بنسعيد يشرح حسابات «البام»: 5000 درهم للسميك، إصلاح التعليم، وطموح رئاسة الحكومة

0
108

قراءة في تصريحات محمد المهدي بنسعيد حول الأجور، الإصلاحات الاجتماعية، وخرائط التنافس داخل الأصالة والمعاصرة

المسألة التي وضعها محمد المهدي بنسعيد أمام النقاش الانتخابي لا تتعلق فقط برقم 5000 درهم الذي ارتبط بوعد رفع الحد الأدنى للأجور، وإنما بالسؤال الذي يرافق كل وعد اجتماعي كبير: من سيدفع كلفته، وكيف يمكن تحويله من إعلان سياسي إلى التزام اقتصادي قابل للتنفيذ؟

عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة اختار، خلال مشاركته في برنامج «الطريق إلى الانتخابات 2026»، أن ينأى بحزبه عن تبني وعد رفع «السميك» إلى 5000 درهم، موضحاً أن الحزب لم يدرج هذا الالتزام في برنامجه الانتخابي. واستند في شرحه إلى الصعوبات التي قد تواجهها المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة في أداء هذا المستوى من الأجور.

التمييز الذي قدمه بنسعيد مهم في قراءة خطاب «البام»: الحزب لا يعترض، بحسب تصريحه، على مبدأ رفع الأجر الأدنى، لكنه يطرح قدرة المقاولات على تحمّل الكلفة. وهي نقطة تفتح النقاش على العلاقة بين الدخل الذي ينتظره الأجير، والهامش المالي للمقاولة، والآثار المحتملة على التشغيل، وهي عناصر تحتاج إلى أرقام ودراسات حتى يتحول النقاش من الموقف السياسي إلى تقييم قابل للاختبار.

القدرة الشرائية كبديل عن الرفع المباشر للأجور

في المقابل، يقدّم بنسعيد تصوراً اقتصادياً مختلفاً في طريقة دعم المواطن. فبدل حصر النقاش في الرفع المباشر للأجر الأدنى، يستحضر مقترحات واردة في خطاب الحزب، من بينها رفع الحد الأدنى للتقاعد إلى 3000 درهم، وإعفاء فئات من الموظفين والأطر من الضريبة على الدخل، بما يتيح لها دخلاً شهرياً إضافياً.

ووفق المنطق الذي عرضه، فإن تحسين القدرة الشرائية يمكن أن يدعم الاستهلاك، ويمنح المقاولات فرصاً أكبر للاستفادة من الطلب الداخلي، بما قد يساعدها على التشغيل. غير أن هذا المسار يظل تصوراً اقتصادياً يقدمه الحزب، لا نتيجة مثبتة بمجرد الإعلان عن التدابير. فالأثر الفعلي لأي إعفاء ضريبي أو زيادة في الدخل يرتبط بتصميم الإجراء، وكلفته على المالية العمومية، وسلوك الأسر والمقاولات.

وتظهر هنا نقطة تستحق التدقيق في البرنامج الانتخابي نفسه. فقد أفادت تقارير صحافية عن تقديم «البام» في فاتح شتنبر برنامجاً بغلاف استثماري يناهز 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، مع تعهدات تشمل رفع الحد الأدنى للتقاعد وإجراءات ضريبية. أما التصريح المنقول عن بنسعيد في البرنامج التلفزيوني، فيتحدث عن إعفاء الموظفين والأطر الذين يتقاضون أقل من 12 ألف درهم من الضريبة على الدخل. وتحتاج الحدود الرقمية الدقيقة إلى الرجوع إلى الوثيقة الرسمية للبرنامج، خصوصاً أن تقارير أخرى تحدثت عن سقف 15 ألف درهم.

الفارق بين الرقمين ليس تفصيلاً تحريرياً حين يتعلق الأمر بتقدير عدد المستفيدين وكلفة الإجراء.

مدارس الريادة: الإصلاح أمام امتحان القياس

في التعليم، انتقل بنسعيد من الدفاع عن الإصلاحات إلى الاعتراف بوجود ملاحظات تستوجب التقييم. تحدث عن ملاحظات أثيرت داخل البرلمان، وعن أمهات التقاهمن خلال الحملة الانتخابية يقلن إنهن لم يلاحظن تحسناً في أداء أبنائهن.

هذه الشهادات، كما وردت في التصريح، لا تكفي وحدها للحكم على نتائج تجربة مدارس الريادة. لكنها تفسر لماذا يدعو بنسعيد إلى تقييم موضوعي، خصوصاً أنه أشار إلى تقرير داخلي أنجزه الحزب بمشاركة أساتذة معنيين بالموضوع.

داخل هذا التقرير، بحسب عرضه، توجد قراءتان. الأولى ترى أن الأثر الحقيقي للإصلاح ينبغي أن يقاس في مراحل لاحقة من المسار الدراسي، عندما يصل التلاميذ الذين يستفيدون حالياً من التعليم الأولي إلى السلك الإعدادي. والثانية تحذر من الانتظار طويلاً، وتدعو إلى فحص مسار التجربة من الآن.

الاختلاف هنا يتعلق بتوقيت القياس، لكنه يمس أيضاً طريقة إدارة الإصلاح. فالتقييم المؤجل قد يسمح برصد آثار بعيدة المدى، بينما يتيح التقييم المرحلي اكتشاف مواطن الخلل وتعديل الممارسة قبل اتساعها. ولا يمكن حسم أي من القراءتين بالتصريح وحده، لأن الأمر يحتاج إلى معايير واضحة ونتائج قابلة للمقارنة.

