«لقجع يعرف من أين يُؤكل الكتف».. هل سحب “البام” عرش المال والأعمال من وكر الحمامة؟

0
104

لم يحتج فوزي لقجع إلى خطاب انتخابي طويل حتى يلفت انتباه رجال الأعمال. اختار المكان بعناية: مقر الاتحاد العام لمقاولات المغرب، والزمان أكثر دلالة: أقل من أسبوعين على انتخابات 23 شتنبر. وهناك، أمام ممثلي «الباطرونا»، لم يتحدث فقط عن برنامج حزب الأصالة والمعاصرة، وإنما دخل مباشرة إلى اللغة التي يفهمها عالم المقاولة: الاستثمار، التمويل، الاقتصاد غير المهيكل، الوسطاء، التشغيل، الضرائب، التعليم، والحماية الاجتماعية.

قد تبدو المسألة في ظاهرها مجرد جلسة أخرى ضمن اللقاءات التي تعقدها الأحزاب مع الفاعلين الاقتصاديين. وهذا صحيح جزئياً. فالاتحاد العام لمقاولات المغرب سبق أن استقبل حزب التجمع الوطني للأحرار في يوليوز، حين قدم رئيسه محمد شوكي وبرفقته عدد من وزراء الحزب الخطوط العريضة لبرنامج 2026-2031. والاتحاد نفسه قدم اللقاء باعتباره جزءاً من حواره مع مختلف الأحزاب.

لكن لقاء لقجع كان مختلفاً في شيء آخر: الرجل لم يأتِ ليطلب من المقاولين التصفيق لبرنامج «البام»، وإنما قدم لهم ما يشبه مسودة تفاوض اقتصادي.

ابتداءً من 2027، يقول لقجع، سيبدأ ورش هيكلة الاقتصاد غير المهيكل. والأهم أنه حرص على نفي أن تكون الغاية جباية أموال جديدة من هذا القطاع. المطلوب، وفق عرضه، إدخال الفاعلين تدريجياً إلى الاقتصاد المنظم، وتمكينهم من الاستفادة من التحفيزات والدعم والمواكبة، مع توسيع التعاملات البنكية والأداء الإلكتروني.

هذه ليست لغة انتخابية موجهة إلى الشارع بقدر ما هي لغة موجهة إلى صاحب المقاولة.

وهنا بالضبط يصبح حضور لقجع أمام «الباطرونا» أكثر إثارة للاهتمام.

الرجل الذي جاء أصلاً من عالم تدبير المالية العمومية، والذي يتحدث بالأرقام أكثر مما يتحدث بالشعارات، اختار أن يضع القطاع الخاص في قلب التصور الاقتصادي لـ«البام». قالها بوضوح: المقاولة شريك، والقطاع الخاص قاطرة خلق الثروة وفرص الشغل، والدولة مطالبة بأن تكون في خدمة الاستثمار والمقاولة، لا أن تتعامل معها بمنطق شعبوي.

وهنا يمكن فهم عبارة «ضربت معلم» التي قد تتردد في قراءة هذا اللقاء، ولكن بحذر.

ليس لأن «الباطرونا» أعلنت انتقالها من «الحمامة» إلى «الجرار»؛ لا توجد معطيات تثبت ذلك. بل لأن «البام» دخل إلى المجال الذي ظل حزب التجمع الوطني للأحرار يعرف كيف يخاطبه سياسياً: لغة رجال الأعمال والمقاولة والاستثمار.

والفرق مهم.

في يوليوز، جاء «الأحرار» إلى مقر الاتحاد بوفد اقتصادي ووزاري وقدم برنامجه 2026-2031. وبعد أقل من شهرين، جاء «البام» بالخطاب نفسه تقريباً من حيث مخاطبة القطاع الخاص، لكن مع إضافة شخصية لقجع التي تعطي للعرض وزناً تقنياً مختلفاً، خصوصاً وهو يتحدث عن المالية والميزانية والاستثمار والأرقام.

