنا تصبح عبارة الناجي «هل استسلمنا؟» أهم من اتهامها بأن الانتخابات «محسومة مسبقاً».
لأن الحسم المسبق للانتخابات ادعاء يحتاج إلى دليل، بينما السؤال عن تراجع النقاش السياسي حول توزيع السلطة يمكن اختباره من خلال وقائع ومواقف وممارسات متعددة.
وحتى هنا، لا تبدو الصورة محسومة.
فمن جهة، هناك انتقال واضح لشخصية مثل لقجع من الإدارة والرياضة إلى المجال الحزبي، وتزامن ذلك مع مؤسسة جديدة مرتبطة بمشروع وطني ضخم يمتد زمنياً إلى 2030. ومن جهة ثانية، فإن المؤسسة نفسها أُحدثت بقانون، ولها مجلس تنفيذي وميزانية ونظام للصفقات وموارد بشرية، وليست جهازاً شخصياً أنشئ خارج الإطار القانوني.
ثم إن فكرة «الرجل الذي سيقود الحكومة بعد الانتخابات» فقدت جزءاً كبيراً من أساسها عندما قرر لقجع عدم الترشح.
لكن شيئاً آخر بقي.
بقي السؤال عن النموذج الذي تمثله شخصية تجمع بين الإدارة المالية، ورئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ورئاسة مؤسسة «المغرب 2030»، ثم الدخول إلى حزب سياسي، في مرحلة تريد فيها الدولة تنفيذ أوراش كبرى في ظرف زمني ضاغط.
هذا بالضبط ما جعل اسم لقجع يظهر في نقاشات سياسية لا علاقة مباشرة لها بكرة القدم. مركز الجزيرة للدراسات، في قراءة منشورة حول انتخابات 2026، أشار هو الآخر إلى صعوده كنموذج لنخبة ذات خلفية تقنية/سياسية، وربط حضوره بالميزانية وبمشروع 2030 وبالرصيد الرمزي الذي راكمه من كرة القدم.
أما مايسة سلامة الناجي، فتأخذ هذا التحول إلى نهايته السياسية الأكثر حساسية: إذا أصبح نجاح الدولة في إنجاز المشاريع، ونجاح المنتخب، ونجاح المونديال، كلها مرتبطة بشخصية أو مجموعة محدودة من الشخصيات، فماذا يبقى من الدور السياسي للأحزاب والانتخابات؟
السؤال مشروع.
أما الإجابة، فلا تزال مفتوحة.
لأن الانتخابات لم تُجر بعد، ونتائجها لم تظهر، وتركيبة الحكومة المقبلة لم تتشكل، ولقجع نفسه لن يدخل سباق 23 شتنبر وفق ما أُعلن.
لذلك قد يكون من المبكر القول إن «التدافع انتهى»، كما أنه من المبكر الجزم بأن الانتخابات «محسومة».
لكن ما لم يعد من السهل تجاهله هو أن النقاش المغربي دخل مرحلة أخرى: لم يعد السؤال فقط من سيحكم بعد الانتخابات؟ بل صار أيضاً: من يملك القدرة الفعلية على صناعة القرار وتنفيذ المشاريع الكبرى داخل الدولة، وكيف تتوزع هذه القدرة بين المؤسسات المنتخبة والمؤسسات التنفيذية والمؤسسات التي تنشأ حول الأوراش الاستراتيجية؟
وهذا سؤال أكبر من لقجع، وأقدم من الانتخابات المقبلة، وربما هو السبب الحقيقي الذي جعل مقطعاً مدته دقائق يعيد إلى الواجهة نقاشاً كان يبدو لكثيرين أنه أصبح من الماضي.