وتوجد، في المقابل، معطيات رسمية تعلنها الحكومة حول أثر مؤسسات الريادة. فقد عرض رئيس الحكومة في يونيو 2026 نتائج وصفها بالإيجابية، مستنداً إلى تقييمات من مؤسسات وطنية وهيئات مستقلة. لذلك، فإن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على الانطباعات المنقولة من الأسر أو المواقف الحزبية، بل يتطلب وضع هذه المعطيات أمام تقييمات مستقلة ومنهجية، مع تحديد ما الذي تقيسه كل دراسة، ومتى أجريت، وعلى أي عينة.

المنصوري ولقجع: من شائعة التنافس إلى قاعدة الفصل 47

الجزء السياسي من حديث بنسعيد اتجه إلى مسألة أكثر حساسية داخل الحزب: الحديث عن وجود تيارين، أحدهما يدعم فاطمة الزهراء المنصوري لرئاسة الحكومة المقبلة، والآخر يساند فوزي لقجع.

رده كان مباشراً: «إذا كان الأمر هكذا فلا أحد قرأ الدستور». ثم استحضر الفصل 47 من الدستور المغربي، الذي ينص على تعيين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.

المقتضى الدستوري يحدد مسار تعيين رئيس الحكومة، لكنه لا يحسم بمفرده كل الترتيبات السياسية التي قد تسبق التعيين أو تليه. أما مسألة وجود تيارين داخل «البام»، فقد نفى بنسعيد تقديمها باعتبارها واقعاً تنظيمياً، مؤكداً أن الحزب يضم المنصوري ولقجع وباقي المناضلين ضمن إطار قيادي واحد.

وتحدث عن «هدنة إيجابية» يعيشها الحزب منذ سنة 2020، ربطها بإمكانية تقوية البناء التنظيمي، بعد سنوات من الصراعات التي قال إنها عرقلت استكمال هذا الورش. ويقدّم بنسعيد هذا التوافق باعتباره عاملاً يساعد على معالجة إشكالية الثقة بين المواطن والفاعل السياسي.

لكن الحديث عن التوافق التنظيمي يظل منفصلاً عن اختبار سياسي آخر: كيف سيتعامل الحزب مع التنافس الداخلي على المواقع والاختيارات إذا فرضت نتائج الانتخابات ترتيبات جديدة؟ لا يجيب التصريح عن هذا الاحتمال، ولا يثبت وحده وجود خلاف أو غيابه في المستقبل.

التحالف مع الأحرار: الطموح الانتخابي وحدود الرد السياسي

في موضوع التحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار، أعلن بنسعيد تأييده للموقف الذي سبق أن عبرت عنه فاطمة الزهراء المنصوري، حين قالت إنها غير معنية شخصياً بالتحالف مع الأحرار إذا تصدر الحزب الانتخابات.

ربط بنسعيد هذا الموقف بما وصفه بـ«هجمات» تعرض لها «البام» بعد إعلانه طموحه إلى رئاسة الحكومة المقبلة. واعتبر أن من حق حزبه، مثل باقي الأحزاب، أن يطمح إلى تصدر الاستحقاقات، وأن مهاجمته بسبب هذا الطموح غير مبررة من وجهة نظره.

كما انتقد ما وصفه باستخدام مصطلحات رياضية داخل المجال السياسي، في إشارة إلى نقاشات ظهرت بعد التحاق فوزي لقجع بالحزب، وقبل تداول التسريب المنسوب إلى راشيد الطالبي العلمي حول احتمال تولي لقجع حقيبة وزارة المالية في الحكومة المقبلة. والتسريب، كما ورد في المادة، منسوب إلى صاحبه، ولا يثبت بمجرد تداوله قراراً سياسياً أو ترتيباً حكومياً محسوماً.

بنسعيد لم يقدّم في التصريح تفاصيل برنامج تفاوضي بشأن التحالفات، ولم يحدد شروطاً مؤسساتية أو سياسية يمكن على أساسها قراءة موقف الحزب بعد الانتخابات. ما أكده هو أن «البام» يريد أن يُعامل طموحه الانتخابي باعتباره حقاً مشروعاً، وأنه لا يرى في الهجوم على هذا الطموح ممارسة منسجمة مع ما يسميه الأخلاقيات السياسية.

ما الذي يكشفه التصريح عن خطاب «البام»؟

تتوزع مواقف بنسعيد بين ثلاثة مجالات متداخلة: الوعد الاجتماعي، وتقييم الإصلاح العمومي، وتدبير التنافس السياسي. في الأجور، يضع القدرة على التنفيذ وكلفة الإجراء على المقاولات في صلب النقاش. في التعليم، يفتح باب التقييم رغم استمرار الإصلاح. وفي رئاسة الحكومة والتحالفات، يؤكد وحدة الحزب وحقه في المنافسة.

هذه المواقف لا تقدم، في حد ذاتها، دليلاً على كيفية تنفيذ كل التعهدات أو على النتائج التي يمكن أن تحققها. لكنها توضح نوع الأسئلة التي يريد بنسعيد أن يطرحها على الناخبين في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية: من يتحمل تكلفة الوعود الاجتماعية؟ كيف تقاس نتائج الإصلاحات؟ وما حدود التنافس داخل الحزب وبين الأحزاب؟

والاختبار الفعلي لهذه التصورات سيبقى مرتبطاً بالبرنامج المكتوب، والأرقام التي تسنده، ثم بالقدرة على تحويل التعهدات إلى قرارات قابلة للقياس بعد الاستحقاق الانتخابي.