ثم جاءت التفاصيل.

لقجع لا يكتفي بالقول إن المقاولة مهمة. يفتح ملف التعليم، حيث أشار إلى بلوغ الميزانية نحو 97 مليار درهم، مقابل 58 ملياراً سابقاً، بينما تستمر حالات الانقطاع عن الدراسة في حدود 300 ألف حالة سنوياً بحسب الأرقام التي عرضها. ويعيد السؤال إلى القطاع الخاص: لماذا لم ترتفع حصته في التعليم كما كان متوقعاً، وما الذي يمنعه من الاستثمار أكثر؟

ثم يذهب إلى نقطة أكثر حساسية بالنسبة للمقاولات: الوسطاء.

عندما يقول إن بعض حلقات الوساطة التجارية تمتص جزءاً كبيراً من القيمة بين المنتج والمستهلك، ويضرب مثال المنتجات الفلاحية التي قد يصل فرق سعرها إلى أربعة أو خمسة أضعاف، فهو لا يخاطب الفلاح فقط. إنه يتحدث عن بنية السوق، وعن من يخلق القيمة ومن يلتقطها في الطريق.

وبالموازاة مع ذلك، يطرح ملف الحماية الاجتماعية، وخصوصاً الفئات التي يصعب إدماجها في نموذج اشتراك واحد: الفلاحون، الحرفيون، العمال المؤقتون ومهن ذات دخل متقلب. وهنا يظهر جانب آخر من تصوره: الدولة لن تستطيع تحمل كل الاشتراكات، ومن يملك القدرة على الأداء يجب أن يؤدي، بينما ينبغي تحديد من تتكفل الدولة باشتراكاته.

ثم يرمي لقجع رقماً آخر إلى الطاولة: 2.9 مليون شاب خارج التعليم والتكوين والشغل، إلى جانب نحو 300 ألف حالة انقطاع سنوية. وهي أرقام تجعل الحديث عن المقاولة أقل ارتباطاً بأرباح الشركات وأكثر ارتباطاً بقدرة الاقتصاد على إنتاج وظائف فعلية.

لكن ربما أكثر ما يلفت في اللقاء هو ما احتفظ به لقجع إلى النهاية تقريباً: برنامج من 46 صفحة يقول إنه مبني على عمل تقني يقارب 1200 صفحة من المحاكاة والنمذجة والدراسات.

والأهم أنه أعلن استعداد الحزب لإتاحة هذه الوثائق للأحزاب وللاتحاد العام لمقاولات المغرب، وفتحها للنقاش والتصحيح، بل والاعتراف بالخطأ إن وجد.

هنا ينتقل «البام» من بيع برنامج انتخابي إلى محاولة تقديم نفسه باعتباره حزباً يملك «غرفة محركات» اقتصادية.

هل اقتنع رجال الأعمال؟ لا توجد معطيات تسمح بهذا الاستنتاج.

هل انتقل الاتحاد العام لمقاولات المغرب من خانة إلى أخرى؟ أيضاً لا.

لكن شيئاً واحداً حدث فعلاً: في أسبوع واحد تقريباً، وجد «الأحرار» و«البام» نفسيهما أمام العنوان نفسه: من يستطيع أن يقدم للمقاولة المغربية عرضاً أكثر إقناعاً؟

وهذا وحده كافٍ لتغيير شكل المنافسة.

فإذا كان «وكر الحمامة» قد اعتاد استقبال خطاب اقتصادي قريب من عالم المقاولة، فإن «الجرار» دخل هذه المرة من الباب نفسه، ووضع فوق الطاولة أرقاماً ووعوداً وإجراءات تمتد إلى 2030.

أما عبارة «سحب عرش المال والأعمال»، فتظل حتى الآن عنواناً سياسياً أكثر منها حقيقة مثبتة.

لكن لقجع، على الأقل في هذه الجولة، عرف جيداً أين يأكل الكتف.